«إيد بإيد نعمر بيروت اللي خدوها منا».. «كريستل» تروي للشروق قصة إعادة إعمار بيروت

آخر تحديث: الأحد 30 أغسطس 2020 - 6:10 م بتوقيت القاهرة

هديل هلال

30 يوما بالتمام والكمال مضت على انفجار مرفأ بيروت، ولكن الأيام لم تفلح في طي صفحة الأنين والآلام التي نجمت عن تلك الأزمة، مشاهد مؤلمة نالت الحيز الأكبر مما تداولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، صور ومقاطع فيديو لأناس يصرخون وآخرون تدهشهم الصدمة في ليلة بكى فيها العالم تضامنا مع لبنان الذي نزف الدماء وفقد أكثر من 130 شخصا وجُرح الآلاف.

تصريحات سياسية خرجت تؤكد أن المسؤولين ستتم محاسبتهم، ونزاعات طفت على السطح، وتوالت استقالات النواب إلى أن تقدمت الحكومة باستقالتها، ولكن وسط هذا القدر من الدمار والخراب لم يجد البعض جدوى من النحيب والبكاء، وقرروا مد أيديهم للبنان الجريح والمساهمة في إعادة الإعمار.

ذكريات عدة تبادرت إلى ذهن كريستل الكوسا، عندما سمعت بانفجار مرفأ العاصمة اللبنانية، فعلى مدار 15 عامًا، مثلت لها بيروت المنزل والعائلة والأصدقاء وحب العمر وذكريات الطفولة، تقول في تصريحات لـ«الشروق»: «بيروت تعني لي الكثير، والدي ووالدتي من منطقة الأشرفية ببيروت، كانوا جيران ساكنين قصاد بعض، كنت أزور جداتي في الأشرفية، ومدرستي راهبات المحبة بالأشرفية كانت بساحة ساسين ببيروت والتقيت فيها بحب عمري، وأمي كانت معلمة بمدرسة القلب الأقدس بمنطقة الجميزة ببيروت».

تعيش كريستل، البالغة من العمر 24 عامًا، خارج بيروت الآن، وعلى الرغم من بُعدِها عن «العاصمة المنكوبة» إلا أنها لم تتردد في أن تعود إليها بعد الانفجار وتشارك في مبادرات إعادة إعمار المدينة، واصفة شعورها بعد انفجار المرفأ: «أول ما حدث الانفجار كنت مخضوضة ولا أعلم ماذا أفعل، كنت أطمئن على كل أصدقائي ببيروت، كلنا كنا مخضوضين ولا نعرف الخطوة التالية لفعلها».

لمشاهدة الفيديو اضغط هنا

قررت الفتاة اللبنانية أن تساعد رفقائها والأشخاص «اللي ما حدن بيتطلع فيهن»، بعد رؤيتها للمبادرات الإنسانية الفردية التي تساهم في مساعدة من تهدمت منازلهم وتنظيف الشوارع، فبحسب ذكرها، الدولة اللبنانية والسياسيون في لبنان لم يسألوا المواطنين عن حاجتهم، بل حتى لم يعطوهم أدوات التنظيف التي تساعد في إعادة إعمار المدينة.

ولا تعلم كريستل من أين امتلكت هي ونظرائها الشجاعة لتنظيف الشوارع وإزالة الزجاج المهشم والأخشاب المتناثرة بكل الأرجاء، رغم ارتفاع حرارة الجو وصعوبة العمل على أرض الواقع، متابعة في تصريحاتها لنا: «نزلنا بقلب شجاع لنغير ونساعد العالم المعطرة اللي هما أصدقائنا وعيالنا، وجبنا المكانس والكفوف، صبايا وصغار لم نهتم بشيء.. لدي أصدقاء بالدفاع المدني والإطفاء يذهبون يوميًا للبحث عن جثث المفقودين، ومن أصعب الأشياء البحث عن أهلك وذويك بالردم».

 

View this post on Instagram

عم نلملم بقايا #بيروت وقلبنا مكسّر... رح نرجع نعمّرا💔🇱🇧🙏🏻

A post shared by Krystel Koussa Photography (@krystelkoussaphotography) on

 

عجزت الشابة اللبنانية عن وصف شعورها بعد مبادرات إعادة الإعمار، فقد شعرت بأحاسيس مختلطة لم تشعر بها سابقًا؛ تراوحت ما بين الفرح لمساعدة الأهالي، وبين الأذى وخيبة الأمل بالسياسيين الذين فعلوا بهم هكذا وتركوا أصدقائها يموتون وتتهدم بيوتهم دون أن يسأل عنهم أحد. أما عن ردة فعل الأهالي بعد إعادة الإعمار، أردفت: «ردة الفعل حلوة تفرح القلب، شعور يخليك تكفي لو قد ما تعبت».

أحد ردود الأفعال كانت من الجدة سعاد الساكنة بمنطقة الكرنتينا، تروي كريستل قصتها لنا: «تيتة سعاد لم تتأذَ جسديًا لكنها رأت صديقة عمرها كانت تموت على الدرج، ولم تستطع أن تفعل لها شيئًا، بعد أن ساعدنها دعت لنا بالخير ولم تجد الكلمات الكافية لشكرنا والتقطنا معها صورة انبسطت أد الدنيا فيها».

 

View this post on Instagram

الصور هي ذكريات... بيتمسك فيا الانسان عبر السنين تيتذكر اجمل اللحظات والاوقات اللي عاشا... تيتا سعاد ما بقالا الّا الصور من بعد ما شافت جارتا الباب بالباب وصديقة عمرا عم بتموت ادام عيونا عالدرج. بس جينا نساعدا صارت تعتذر انو هي مش قادرة تقوم تساعدنا! معقول؟ اللبنانيين ما في اكبر من قلبهن❤️ بتستاهلي اكتر من هيك يا تيتا🌹 🇱🇧

A post shared by Krystel Koussa Photography (@krystelkoussaphotography) on

 

وتضيف أن أحد أصحاب محلات الملابس الجاهزة أصر أن يعطي كل شخص من المجموعة التي شاركت بها «الكوسا» تذكارًا من محله، وذلك بعد أن ساعدوه على إزالة آثار الدمار الذي لحق به. وعلى الرغم من المبادرات التي يقوم بها المواطنون، فالشابة اللبنانية ترى بأنهم لا يقومون إلا بـ1% من العمل الواجب إنجازه.

بحكم مجال دراستها للإخراج والتصوير والتمثيل، لم تتردد كريستل في أن توثق بكاميراتها كل مبادرة شاركت فيها والأماكن التي تعني لها الكثير ببيروت، فهي تعتبره «حدثًا تاريخيًا»، كما أنها أرادت أن توثق حجم الدمار الذي تعرضت له العاصمة وحجم التضامن بين اللبنانيين في هذا الوقت العصيب. وبعكس الصورة المتداولة عن لبنان، أكدت «الكوسا» أن لبنان «شعب متضامن»، وترى بأن جزء صغير من الشعب منقسم سياسيًا ودينيًا وذهنيا، أما الجزء الأكبر من الشعب يتضامن مع بعضه البعض، ولا يتطلع إلى الديانة أو السياسة أو لون البشرة أو المذهب أو الطائفة.

تؤمن الشابة اللبنانية بالأمل بغض النظر عن المصائب التي توالت على لبنان منذ بداية العام 2020 من؛ الأزمة الاقتصادية، وموجة ارتفاع درجات الحرارة، وموجة الجراد، وحوادث الحرائق، وأخيرًا انفجار مرفأ بيروت، بل تعتقد أنه لا يوجد شعب لديه المقدرة على الصمود أمام كل هذه التحديات مثل الشعب اللبناني، متوجهة برسالة للشعب اللبناني: «إيد بإيد نقدر نعمر بيروت اللي أخدوها مننا، نحن عشنا بها وعمرناها ونمتلك ذكريات بكل شارع، وسهرنا فيها، عزمنا رفقات ليأتوا إلى بيروت من كل البلدان.. لبنان لديه أمل، وديمًا راح نرجع نعمر ونخلي الأجيال ترى بيروت كيف كانت».

وأعربت في ختام حديثها عن شكرها لكل الدعم المعنوي والمادي الذي أرسلته مختلف دول العالم إلى لبنان، فضلًا عن الرسائل التي تلقتها عبر صفحتها الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«إنستجرام»، التي مثلت الدافع والقوة لتستكمل مسيرتها في مساعدة الآخرين، مختتمة: «بعد نهار شغل كامل تعب وعرق وأذى بعيون العالم هذه الرسائل تعطيني اندفاع وقوة لليوم الثاني، أقوم 6 الصبح وأنزل بيروت لأن الأمر يستحق التعب وما راح نخليهم ياخدوا أحلامنا وطموحاتنا منا، وأتمنى راحة النفس لجميع ضحايا الانفجار، وشفاء جميع الجرحى، والتمكن من العثور على جميع المفقودين».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved