في ذكرى رحيل نجيب محفوظ.. رواية أولاد حارتنا بعيدا عن الجدل

آخر تحديث: الأحد 30 أغسطس 2026 - 6:05 م بتوقيت القاهرة

محمود عماد

تمر اليوم الذكرى العشرون لرحيل الكاتب والروائي العالمي نجيب محفوظ، الذي ولد في 11 ديسمبر 1911، ورحل عن عالمنا في 30 أغسطس 2006، تاركًا وراءه مسيرة أدبية امتدت لأكثر من ستة عقود، رسّخ خلالها مكانته واحدًا من أبرز الكتاب في الأدب العربي، قبل أن يتوج مشروعه بالحصول على جائزة نوبل في الأدب عام 1988.

وأصبح محفوظ، منذ منتصف القرن الماضي، اسمًا أدبيًا لامعًا في مصر والعالم العربي، خصوصًا مع أعماله الواقعية التي رصد من خلالها المجتمع المصري وتحولاته، وعلى رأسها ثلاثيته الشهيرة «بين القصرين»، و«قصر الشوق»، و«السكرية»، كما ساهم انتقال عدد كبير من أعماله إلى السينما في وصول اسمه وشخصياته إلى جمهور يتجاوز دائرة القراء والمثقفين.

لكن مشروع محفوظ، لم يبقَ أسير الواقعية التي عُرف بها، إذ شهدت مسيرته تحولات فنية وفكرية متعددة، كان من أبرزها رواية «أولاد حارتنا»، التي تمثل لحظة مختلفة في تجربته الروائية، سواء على مستوى البناء أو اللغة أو استخدام الرمز.

بعد ثورة يوليو 1952، توقف محفوظ عن كتابة الرواية لعدة سنوات، بعدما رأى أن الواقع الجديد الذي جاءت به الثورة يعالج بعض القضايا التي كان يتناولها في أعماله السابقة.

وعاد بعد هذا التوقف إلى الرواية بـ«أولاد حارتنا»، التي نشرها مسلسلة في صحيفة الأهرام عام 1959، لتبدأ واحدة من أكثر مراحل تجربته الأدبية إثارة للجدل.

لم يعد محفوظ في «أولاد حارتنا» إلى الحارة المصرية بالطريقة نفسها التي عرفها القارئ في أعماله السابقة، وإنما جعل منها فضاءً يتجاوز المكان الواقعي، لتصبح نموذجًا مصغرًا للعالم، تتحرك داخله أسئلة الإنسان الكبرى: «السلطة والظلم، الخير والشر، المعرفة والخلاص».

ومن هنا يأتي التحول الأبرز في الرواية؛ فالحارة ليست مجرد خلفية للأحداث، وإنما هي العالم نفسه، والوقائع التي تجري فيها يمكن قراءتها على مستويات متعددة.

ويمنح الرمز الرواية مساحة واسعة للتأويل، بحيث لا يصبح المعنى محصورًا في قراءة واحدة، وإنما يشارك القارئ في إنتاجه من خلال ما يراه في الشخصيات والأحداث والعلاقات بينها.

تبدأ الرواية من الجبلاوي، صاحب البيت الكبير، الذي يمتلك الوقف الذي يتحكم في الحارة كلها، ثم تتوالى الحكايات والشخصيات في الحارة، من أدهم وإدريس، إلى جبل، ورفاعة، وقاسم، وصولًا إلى عرفة، حيث تتكرر خلال الرواية محاولة مواجهة الظلم، وإعادة بناء الحياة داخل الحارة.

في الحكاية الأولى، يظهر أدهم الذي يعيش في بيت الجبلاوي، والذي يعطيه الجبلاوي امتياز إدارة الوقف، قبل أن ينتهي به الأمر إلى المغادرة والانتقال إلى الحارة، بسبب مكيدة إدريس الذي غضب من اختيار أدهم لإدارة الوقف، وأدى اعتراضه إلى طرده.

ثم تتوالى حكايات جبل ورفاعة وقاسم، الذين يواجهون الفتوات ويسعون إلى تخليص أبناء الحارة من الظلم، قبل أن يظهر عرفة في الحكاية الأخيرة بشخصية وأدوات تختلف عمن سبقوه.

ولا تبدو هذه الحكايات منفصلة تمامًا، إذ تقوم الرواية على قدر واضح من التكرار؛ فكل مرحلة تقدم شخصية جديدة تحاول تغيير الواقع ومواجهة الظلم، قبل أن تعود الحارة إلى أزماتها من جديد.

وكأن محفوظ لا يروي تاريخًا خطيًا، بقدر ما يعيد طرح السؤال نفسه في صور مختلفة: لماذا يفشل الإنسان في الحفاظ على ما حققه من سبقوه؟ وهل يكفي ظهور المخلص لتغيير العالم، أم أن الصراع يعود مع كل جيل؟

ويأتي الجبلاوي، في قلب هذا البناء الروائي؛ فهو حاضر رغم غيابه، وتظل شخصيته مصدرًا للسلطة والذاكرة والأسئلة التي تحكم الحارة.

لا يظهر الجبلاوي بوصفه شخصية عادية تتحرك وسط الأحداث، وإنما يظل في الخلفية، حاضرًا في وعي أبناء الحارة وفي حكاياتهم وانتظاراتهم، وهو ما يمنحه مساحة واسعة من الغموض والتأويل.

وفي المقابل، يمثل عرفة لحظة مختلفة في مسار الحكاية؛ إذ يدخل إلى عالم الرواية بأدوات لا تشبه أدوات الشخصيات التي سبقته، ويصبح العلم والتجربة جزءًا أساسيًا من علاقته بالعالم.

وبذلك لا تظل الرواية واقفة عند إعادة إنتاج الحكاية نفسها، وإنما تفتح في نهايتها سؤالًا جديدًا حول علاقة الإنسان بالمعرفة وقدرته على تغيير واقعه.

ولعل هذا هو ما يجعل «أولاد حارتنا» واحدة من أكثر روايات نجيب محفوظ أهمية من الناحية الفنية؛ فهي لم تكن مجرد امتداد لرواياته الواقعية، وإنما محاولة لبناء عالم رمزي واسع من خلال المكان الأكثر التصاقًا بتجربته: الحارة المصرية.

وأثارت الرواية، منذ نشرها، جدلًا واسعًا بسبب بنيتها الرمزية واستدعائها لشخصيات وحكايات ذات صلة بالتراث الديني، وهو الجدل الذي أصبح جزءًا أساسيًا من تاريخها.

إلا أن اختزال «أولاد حارتنا» في هذا الجدل وحده يحجب جانبًا من أهميتها الأدبية؛ فهي واحدة من اللحظات التي أعاد فيها محفوظ اختبار أدواته الروائية، وانتقل من تسجيل الواقع إلى إعادة بناء عالم كامل يمكن من خلاله طرح أسئلة تتجاوز زمان الحكاية ومكانها.

وتتحول الحارة عند نجيب محفوظ من مكان مصري محدد إلى فضاء إنساني مفتوح؛ حارة صغيرة، لكنها تحمل داخلها تاريخ البشر وأسئلتهم القديمة عن العدل والسلطة والخلاص والمعرفة.

وربما تكمن قوة «أولاد حارتنا» في أن محفوظ لم يمنح قارئه معنى واحدًا مغلقًا، وإنما ترك أمامه عالمًا من الرموز والحكايات، يقرأه كل قارئ من موقعه، ويعيد اكتشاف أسئلته كلما عاد إلى الرواية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved