نبيل نعوم يكتب : القطة الغارقة فى النعاس

آخر تحديث: الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 6:26 م بتوقيت القاهرة

بدا على وجهها الإرهاق، وظهرت التجاعيد الهينة حول العينين والفم.
«لَمْ أنم لعدة ليال». قالت ساندى لبرت حين وصولها، ما زالت ساخطة على نفسها، وعلى عذابها بسبب هجر مراد لها، كيف ارتبطت به كل هذا الارتباط؟ كيف عاشت وهم استمرار علاقتهما؟ مراد الذى ظنته أحد العابرين فى سكتها، أحد الذين لم يتوقفوا عن عرض أنفسهم عليها فى كل ليلة. وهى المثقفة الثورية التى رحلت بين جامعات العالم تُدرس التاريخ السياسى، كيف صارت حياتها متوقفة عليه؟ لا تكاد تصدق نفسها، ولكنها تصدّق جسدها الذى عشقه. يلفت نظرها فى أول الأمر بتحمسه للنظريات الاشتراكية التى تبدلت، وظلت بواكير تنظيراتها عالقة برءوس أجيال متلاحقة فى دول العالم الثالث. بل ألم يثيرها هذا المزيج بين البراءة، والمثالية المتحجرة؟ ثم فجأة، قرر الزواج من مصرية. ومن مَنْ؟ فتاة لا تمثل بالنسبة لها سوى التفاهة. تعرفها خلال دوائر العلاقات المتشابكة. كثيرة الكلام فيما لا تعرف. فخورة ببعض الملاحة التى لا تقارن بجمالها هى. أو حتى بالعديد من المصريات الأخريات. اسمها دوللى. يا له من اسم لمصرية! فجأة يقرر الزواج، وقطع علاقته بها. وها هو شهر يمر دون رؤيته، فقد رحل مع زوجته لقضاء شهر العسل.
فى البداية ظنّت أنَّ ألمها سببه الغيرة، أو الخسارة، أو المنافسة، أو الصدمة، أو الكبرياء، ولكنها بمرور الأيام اكتشفت أنه بسبب حرمان جسدها منه.
ولإحساسها بالحاجة للكلام مع صديق يفهمها، هكذا قررت زيارة برت الذى يُدرس معها بالجامعة الأمريكية، وإن كان من أقل الذين بإمكانهم مساعدتها، فهو، وحسب الصورة المعروفة عنه، قد ملّ الحياة الاجتماعية، واعتكف مكتفيا بكأسه، وبعض القطط التى وجد فى صحبتها تعويضا عن متاهات العلاقات الإنسانية، إلا أنه يجيد الإصغاء.
عند وصولها، سألته أن يفتح بعض النوافذ، فرائحة الحيوانات - بسبب طول معاشرتها - لم يعد بقادر على إدراك مدى قبحها.
لم يكن برت على استعداد لقضاء تلك الأمسية معها، فهو مدرك منذ أن طلبته تليفونيا، أن عدة ساعات من وقته ستضيع فى الاستماع لقصة قديمة ومكررة، قصة ليس لها من حل سوى النسيان، أو الانتحار، أو الانغماس فى علاقة جديدة. بالطبع باستبعاد الحل الأمثل، وهو الابتعاد عن منبع تكرار الألم. رفض الغول الكامن فى بطن كل فرد: الشبق النهم للجنس.
أوسع برت لها مكانا على الأريكة المغطاة بالكتب والمجلات والجرائد، والوسائد التى مزقتها مخالب وأنياب قططه.
مباشرة، ودون تأجيل، فهى عاجزة عن احتمال الألم، سألته إن كان بإمكانها البكاء. نظر إليها وعلى وجهه تعبير، تصوّر أنه المناسب فى مثل هذه المواقف، وأخبرها أنها تستطيع أن تبكى كما تشاء.
انفجرت ساندى باكية، فهى طوال المدة السابقة لم تستغل هذه الوسيلة المريحة للتنفيس عن مشاعر ضيقها. لكن شيئا فى نظرته كان مضحكا. محاولته التظاهر بالجد الذى لا يتفق مع ملامح وجهه التى تعبر عن اللامبالاة. ضاقت عيناه، وزُمت شفتاه حتى كادتا تختفيان. لم يكن برت دميما، ولكن وجهه كان وجه مهرج، لذا انتابتها نوبة من ضحك اختلطت بالبكاء، فصارت تضحك وتبكى فى آن واحد، وتحول المشهد بالنسبة له إلى أداء رائع، يقارن بكبار الممثلات.
اغتنم برت هذه الفرصة، وتركها ليحضر زجاجة نبيذ، وبعض الجبن، فهو لا يطهو، كما أن ثلاجته لا تحوى عادة سوى أكل القطط.
حين عودته كانت ساندى قد أوسعت لها مكانا على الأريكة، وتمددت، مغطية وجهها بيديها. بدا أنها نسته، أو غرقت ثانية فى أحزانها وشوقها وغضبها. انتبهت على صوت وضع الأطباق والزجاجة على المنضدة، وكأنها خشيت أن يروعه التشويه الذى حدث بوجهها نتيجة اختلاط الدموع بالمساحيق. طلبت منه أن يخفف من إضاءة الحجرة، حتى لا يراها فى هذه الحالة. وحين لاحظت محاولته اليائسة فى إيجاد مكان له على أحد المقاعد المشغولة بالقطط، أفسحت له مكانا، وطلبت منه معتذرة أن يجلس إلى جوارها.
«أنا آسفة على إزعاجك يا برت، ولكنك تعرف أنك صديقى العزيز، حقيقة أننا لا نلتقى كثيرا، ولكننى واثقة من أنك الوحيد القادر على مساعدتى، أو على الأصح مساندتى فى هذا الموقف التعس الذى وجدت نفسى فيه».
رسم برت ابتسامة على وجهه. صبّ لهما بعض النبيذ، فعادت إليها الضحكة، خاصة حين حاول الجلوس دون أن يلمس جسدها الممدد بطول الأريكة. ضمّت ساقيها قليلا لتفسح له مكانا، وسألته:
«برت لم أنا فى هذا العذاب؟! أعرِف أن الأمر كله يبدى، ولكن ماذا أصابنى؟ لقد خبرت العديد من التجارب من قبل، وأيضا العنيفة منها.
لم أعد صغيرة يا برت لمثل هذه الحكايات الصبيانية، لكننى عاجزة. عاجزة».
أشعل برت سيجارة، وأخذ يرشف كأسة على مهل متلذذا بمذاق نبيذه.
فرغت هى من نصف كأسها فى جرعة واحدة ثم أكملت:
«برت، أنت مثلا، ألم تحب أبدا، ألم تمر بمثل هذه التجربة من قبل؟ أخبرنى يا برت عن سر تماسكك الفريد، لا تقل لى إنك بابتعادك عن الحفلات والعلاقات قد أنهيت على هذه الخاصية التى نولد بها والمسماة بالعاطفة، قل لى يا برت، هل نولد باختلاف فى الجوهر؟ هل كل هذا العناء بسبب شخصياتنا؟ بسبب حبنا لأنفسنا؟ بسبب رعبنا من الخسارة؟ أخبرنى يا برت، هل بإمكاننا التغلّب على الغيرة والإحساس بالامتهان لترك الآخرين لنا؟ لم أنا حزينة وغبية يا برت؟». عادت ساندى للبكاء.
قفزت قطة إلى حجره، بينما حاولت أخرى اختلاس قطعة من الجبن، وحين خشى أن تبعثر الثالثة أوراقه المتروكة على أحد المقاعد، نهض وقرر حبسهم فى حجرة داخلية، ثم عاد ومعه فيما يبدو قطته المفضلة، والتى تلمست طريقها مرة أخرى فوق حجره.
كانت ساندى قد تمالكت نفسها، أخذت كأسها وملأته ثانية، وجلست تنظر إلى المنضدة. قطع برت أنواع الجبن المختلفة، واقترح عليها أن تأكل قليلا. لم تلتفت إلى اقتراحه، واستمرت فى الحديث:
«هذه المرة الأولى منذ أن تركنى، منذ أن أخبرنى بقراره، بوقاحة غير منتظرة، هذه هى المرة الأولى يا برت التى أبكى فيها، والتى أحس ببعض الراحة؟».
اعتبر برت ذلك بداية طيبة. ملأ الكأسين، وتناول قطعة من جبن الغنم المدخن المصنّع محليا، والذى اكتشفه أخيرا فى محل بقالة قريب من منزله.
عادت ساندى إلى استرخائها. جمعت بعض الوسائد على حافة الأريكة. سندت رأسها، واسترسلت..
«هى ليست أكثر منى جمالا يا برت، أنا متأكدة، ولا ذكاء. وهو، أتعرف ما المشكلة؟ لا تسخر منى. أنا لست بمراهقة، ولكننا تواصلنا. لقد وصلنا معا لدرجات من اللذة لا يمكن وصفها. كأننى لم أعرف المتعة من قبل. كان جسدى قبل معرفتى له كالرمال اليابسة المنتظرة أن تبتل. كان كالصخور الجارحة، ثم هذبتها لمساته. لا تسخر من شاعريتى، بل كانت شاعريته. لقد عرفت من قبله الكثير، لكننى لم أحس بمثل هذا الانسجام الكامل إلا معه. لقد عشقت جسده، جسده كله يا برت. أن أستيقظ فى الصباح إلى جواره. أن يضمنى. مجرد رؤيته. أهذا هو العته؟ حتى فكرة الضمان، ضمانه إلى الأبد لم تخطر على بالى من قبل. هل هى رغبتى فى إقامة علاقة مستمرة؟ هل هو ضجرى من القفز من فراش لآخر؟ هل هو السن، برت؟ أنا ما زلت صغيرة. أنت تعرف هذا يا برت. أنا لم أتجاوز الخامسة والثلاثين بعد. هل تبدل تفكيرى نتيجة معرفتى به؟ بل دعنى أخبرك أنا لا أريد الزواج منه، حتى لو كان طلبنى. فهو مختلف عنى تماما. هل هو حب الامتلاك؟ هل هو إحساس بالفشل تجاه واحد منهم؟ أعنى واحدا من العالم الثالث؟ أنا لست نرجسية أو فاشية، أنت تعرف هذا يا برت. أعنى هل هم مختلفون عنا؟ هل هناك بالفعل ما يسمى بمنطق العالم الثالث الذى يصعب علينا فهمه؟ قل لى يا برت. لقد عشت بينهم لفترة أطول مني. لِمَ يتزوجون دائما فيما بينهم؟ هل هى محاولة عقابى؟ عقابنا؟ هل هو الانتقام من صورتنا المشوهة فى أعينهم؟ لقد أحببتهم يا برت. كم من دولة نامية عملت بها، وأحببتهم، وأحببت وسائلهم فى معالجة مشاكل حياتهم بطرق وإن كانت ساذجة، إلا أنها موائمة لهم. ولكن، مراد؟ لِمَ فعلها؟ وبالتحديد معى. ومن أجل مَنْ؟ دوللى؟ بل حتى إن لم تكن دوللى، كان سيتركنى من أجل فتاة مصرية أخرى. لِمَ يا برت؟ قل لى. أم نحن المختلفون؟ ما سر اختلافنا عنهم؟ ما هو السر يا برت؟ قل لى. أجبنى. برت. أنا واثقة أنك تعرف الإجابة. أنا واثقة أنك الوحيد القادر على مساعدتى. الآن. برتراند. برتى ما هو سر تعاليك؟ ما هو سر تفوقك؟ ما هو سر تفوقنا؟».
انتهت ساندى من كأسها، وصبت بدورها المزيد من الخمر لهما. كان برت مصغيا لكل ما تقول، وقد كست وجهه حمرة باهتة، نقلت لها إحساسه بالدفء، والتفهم. برقة ودون أن تغير موضعها، اقتربت بقدميها التى تحاشت ملامسته من قبل، ووضعتهما فوق حجره، تداعب القطة التى كانت غارقة فى النعاس.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved