في ذكرى رحيله.. القاهرة أحد أبطال أعمال نجيب محفوظ
آخر تحديث: الأحد 30 أغسطس 2026 - 7:49 م بتوقيت القاهرة
محمود عماد
تمر اليوم الذكرى الـ20 لرحيل الكاتب والروائي العالمي نجيب محفوظ، الذي ولد في 11 ديسمبر 1911، ورحل عن عالمنا في 30 أغسطس 2006، تاركًا وراءه مسيرة أدبية امتدت لأكثر من ستة عقود، رسّخ خلالها مكانته واحدًا من أبرز الكتاب في الأدب العربي، قبل أن يتوج مشروعه بالحصول على جائزة نوبل في الأدب عام 1988.
ولعبت العديد من الأدوات دورًا مهمًا في مشروع نجيب محفوظ الأدبي، ويمكننا القول إن من أهمها القاهرة؛ تلك المدينة التي حضرت تقريبًا في أعماله كلها، ليس بوصفها مجرد فضاءٍ مكانيٍّ تدور فيه الأحداث، وإنما أضحت أحد أبطال محفوظ المتكررين في أعماله المختلفة.
وفي روايات نجيب محفوظ، حضرت الحارة المصرية النابتة من القاهرة الإسلامية في قلب أحداث مشروعه الأدبي، إذ إن في رواية «زقاق المدق»، يلعب المكان دور البطولة الأكبر، حيث من ذلك الزقاق المتفرع من حارة الصنادقية، الموازية لشارع المعز في قلب القاهرة الفاطمية، تخرج لنا إحدى أشهر روايات محفوظ.
ويعكس نجيب محفوظ في روايته واقع المجتمع المصري في ظل تداعيات الحرب العالمية الثانية، حيث تتناول الرواية حياة مجموعة من سكان الزقاق، مع التركيز على شخصية حميدة، الفتاة الشابة التي تسعى للهرب من واقع الفقر، الطامحة إلى حياة أكثر رفاهية.
ويقودها هذا الطموح إلى التورط في علاقات مشبوهة، بعد أن تقع في شباك فرج، الذي يستغلها ويُدخلها عالم الدعارة، فيما تقدم الرواية تصويرًا واقعيًا لحياة الطبقة الفقيرة، وتتناول موضوعات مثل تأثير البيئة على مصير الإنسان، والصراع بين الطموح والواقع، بتعبير أدبي يحمل أبعادًا فلسفية واجتماعية.
ونرى بوضوح أن المكان، الذي هو القاهرة، ليس مجرد مسرح للأحداث، وإنما هو محرك رئيسي للأحداث، وخالق لدوافع الشخصيات.
في ثلاثية القاهرة الشهيرة، التي تضم روايات «بين القصرين»، و«قصر الشوق»، و«السكرية»، حضرت حارة القاهرة باعتبارها أحد أشكال مقاومة الاحتلال الإنجليزي تارة، وشاهدة على ذلك العصر في بداية القرن العشرين ورجاله تارة، ثم التطور الذي بدأ في مصر تارة أخرى.
الحارة القاهرية هنا كانت بمثابة الرمز لمصر كلها؛ هي التي أنجبت المصريين المختلفين الذين يرسمون حاضر البلد ومستقبله، فهنا كانت القاهرة، بشكل ما، الأم التي تحتضن أبناءها، والتي اعتمد عليها محفوظ للمشاركة في إنتاج شخصياته الروائية.
ويمكن في الروايات الأربع التي ذكرناها، لمس ذلك التأثير المكاني؛ فهنا عناوين الروايات ذاتها نابعة من أسماء لمناطق عتيقة في القاهرة الإسلامية، وهي المكان المؤثر بشكل كبير في شخصية نجيب محفوظ، وهو الذي ولد وقضى طفولته في حي الجمالية، القريب من كل تلك الأماكن التي تحدث عنها، وعن دهاليزها، وعن الناس المقيمين بها، كأنه يحفظهم عن ظهر قلب.
لم يكتفِ نجيب محفوظ بوصف الحارة القاهرية فقط، ولكنه في ذات الوقت عرّج على القاهرة المدينة، ويمكننا رؤية ذلك في روايته «القاهرة الجديدة»، التي شرّح فيها محفوظ المجتمع المصري في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، عبر كتابة تركز على الواقعية الاجتماعية، ومن منطلق شخصية محجوب عبد الدايم، المتسلق الوصولي.
هنا القاهرة تحضر بوصفها بطلًا، حيث هذه القاهرة الجديدة هي التي يحذر منها نجيب محفوظ، ويقول عبر شخصيات روايته إن هذا قد يصبح الواقع للمجتمع المصري، إن لم يكن قد أصبح بالفعل.
في مرحلة أخرى من مشروع نجيب محفوظ الأدبي، وهي المرحلة الذهنية أو الفلسفية، والتي كانت درتها رواية «اللص والكلاب»، وبطلها سعيد مهران، اللص الذي تتحول في حكايته القاهرة بشوارعها وتفاصيل أزقتها إلى جزء وثيق من رحلة الهروب والانتقام والبحث عن الذات، والمطاردة التي تجعل سعيد مهران مغتربًا عن العالم كله.
وفي رواية «ثرثرة فوق النيل»، تتحول القاهرة إلى رمز، إذ تصبح العوامة التي تدور فيها الأحداث، بشكل ما، شكلًا من أشكال قاهرة المثقفين، ولكنها قاهرة هامشية معزولة في تلك العوامة.
ويبرع نجيب محفوظ في التعبير عن حالة الضياع والاغتراب التي يعيشها مثقفو هذه الفترة في ستينيات القرن الماضي، ويجسد ذلك الضياع السياسي والاجتماعي الذي يمرون به.
فيما لم تكن القاهرة، مجرد أداة مكانية في مشروع نجيب محفوظ الكتابي، وإنما كانت أحد أبطال رواياته، حيث لم تعد مجرد فضاء مكاني تدور فيه الأحداث، بل صارت منتجة للأحداث، ومسرحًا تتفاعل فيه الشخصيات معًا؛ لتؤثر في رحلة العمل.
كما لا يمكن فصل نجيب محفوظ عن القاهرة، ولا القاهرة عن نجيب محفوظ؛ فمن بداية الحضور القاهري في الأعمال المحفوظية، أصبحت القاهرة رمزًا لأدب نجيب محفوظ، وأصبح محفوظ رمزًا من رموز القاهرة، التي استطاع التعبير عنها ببراعة كبيرة، سواء أكانت الحارة العتيقة، وأزقتها ودهاليزها الضيقة، أو المدينة المتسعة التي تبتلع قاطنيها.