حصاد الشروق 2021| أم كلثوم لا تزال في المنافسة وعمرو دياب يحتل القمة لـ30 عاما متواصلة
آخر تحديث: الخميس 30 ديسمبر 2021 - 1:59 م بتوقيت القاهرة
الشيماء أحمد فاروق
وقعت كثير من الأحداث الموسيقية في عام 2021، ليس على مستوى الإنتاج والتنوع الكبير الذي شكل المجال الموسيقي المصري مؤخرا، لكن أيضا على مستوى الخلافات بين المنع وسحب تراخيص الغناء والمدح والذم، بين "مطربي المهرجانات" و"مطربي الراب" وأيضا مطربي الساحة الغنائية التقليديين.
كانت الأغنيات قديما يُقاس مدى سماعها بمرات إعادة إذاعتها في الراديو وشعبية حفلات المطربين ومبيعات الأسطوانات. ومع تطور الزمن، أصبحت أشرطة الكاسيت هي اللغة الأكثر حداثة لقياس مدى انتشار المطرب وتحقيقه نجاحا في السوق المحلي والإقليمي. ومع دخول مرحلة الفيديو كليب، أصبح هناك مقياس جديد، وأخذ السوق في التطور حتى وصلنا إلى التطبيقات الإلكترونية المرتبطة بالموسيقى وما تقدمه من إحصائيات سنويا أو ما توفره من معلومات يسمح بمعرفة عدد مشاهدات أو مرات استماع أغنية معينة أو مطرب محدد.
ونشر الناقد الموسيقي أمجد جمال، مؤخرا، تفاصيل حصاد عام 2021، من خلال تتبعه تطبيق "أنغامي" الشهير، والأكثر استماعا عبره، بعد أن أتاح التطبيق معرفة عدد الدقائق التي استمع لها الجمهور لكل مطرب.
و"أنغامي" هو واحد من أكبر تطبيقات الموسيقى الذي يستخدمه ما يقرب من 76 مليون شخص، 20% منهم خارج منطقة الشرق الأوسط، وفق ما قاله "إيلي حبيب"، الشريك المؤسس ورئيس التكنولوجيا للشركة.
• لغة الكاسيت تؤكد عبدالحليم وأم كلثوم ينافسان جيل الوسط
في حوار للإعلامي مفيد فوزي، أجرى فيه عدة لقاءات في الذكرى العاشرة لوفاة العندليب عبدالحليم حافظ، مع مجموعة من مطربي الجيل آنذاك، سألهم فوزي سؤالا صريحا: "لماذا لا يتذكر الجمهور حتى الآن من الأغاني غير قارئة الفنجان؟"، وهو سؤال له دلالة على قصر ذاكرة الجمهور تجاه أغانيهم، وكان ضيوف الحلقة عماد عبدالحليم، ومحمد الحلو، وعمر فتحي، وغيرهم من النجوم الذين أطلق عليهم "جيل الوسط".
وظلت الساحة الغنائية، رغم وجود بعض الأصوات مثل عماد عبدالحليم، وعمر فتحي، ومحمد الحلو، وهاني شاكر، إلا أنها كانت تعاني -وفق أحاديث صناع الموسيقى في مصر حينها- خاصة مع تغير الذوق الغنائي بصعوبة، الذي تحدث عنه كتاب "نهاية عصر عبدالحليم حافظ.. المغني قصة صعود عمرو دياب" للكاتب طاهر البهي.
وقال في البداية: "في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات حين كانت مصر على موعد مع التغيير. التغيير المستحيل في اتجاهات ذوق الناس، حين كان لم يزل طعم وصوت وكلمات عبدالحليم حافظ في الآذان، حين كان عبدالحليم المطرب العظيم الذي نمت معه الأحلام والأماني، وكانت مصر على موعد مع التغيير المستحيل، وكان التغيير مستحيلا لعدة أسباب".
وانتقل بعد ذلك باهي لعرض الأسباب الصعبة التي تعرّض لها جميع المطربين الذين جاءوا في المرحلة الانتقالية ما بين حليم، وموسيقى حميد الشاعري، وصوت عمرو دياب، وما تلى ذلك من نجاحات.
وقال: "الناس كانت أدمنت ذوق عبدالحليم حافظ، ومن داروا حوله وساروا في اتجاه الريح التي خلقها، ومن الأسباب الهامة أن هذه الآذان التي قد أدمنت ذلك الذوق كانت ترفض الاستجابة لأي اتجاه مختلف، وترفض قبول أي ذوق جديد، وربما لأنها حزنت كثيرا على النجم العظيم الذي راح بعد أن ارتبطت به أحلامهم وأمانيهم لفترة طويلة".
وأكمل: "كانت هذه الآذان تسد الأبواب أمام أي شخص جديد أو فنان مختلف يريد أن يقول شيئا آخر، وكان التغيير مستحيلا؛ لأن الذوق الذي خلقه عبدالحليم كانت له رموز وهيئة دفاع وإمبراطورية رفض تسيطر على أركان وسائل الإعلام والصحف، فتقدم أغانيه في كل لحظة وتشن هجوما صارخا وفادحا على أي محاولة لاختراق هذا السياج الأسطوري الذي من المؤكد لو كان حليم حيا ما كان قد رفضه، والتغيير كان مستحيلا، ليس بسبب عبدالحليم حافظ فقط، لكن بسبب مدرسة كاملة ذات طابع خاص في الغناء الشرقي، كان عبدالحليم على قمتها يدور في فلكها عشرات من رموز الفن المصري".
ووصف المرحلة قائلا: "حتى كل مطرب جديد كان يعتبر أن طريقه إلى الساحة لن يكون سهلا حتى أن يؤدي فروض الولاء والطاعة لهؤلاء الذين نصبوا أنفسهم حماة للذوق السابق".
وأكمل: "التغيير كان مستحيلا لأن هذه هي طبيعة مصر، طبيعة ترفض القبول الجديد ببساطة، طبيعة ترفض التمرد على القيم، وحين تؤمن بشيء ما، فإنها قد تعبده، فهي طبيعة مجتمع أبوي.. وفي الفن والغناء كان عبدالحليم هو الأب، وكان الغناء بشكل مختلف عنه، يعني جحودا بالوالد ونكرانا للذوق العام الذي آمنت به الأسرة المصرية، والمثير أن حليم نفسه عانى من هذا حين بدأ".
في عام 1998، أعدت صحيفة "روزاليوسف" تحقيقا عن نسب بيع شرائط الكاسيت لقياس المطربين الأكثر استماعا، وكانت المفاجأة أن الأغنيات العشر التي تحتل الصدارة في عام 1997 لأم كلثوم، وهي (سيرة الحب 75 ألف شريط - أنت عمري 55 ألف شريط - ألف ليلة وليلة 47 ألف شريط - الأطلال 43 ألف شريط - أمل حياتي 42 ألف شريط - الحب كله 38 ألف شريط - بعيد عنك 37 ألف شريط - فات الميعاد 24 ألف شريط - فكروني 27 ألف شريط - يا مسهرني 23 ألف شريط)، وكان هذا الترتيب أيضا عامي 1995 و1996.
أما عبدالحليم حافظ، جاء في المرتبة الثانية، حيث احتلت أغانيه من ألحان بليغ حمدي المرتبة الثانية بعد أغاني أم كلثوم، ولم يدخل أحد من مطربي جيله أو من تلاه معه في المنافسة، مثل محمد فؤاد أو عمرو دياب وغيرهم.
• أم كلثوم ما زالت تنافس المطربات رغم وفاتها
ذكر الناقد الموسيقي أمجد جمال، في إحصائية أعدها بناء على الأرقام التي أتاحها تطبيق "أنغامي"، حيث يسمح بمعرفة عدد الدقائق التي استمعها الجمهور لكل مطرب: "لقد استمع الجمهور على هذا التطبيق إلى أم كلثوم بمقدار 84 مليون دقيقة، وهي تتساوى مع شيرين بنفس الرقم، وأكتر من أصالة التي استمع لها الجمهور 72 مليون دقيقة، ومن أنغام 52 مليونا، وسميرة سعيد 20 مليونا، وأكثر من كل مغنيين المهرجانات وروبي".
كما ذكر "جمال" أن المطرب الراحل عبدالحليم حافظ حقق أرقاما تجاوزت المطرب هاني شاكر على نفس التطبيق، وكان من المعروف أن "شاكر" كان منافسا لعبدالحليم حافظ عند ظهوره، وكثرت الإشاعات حول الغيرة الفنية التي صابت العندليب بسبب المطرب الجديد حينها، لكن بعد مرور سنوات طويلة ورحيل عبدالحليم ما زال يتفوق عليه في أرقام الاستماع، رغم صدور 11 أغنية جديدة لشاكر خلال عام 2021.
يقول الناقد الموسيقي أمجد جمال، لـ"الشروق": "طبيعي أن تستمر أغنيات هؤلاء لعقود، بل قرون، لأنهم قدموا فنا كلاسيكيا به صدق وحرفة، وموضوعات أغنياتهم عابرة للأجيال، حتى شباب هذه الأيام سهل تتماهى مع كلمات لكوبليه رومانسي لأم كلثوم أو عبدالحليم، لأن مشاعر الحب وأوصافها واحدة عبر العصور، وأغاني هؤلاء تمتعت ببلاغة كبيرة في هذا الأمر".
وأضاف: "الملاحظ أيضا في قائمة أغنيات أم كلثوم الأكثر استماعا في (أنغامي)، أن بليغ حمدي يسيطر عليها بألحانه أكثر من أي ملحن آخر، فمن (سيرة الحب) لـ(أنساك) لـ(ألف ليلة وليلة) لـ(حب إيه)، نغماته شجية وسابقة لعصرها رغم تهالك التسجيلات وتأخر تقنيات تسجيل الصوت مقارنة بعصرنا".
بينما قال الناقد الموسيقي محمد شميس: "أم كلثوم عدد دقائق استماعها أكثر على التطبيق؛ نظرا لطول المدة الزمنية لأغانيها، وعبدالحليم أيضا، وسوف يظل كلاهما مستمرا مع الأجيال، أغلب المقاهي الليلية تعتمد في المساء على أصوات أغاني أم كلثوم، والشباب يظل جالسا يستمع لها، لأنها عابرة للأجيال".
• عمرو دياب ما زال يجدد دماءه
بينما ما زال عمرو دياب يتصدر وينافس الأجيال المتعاقبة منذ ظهوره وحتى الآن، حيث تصدر قائمة (top 10) على التطبيق، والملاحظ تراجع حسن شاكوش -73 مليون دقيقة- بعدما كان في المركز الثالث عام 2020، وخرج تماما من قائمة (top 10)، كما تراجع زميليه حمو بيكا وعمر كمال، كما ذكر أمجد جمال قائلا: "أما عن تراجع مطربي المهرجانات، فالمشكلة تكمن فيهم كأفراد، لا يوجد بهم فنان له مشروع حقيقي، أو يملك ثقافة وذكاء يساعده على الاستمرار ويدعم التيار الذي يمثله، كل عام يصعد اسم ويهبط آخر بحسب التريند، والموجة الموسيقية تسير بشكل مهلهل، لذا فنجاحها نفسه مذبذب، عام في حالة هبوط وآخر في صعود".
أما عن استمرار نجاح عمرو دياب، أوضح: "نجاح عمرو دياب وتربعه على القمة لـ30 عاما متواصلة، يدحض النقد الذي يوجه له أنه يكرر نفسه، لا أحد يكرر نفسه وينجح، وتلك العبارة نفسها كسولة نقديا، وباتت تكرر نفسها بلا معنى أكثر من الفنان الذي تستهدفه، والملاحظ للجميع كيف جدد عمرو دياب في قاموس كلماته، وصار أجرأ وأقرب لمزاج الشارع المصري، هذا يظهر في مفردات عديدة بكلمات أغنيات (أنت الحظ)، و(فاكرني يا حب)، و(رايقة)، و(اتقل وراضي)، و(ببتدي من الزيرو)، ومن حيث الألحان والموسيقى كذلك نجد تغيير كبير، تخلى دياب عن اهتمامه بالموسيقى اللاتينية، وعاد ليستكشف مزيدا من قوالب الموسيقى المصرية الراقصة والإلكترونية، كذلك تعاونه مع عزيز الشافعي جدد دماء جمله اللحنية، ألحان عزيز بها سلطنة مطلوبة بشدة في سوق الأغنية الآن، كذلك محمد يحيى، وأرى توقف دياب عن التعاون مع الملحن عمرو مصطفى في صالحه، لأن الأخير لم يعد في أفضل حالاته".
بينما علق شميس قائلا: "غير حقيقي هبوط أرقام استماع مطربي المهرجانات، لأن تطبيق (أنغامي) غير مهتم بهذا النوع من الأغاني، لأن كل منصة إلكترونية لها جمهورها والفئات التي تستهدفها. على سبيل المثال، تطبيق (سبوتيفاي) يهتم أكثر بالراب، لذلك نجد مطربي الراب الأكثر استماعا لديهم، (أنغامي) مهتم بأغاني البوب أكثر، (تيك توك) أغاني المهرجانات مكتسحة أكثر، أما (يوتيوب) سنجد المهرجانات مكتسحة أكثر، على سبيل المثال، عمرو دياب غير موجود في قائمة (top 10) لمنصة (يوتيوب)، لكن نجده بقوة على تطبيق (أنغامي)؛ لأن لديها حقوق حصرية لأغانيه".
وأضاف شميس معلقا على استمرار منافسة عمرو دياب لأسماء كثيرة على الساحة الغنائية، رغم توجيه انتقادات له أنه يكرر نفسه فيما يقدمه من أغاني: "إذا لم يكن عمرو دياب يقدم جديدا فلماذا يستمع له الناس؟ بالعكس أغنية (أنت الحظ) مصرية شعبية، وليس لها شبيه في مساره الغنائي، وأيضا (الدنيا بترقص) هي أغنية ديسكو، وعمرو عمل 3 أغاني ديسكو فقط في تاريخه كله، إذا كيف يكرر نفسه؟ من يقول ذلك لا يفهم في الموسيقى والأشكال الموسيقية، وبالتالي يلجأ للمصطلحات المتهالكة".