من معرض الكتاب.. «لم يُقدم بحب».. أشرف غريب يشرح لـ«الشروق» دوافع كتاب «خطايا فيلم الست»
آخر تحديث: الأحد 1 فبراير 2026 - 4:29 ص بتوقيت القاهرة
الشيماء أحمد فاروق
بالتزامن مع معرض القاهرة للكتاب، أصدر الكاتب والباحث الفني أشرف غريب كتابًا بعنوان "خطايا فيلم الست" عن دار ريشة للنشر والتوزيع، وأصبح متاحًا للقراء وزوار المعرض، في محاولة من الكاتب لتفكيك فيلم الست، تأليف أحمد مراد وإخراج مروان حامد، والذي عرض في أكتوبر ٢٠٢٥ وأثار جدلًا واسعًا.

يعيد الكتاب طرح الأسئلة الكبرى عن حدود الإبداع الفني ومسؤولية السينما عند الاقتراب من الرموز التاريخية والثقافية، وحدود تقديس الأشخاص ونقل الحقائق، ويقدم المؤلف قراءة فكرية وفنية معمّقة لطريقة معالجة الفيلم لشخصية أم كلثوم.
وحول الدوافع لإعداد هذا الكتاب ورؤية المؤلف لفيلم الست، أجرت "الشروق" حوارًا مع الكاتب أشرف غريب.
*ما هي اللحظة أو التفصيلة في فيلم الست التي شعرت عندها أن الرد بكتاب أصبح ضرورة ملحّة ولن يكفي مقالا؟*
في الحقيقة، الفيلم كله بالنسبة لي مستفز. لقد كتبت ٣ مقالات بعد مشاهدته، وفي كل مرة أشعر باستياء شديد تجاه مشهد المساومة الرخيصة بين شخصية أم كلثوم ووالدها عندما قرر العودة للقرية بعد الإشاعة التي كتبت عنها عام ١٩٢٥. مشهد يسيء لأم كلثوم ووالدها، وهذا غير حقيقي، حيث هناك تزييف حقائق واختلاق مشاهد ليس لها مبرر، وهذا هو العيب الحقيقي في هذا الفيلم.
*هل كتاب "خطايا فيلم الست" محاولة لتصحيح قراءة فنية، أم اعتراض ثقافي معلوماتي على ما قدمه الفيلم؟*
في هذا الشأن أقول إن مؤلف الفيلم يرى أنه يقدم أم كلثوم لجمهور الجيل Z، وهو دائمًا يستخدم مصطلحات رنانة، ولكن في الحقيقة هو يسيء لها عند هذا الجمهور. هناك ادعاء أنه ينزع عنها قدسيتها - وأنا ضد التقديس - لأي شخص تمامًا. لقد وجهت نقدًا لمحفوظ عبد الرحمن على تقديم أربعين ساعة من حياة أم كلثوم بلا خطأ بشري واحد، ولكن الذي حدث في فيلم الست هو تجريد من إنسانيتها تمامًا، عرّاها، كما لو كان هناك شيئ من التعمد في اتباع هذا الأسلوب. كان من الممكن أن يذكر بعض المواقف السلبية، ولكنه حشدها ولم يضع في مقابلها مشاهد أخرى تحدث توازنًا. كما أنه استخدم مشاهد غير حقيقية تمامًا، وهذه ليست مصادرة على الفن. هذا الكتاب ليس دفاعًا عن أم كلثوم، ولكن عن التاريخ. لأن فيلم الست عمل عليه أشخاص غير متخصصين، وأحمد مراد قد يكون كاتبًا روائيًا جيدًا ولكنه غير متخصص فيما قدم، وهو أوضح أنه هناك فريق من المتخصصين معه، ولكن واضح أن هذا الفريق غير متخصص، ولا يفرق بين قراءة التاريخ من الأوراق أو من دماغه.
*هل المشكلة في الفيلم كانت في المعلومات، أم في زاوية الرؤية واختيار ما يُقال وما يُخفى؟*
فيلم الست به علل أيديولوجية وعلل في بناء الدراما وعلل في التعامل مع الموسيقى، ولكن أزمة الفيلم الحقيقية في الورق. هذا سيناريو ضعيف. هل به تعمد أو سوء نية؟ لن أفتش في نية أحد، ولكن ما رأيت على الشاشة يدعو للاستفزاز.
** هل الكتاب موجه للصناع أم الجمهور؟ ولماذا اخترت كلمة "خطايا" تحديدًا في عنوان الكتاب؟
الكتاب غير موجه لصناع الفيلم. هدفي هو الجمهور، وتحديدًا الجمهور الذي وجه له مراد الفيلم. أبحث عن حقيقة تجاهلها الفيلم بحجة أن الفيلم يقدم خيالاً، وتوظيف كلمة "مستوحى" في غير محلها.
** هل تتحدث عن خطايا فنية أم سردية أم أيديولوجية؟
ما جعلني بشكل أساسي أستخدم لفظ "خطايا" على هذا الفيلم هو تعبير "مستوحى".
فليس صحيحًا تمامًا أن يختلق مواقف من العدم تحت مسمى "مستوحى"، لأن الاستلهام لا يعني تزييف وقائع مثبتة أو تمييعها أو حتى اختلاقها من العدم.
وقد أتفهم أن تُنسج حوارات بين الشخصيات في إطار مضمون الوقائع، لا أن تُنزع عن مصداقيتها، متناسياً أن الأعمال الدرامية باتت واحدة من مصادر استقاء المعلومات لدى جيل لا يجد حماسا كافيا للقراءة واستجلاء المعلومة.
**هل حرصت على ذكر وقائع في الكتاب؟
في الكتاب، خصصت مساحة كبيرة عن علاقة والد أم كلثوم بها، من خلال حوارات أم كلثوم نفسها. وأثبت في فصل كامل في الكتاب أن علاقة أم كلثوم برجال الثورة وعبد الناصر لم تكن كما قدمها الفيلم، وأنفي فيه تمامًا ما ورد في الفيلم من اضطهاد رجال الثورة لها في الأسابيع الأولى.
فقد قدمت الإذاعة ٢٩ أغنية لأم كلثوم في الأسبوع الثاني، وهناك أمثلة كثيرة على أخطاء الفيلم، أوردتها في الكتاب.
والخطيئة الكبرى في هذا الفيلم أنه لم يُقدَّم بحب. من قدم أم كلثوم في هذا الفيلم لا يحب الست، وما رأيناه على الشاشة يؤكد أن من صنع الفيلم لا يحبها.
**لماذا لا ترى أن الكتاب قد يتحول إلى نوع من الوصاية على الإبداع؟
لا أدعو إلى وصاية. هم صنعوا فيلمًا واستطاعوا الحصول على تمويل، وأنا لا أملك صناعة فيلم، وكل ما نملك هو الكتابة. وأؤكد أن الجهات الممولة للفيلم لم تكن صاحبة نية سيئة مطلقًا تجاه صناعة العمل، وكنا نمني أنفسنا جميعًا أن يخرج فيلم جيد، ولكن ضحايا هذا الفيلم من صُنعه كثر، من بينهم منى زكي. هذه الفنانة الموهوبة كان عليها أن تنتبه أن الدور ليس لها. وغير صحيح أن كل فنان موهوب يقدم أي شخصية. ولكن الفنان الذكي يجب أن يدرك ما يقدمه. لا هي قدرت ولا المكياج ساعد، رغم أنها موهوبة، ولكن الدور أضرّها.
ومروان حامد ظلم نفسه عندما تعامل مع ما قُدّم له على الورق على أنه حقائق، وقدم فيلمًا مرتبكًا في كل شيء: في اعتماد لعبة تداخل الزمن بين اللحظة وتداعياتها، بين الفني والشخصي، بين استخدام المشاهد الملونة ومشاهد الأبيض والأسود بلا هدف محدد، كذلك بين تناغم موسيقى هشام نزيه وأصل موسيقى أغنيات كوكب الشرق، وبين صوتها وصوت المطربة نسمة محجوب التي أتوا بها من أجل غناء أغنيات هي متوفرة بالأساس بصوت صاحبتها الأولى.
** ما أسباب كل هذه المشاكل برأيك؟
في ظني أن ذلك كله عائد إلى ضعف السيناريو الذي لم يدرك صاحبه أن الفارق كبير بين أن تكون كاتبًا روائيًّا نابغًا أو حتى كاتب سيناريو جيدًا، وبين أن تتصدى لكتابة عمل قائم على السيرة الذاتية. وكل ذلك نتيجة أنه فيلم لم يُكتب بحب وبإدراك واعٍ وكافٍ تجاه الشخصية التي يكتب عنها. ماذا يعني أن يقول "عايز أقدم ست حرشة"؟ هل هذا تعبير يليق بأم كلثوم؟
فكرت كثيرًا وترددت تجاه أن أحول كل تحفظاتي إلى كتاب، لأنني لا أريد أن يتصور أي شخص أني ضد أشخاص بعينهم، وأنا لست كذلك. وكنت قبل أسبوع من المعرض لم أنجزه، ولكن الناشر كان لديه حماس شديد تجاه الفكرة، لذا قررت إنجازه.
** قد يرى البعض أن الكتاب ينطوي على نقد حاد لصناع الفيلم، وهو شكل غير معتاد من الأعمال المطبوعة في مصر
هذا الكتاب لا يأخذ موقفًا من أشخاص بعينهم، وإنما هو معني بذلك المنجز الفني وما به من نواقص قد تصل إلى حد الخطايا. أحاول بالأدلة والوثائق – كما اعتدت دائمًا في كل ما أكتب – ترميم خدوش صورة هذه السيدة - دون تقديس أو تأليه - خاصة لدى أجيال لم تعرف منها قبل هذا الفيلم سوى فنها الباقي.