وجوه سكندرية.. تاريخ الفردوس المفقود

آخر تحديث: الثلاثاء 7 فبراير 2017 - 3:57 م بتوقيت القاهرة

عرض - دينا عزت

- الذاكرة البديلة لعاصمة مصر الثانية بالكلمة
"عند ما تنطق امامي كلمة ذاكرة، اتحسس راسي بحنان، اتخيل هذا المكان الصغير الذي يحوي كل هذه الذكريات والمذاقات والاحاسيس، هذا المكان المهدد دائما بالنسيان او المرض لكنه سيظل مكان التآويل المستمر للحياة برغم هشاشته، وخارج تلك الاوضاع الطارئة كالمرض او الديكتاتورية٫ واللذين يهددان الذاكرة"٫ هكذا وصف الروائي والكاتب السكندري علاء خالد كتابه "وجوه سكندرية" الصادر عن الشروق عام 2012 في مقدمة اختار لها عنوان "ذاكرة بديلة".

“وجوه سكندرية" كما يقول المؤلف صمم ليكون بمعني ما "الذاكرة البديلة للمدينة" او كما يقول في المقال الاول من نحو 40 مقال- بورتريه يضمهم كتابه مع صور فوتوغرافية للفنانة سلوي رشاد – تاريخ ما "للفردوس المفقود" الذي كان للادباء والفنانين ٫ كما ولغيرهم كثيرين٫ في العشرينات وحتي الاربعينات من القرن العشرين ... “اليست المدينة كالاطفال، نحفظ لها دولاب ذكرياتها٫ لتفتش فيه عندما تكبر وتشيخ"

في كتابه الواقع في اقل من 300 صفحة من القطع المتوسط٫ يجول خالد في دروب ٫ واحيانا متاهات الاسكندرية٫ التي كانت لداريل وفورستر والخراط ٫ كما كانت له بل ولأبطال قصة نجيب محفوظ ميرامار وحتي السنوات الاولي من الستينات "استراحة المحارب او العاشق المهزوم سياسيا"، قبل ان يستحيل ليل الاسكندرية في الثمانينات والتسعينات "فقيرا مظلما" وقبل ان تتحول الاسكندرية الحقيقية الي مدينه "هاربة وغير ملموسة"٫ بل وربما كما يقول بعض قاطنيها لأجيال اليوم وهم يمرون امام اعمال تشييد وبناء تلتهم وجه جزء كبير من الكورنيش انها مدينة يذهب عنها ما تبقي لها من آثار جميل أتي عليه الزمن فيما يمثل لانتصار قاس للحاضر علي الماضي – حتي وان كان هذا الماضي كما يرصد خالد في كتابه ليس بالضرورة ذهبيا وناعما وجميلا في مجمله كما يريد له الحالمون ان يكون حتي يستحيل ملاذا من الام الاحلام الضائعة والمؤجلة

“مزية الأسكندرية او خطورتها انها مدينة يمكن تمثلها، او الاحساس بها علي المستوي الشخصي٫٫ مدينة لها بداية ونهاية ٫ وعمود فقري واضح وشريط مائي محدد ٫ مدينة يمكن ان تشعر بها داخلك ٫ ان تتبادل سيرة حياتك مع سيرة حياتها٫ وكلاهما سيضئ الاخر٫" كما يكتب خالد

يصحب الكاتب قارئه الذي عرف الاسكندرية طويلا في جولات يملؤها حنين تبثه الذاكرة المشتركة للقارئ والكاتب معا٫ فهو يروي نزهاته مع والده في وسط المدينة وتجوله بالترام – "بلونه الازرق يسير متباطئا ومن خلفه يظهر البحر" - من نقطة بعيدة في غرب الكورنيش حتي وسط البلد ثم زيارته للمقاهي والمطاعم التي لابد وان يعرفها من يعرف الاسكندرية حتي وان لم يرتبط معها بذلك الرابط الذي يجمع الكاتب ٫ كما اهل الاسكندرية٫ ثم التوجه بالترام ربما نحو محطة الازاريطة "وهي المحطة الاقرب الي الحيين اللاتيني واليوناني القديمين اللذين يتماسان مع شارع فؤاد، الشارع الرمز في حياة الاسكندرية"٫ ثم رحلة العودة في سير غير قصير علي طريق الكورنيش من محطة الرمل الي حي بولكلي حيث "يظهر الفارق جليا في الاحياء الميحطة بخطي الترام في اثناء عبورهما"٫ وحيث يقع منزله القديم .

يذكر الكاتب قارئه٫ او ربما يخبره٫ بتاريخ المحطات التي يمر بها في سيره عبر الكورنيش ٬"منطقة السلسلة هي احد النتوءات المهمة في طريق الكورنيش، ذلك الجيب السري الذي تمرد علي الخط المستقيم ليكون له دور مختلف في الحياة٫ في العصور البطلمية٫ كان هذا الجيب السري هو الحي الملكي٫ يقال ان قبر كليوباترا كان هناك٫ عاش فيه ملوك وماتوا٫وتحركت مواكب وتفرقت احزان٫ وبجانبه انشئ مسرح كانت تعرض فيه مسرحياتت اسخيليوس ويوربيديس... وكان لسان السلسلة يمتد في البحر حتي يصل الي قلعة قايتباي... وفي نهاية النصف الاول من القرن العشرين٫ اتخذ هذا اللسان كناد ملكي للصيد في عهد الملك فاروق، ومن قبل كان نقطة لخفر السواحل كما اشار فورستر في كتابه عن الاسكندرية٫ وبعد حرب 1967 تحول الي ثكنة عسكرية لها ابواب كبيرة وسور عال ... ثم تحول الان الي مجموعة من الفيلات التابعة للقوات المسلحة... فيما يثبت ان كل النشاطات التي مرت به ترتبط بشكل مباشر بالسلطة"

وكما أنه يروي ما حل بالسلسلة ليرصد تاريخ مصر كيفما انطبع علي وجه الاسكندرية٫ او بالاحري كيفما نال من وجه الاسكندرية٫ فان الكاتب يروي ايضا قصة عايدة بائعة الورد التي "كان لها كبرياء من عاش حياة سابقة مستورة " والتي تنادي زبائنها بود وتقول لمن يشتري منها الورد او يمحنها سيجارة "يا غالي"٫ والتي كان يربطها ود بزبائنها يجعلها تسال دائما عنهم اصدقائهم حتي وان غابوا.

وفي رصده لتحولات المجتمع من كورنيش الاسكندرية وشوارعها ومقاهيها يصحب خالد قارئه الي مقهم الكريستال الذي كان "قبلة المثقفين٫ ربما لتاريخه القديم الذي يرجع الي الاربعينات، فقد كان المكان المفضي للروائي ادوار الخراط ٫ وغيره من مثقفي الاسكندرية والقاهرة" والذي عرف سابقا ظهورالنساء علي مقاعده في لقاءات تجمع ربما بين سيدات يعانين سوء الحظ ومحامين يسعون لمساعدتهم ثم تطور مشهد النساء والفتيات اللاتي يترددن عليه – كما العديد من المقاهي في الاسكندرية والتي لم تكن تعرف فعليا تردد النساء – ليتيح لقاءات لطالبات جامعيات في الثمانينات ومن بينهن الفتاة التي وقع خالد في غرامها ثم اصبحت زوجته:سلوي رشاد

وفيما يرصد خالد من تحولات حلت بالاسكندرية يرصد حتما تلك التحولات المعمارية حيث اختفت في الخمسينات البنايات الجديدة الي الجمال والاناقة في عمارتعا فكان اللجوء في الخمسينات والستينات وربما السعبينات الي الزجاج لتجميل واجهات العمارات حيث كانت "تستخدم قطع من الزجاج الملون تخلط مع المونة البيضاء ويتم تظهير واجهة العمارة بها"٫ وذلك قبل ان يبدأ الزجاج في مهمة اخفاء الشرف في الثمينات والتسعينات لتحل محلها "الغرف الزجاجية التي تستخدم لمذاكرة الابناء بعد ان كبروا"
وفي سعيه في الاسكندرية متنقلا بين مناطق عاش فيها الاجانب قبل ان يذهبوا ومناطق كانت واجهة ابنيتها تزينها المشربيات، يأخذ خالد قارئه في نقاش هادئ حول ما يراه من الافراط في الحنين لتلك الكوزموبليتانية المفترضة والتي لم تكن ابدا مثالية – كما يبدو واضحا للكاتب من قرائته لرباعية داريل "الذي لم ير في الاسكندرية سوي اسكندرية الاجانب فقط" - قدر ما كانت تعبيرا عن فترة مشحونة من التاريخ الحديث للمدينة للوطن: “لماذا نتكلم عن هذه الفترة بصغية الحلم٫ بالرغم من أن الزمن الذي يفصلنا عنها لم يتباعد بالقدر الذي تبدو فيه تلك الفترة كنقطة بعيدة وشبحية ومثار احلام؟ ربما اساسنا بهذا الاستثنائ وهذا الحلم يرجع الي اسحاس الضغف العام الذي نعيشه الان".

وما بين البارات والحارات وما بين الكورنيش وشارع ابي قير الموازي والشوارع الفرعية وما بين باشاوات زمن مضي وشحاذين زمن حل، ياخد خالد قارئه في رحلة طويلة وهادئة تطلعه علي بروفايل للمدينة-الثغر-اليوتوبيا: الاسكندرية كما لم يكن يعرفها القارئ ".

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved