كوم الدكة بالإسكندرية.. متحف للحياة تروي فيه الوجوه حكايات الزمن
آخر تحديث: الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 3:44 م بتوقيت القاهرة
تحرير وتصوير: حنان عاطف
في الوقت الذي تتسارع فيه خطى العالم نحو الحداثة، ثمة أزقة في قلب الثغر السكندري ترفض أن تخضع لقوانين الزمن، هنا في حي «كوم الدكة» العريق، لا تحتاج إلى آلة لتعود إلى الماضي؛ يكفيك فقط أن تخطو خطوة واحدة داخل الحارة لتجد نفسك وسط لوحة حية تنبض بالتفاصيل، والوجوه التي حفرت الأيام قصصها على ملامحها.
تلك المنطقة التاريخية التابعة لحي وسط الإسكندرية التي ما إن تطأها قدماك، حتى تشعر بدفء المكان، وكأن روح أهلها الطيبة تطغى على كل تفاصيله، هناك بساطة وسعادة غير متكلفة، تلمسها في عفوية الأطفال، والرحمة بالحيوان، وابتسامات الأهالي التي تمنح المكان روحًا خاصة، في كوم الدكة، تجد جمالًا لا تصنعه المباني القديمة وحدها، بل الأرواح الطيبة التي تجعل للمكان حكاية، وللقلب سببًا كي يعود إليه.
السلالم العتيقة
تبدأ الرحلة وتتجسد الحكاية حين تترك شارع فؤاد الأنيق وراء ظهرك، وتبدأ في صعود درجات السلم العتيق، الذي يقبع بجواره مقام الإمام يعقوب بن عبد الرحمن بشموخه وروحانيته، لتفتح لك المنطقة الشعبية ذراعيها وتعلن بدء رحلتك في ملتقى الفن والأصالة؛ مسقط رأس فنان الشعب سيد درويش، والمقهى الشهير الذي ما زال يحمل اسمه ويخلد ألحانه بين جدران الحي.
هنا، تجد أشخاصًا بسطاء يكمن سر سعادتهم في جوارهم لبعضهم البعض، وفي تلاحمهم اليومي، لا تحتاج لقطع مسافات طويلة في أزقة الحي حتى تلمس معدنهم، فالجميع هنا مبادرون بالخير والترحاب؛ الحرفيون وبائعو السمك وأصحاب الدكاكين مستعدون دائمًا لمساعدتك وإرشادك بابتسامة صافية تسبق كلماتهم.



حكايات الجيرة
وراء الوجوه التي تقابلها في الحارة، تختبئ حكايات عن كوم الدكة التي عرفها سكانها قديمًا، يستعيد إبراهيم إسماعيل، صاحب محل خياطة في المنطقة، ذكرياته مع المكان الذي وُلد فيه عام 1959، وشهد تغير ملامحه على مدار عقود.
ويقول لـ «الشروق» إن الأهالي قديمًا كانوا كعائلة واحدة، تجمعهم علاقات الجيرة والمصاهرة، وكانت البيوت لا تتجاوز أربعة طوابق، قبل أن تحل محلها عمارات حديثة يصل ارتفاعها إلى 12 طابقًا، ويتذكر الزيارات المتبادلة وتشارك الطعام بين الجيران، وموائد الرحمن في رمضان التي كانت تجمع الأهالي وزوارًا من محافظات مختلفة، مشيرًا إلى أن غلاء المعيشة وتبدل طبيعة الحياة أثّرا في هذه الروابط، فيما لا تزال الموائد مستمرة، ويقبل الأجانب على مشاهدة البيوت القديمة وطابعها التراثي.


وجوه وأرزاق
وفي هذه الحواري الممتدة، تفوح رائحة الخبز الطازج لتملأ المكان دفئًا وأمانًا؛ فأمام فرن صغير، يقف خباز الحارة بقميصه الأصفر يخبز الحواوشي السكندري بمهارة.
وعلى بعد خطوات، يأخذنا صالون حلاقة قديم، يطل كلوحة كلاسيكية بالأبيض والأسود، ليعيد إلى الأذهان زمن «الأفندية» والدردشة الصباحية؛ مرايا عتيقة، مقعد جلدي قديم، ومقص يتحرك بنغمات رتيبة يبرز بها الحلاق ملامح زبائنه الأوفياء من أبناء الحي، ليس بعيدًا عنه، يطل "المكوجي" من دكانه المتواضع، منحنيًا فوق طاولة خشبية، يداعب القماش بالمكواة الحديدية، ليفوح بخار الماء حاملاً معه عبق السنين.

نكهة اللمة
الحارة السكندرية لا تكتمل إلا بوجباتها الشعبية وطقوسها اليومية؛ هنا يقف بائع السمك الحرفي وسط الدخان المتصاعد، يقلب الأسماك المحشوة بالخلطة السكندرية الشهيرة على شواية حديدية، ويتجمع حوله الجيران والقطط بانتظار وجبة دافئة تشبه بساطتهم، وفي زاوية أخرى، يقف رجل بتركيز وحب يغرف من الدقة السكندرية؛ ليصبّها بفنٍّ فوق السمك الساخن.
وعندما تتأمل المشهد، تجد كبار الحي وصغاره يجتمعون معًا، يلعبون "الطاولة والدومينو" على طاولة خشبية بسيطة في أجواء الحي الشعبية المريحة، وهناك دائمًا متسع ومكان لمن يحب أن يجلس ويتأمل تفاصيل هذه اللوحة الإنسانية البديعة، وحين تتعب خطاك، تأوي إلى مقهى سيد درويش الذي تتجاور على جدرانه صور فنان الشعب، واللاعب المصري محمد صلاح، وعلم مصر والزينة الذهبية، حيث يجلس صاحب المقهى يرتشف شاي الصباح الصعيدي الثقيل، فيما تتردد في الخلفية أصوات ضحكات نابعة من القلب.

ألوان الجدران
كوم الدكة تتنفس فنًا عفويًا؛ فالجدران ليست مجرد إسمنت، بل هي دفاتر ذكريات وسجل للمواقف والوجوه. رسومات جرافيتي بسيطة لـ «كوكب الشرق» المطربة الراحلة أم كلثوم بنظارتها الشهيرة، وأخرى لقوارب وقلاع تحتضن عبارات وجداريات تحية تضامنية لفلسطين.
وفي الممرات الضيقة، يمر صبية يضحكون ببراءة ويلعبون سويًا، وتطل طفلة صغيرة بفضول من نافذة خشبية عتيقة لتراقب تفاصيل الشارع.
وحتى كائنات الحارة لها نصيب من الألفة والرحمة التي تميز أهل كوم الدكة؛ وفي زاوية أخرى حظيرة خشبية صغيرة مبنية لتأوي بعض الماعز.

النقش اليدوي في مواجهة الماكينات
ولا تقتصر حكايات كوم الدكة على المباني والوجوه؛ فبين ورشها، ما زالت بعض الحرف تحتفظ بملامح من الماضي، يحكي جميل محمد، نقاش موبيليا في المنطقة، عن حرفة النقش اليدوي التي تأثر فيها الصناع المحليون بخبرات الإيطاليين واليونانيين الذين عاشوا في كوم الدكة قديمًا، ثم طوروا العمل فيها وأضافوا إليها من خبراتهم.
لكن انتشار الماكينات الحديثة غيّر طبيعة المهنة، وقلل الاعتماد على النقش اليدوي، وهو ما يصفه جميل بقوله: «موت أيادي كبيرة في الصنعة»، ويوضح أن العمل اليدوي يتميز بالدقة والإبداع في صناعة الأثاث والتحف، لكنه يحتاج إلى جهد ووقت أكبر، ما يجعل تكلفته أعلى مقارنة بالمنتجات المصنوعة بالماكينات، في ظل انتشار الأثاث "المودرن" وتراجع الإقبال على الأعمال اليدوية.
ويتحدث جميل أيضًا عن تغير ملامح المنطقة مع ارتفاع المباني ورحيل بعض سكانها القدامى، لكنه يرى أن كوم الدكة لا تزال تحتفظ بجزء من طابعها الأصيل وطيبة أهلها، رغم ما طرأ عليها من تغيرات.

كوم الدكة.. حكايات لا تنتهي
بين السلالم العتيقة، والورش الصغيرة، وروائح الطعام، وأحاديث الأهالي، تتشكل صورة كوم الدكة التي لا تموت، حيث يعيش أهلها بالرضا والمحبة، ويحمل كل باب خشبي عتيق خلفه ألف حكاية وحكاية تنتظر من يرويها.