ندوة بمعرض الكتاب تبحث امتداد ميراث نجيب محفوظ في الرواية العربية الجديدة
آخر تحديث: السبت 31 يناير 2026 - 7:05 م بتوقيت القاهرة
مي فهمي
استضافت القاعة الرئيسية، ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، ندوة بعنوان «الأثر والامتداد: تجليات الميراث المحفوظي في الرواية العربية الجديدة»، أدارها الكاتب والناقد شعبان يوسف.
وافتتح يوسف النقاش بالتأكيد أن نجيب محفوظ لم يكن مجرد راوٍ بارع أو صانع شخصيات خالدة، بل صاحب مشروع سردي متكامل، تشكّل في تماس مباشر مع التحولات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي عرفها المجتمع المصري طوال القرن العشرين.
ورأى أن الحديث عن محفوظ لا يمكن أن ينحصر في روايات بعينها أو مراحل محددة من إنتاجه، لأن تأثيره تجاوز النصوص ذاتها ليؤسس تقاليد جديدة في الكتابة الروائية العربية. واعتبر أن محفوظ نجح في تحويل الحارة الشعبية والقصص المتداولة والوقائع اليومية إلى مادة فنية ذات طابع كوني، مع احتفاظها بجذورها المحلية.
وتوقف يوسف عند قدرة أديب نوبل على استلهام الواقع الشعبي وتحويله إلى تخييل سردي، مستشهدًا بتحويل بعض الوقائع والشخصيات الحقيقية إلى نماذج روائية فتحت أفق الخيال أمام أجيال لاحقة من الكُتّاب. وأضاف: «نجيب محفوظ ظل حتى اليوم مصدرًا للدهشة، لأن نصوصه تسمح بقراءات متجددة تختلف باختلاف السياقات التاريخية والثقافية للقراء».
وأكد أن محفوظ لعب دور الأستاذ الثقافي، الذي لم يكتفِ بالإبداع، بل قدّم حلولًا فنية لأسئلة الرواية العربية في لحظات ارتباك كبرى، خاصة في ستينيات القرن الماضي، مع تصاعد الجدل حول أزمة الرواية وتأثير النماذج الغربية.
من جانبه، تناول الكاتب والناقد أحمد عبد اللطيف تجربة نجيب محفوظ من زاوية مختلفة، مركزًا على ما وصفه بـ«البنية الذهنية» التي حكمت مشروعه السردي. وأوضح أن محفوظ لم يكن مجرد ناقل للواقع أو موثق له، بل كان يعيد بناء هذا الواقع فنيًا عبر آليات ذهنية معقدة، تجعل النص الروائي مساحة لاكتشاف ما نعرفه دون أن ننتبه إليه.
وأضاف أن محفوظ نشأ في لحظة تاريخية شديدة الاضطراب، شهدت تحولات سياسية واجتماعية كبرى، من الاحتلال البريطاني إلى ثورة 1919 وصعود الحركة الوطنية، وهو ما انعكس بعمق على وعيه السردي وأسئلته حول الهوية والسلطة واللغة.
وتوقف عند سؤال اللغة في روايات محفوظ، معتبرًا أن اختياره للفصحى القريبة من المحكية لم يكن خيارًا تقنيًا فقط، بل تعبيرًا عن وعي ثقافي وسياسي في لحظة كان فيها تعريف الهوية المصرية محل صراع، مؤكدًا أنه نجح في تقديم نموذج للرواية الحديثة دون الوقوع في فخ استنساخ النموذج الأوروبي.
وفي مداخلتها، ركزت الناقدة رضوى الأسود على علاقة نجيب محفوظ بالزمن، معتبرة أن أحد أسرار استمرارية مشروعه الروائي يكمن في وعيه العميق بالزمن بوصفه عنصرًا بنائيًا داخل النص، لا مجرد إطار للأحداث.
وأوضحت أن محفوظ لم يتعامل مع الزمن بشكل خطي تقليدي، بل قدمه كمساحة تتقاطع فيها الذاكرة الفردية مع التاريخ الجمعي. وأضافت: «شخصيات محفوظ تتحرك داخل الزمن بوعي مأزوم، فهي دائمًا مشدودة بين الماضي والحاضر، وبين ما كان وما يمكن أن يكون، ما يجعل القارئ يشعر بأن هذه الشخصيات تعيش خارج لحظتها التاريخية المحددة».
ورأت أن هذا الوعي الزمني هو ما يمنح روايات محفوظ قدرة استثنائية على الاستمرار، لأنها لا ترتبط بزمن واحد أو سياق مغلق. وأضافت أن محفوظ كان كاتبًا شديد الحساسية تجاه التحولات النفسية للإنسان العادي، واهتمامه بالتفاصيل الصغيرة والهواجس اليومية والخوف والرغبة والشك، جعله قريبًا من القارئ مهما اختلف الزمن، مؤكدة أنه قدّم نموذجًا للكاتب الذي يترك نصوصه مفتوحة على الأسئلة والتأويلات.
أما الكاتب والروائي طارق الطيب، فتناول تجربة محفوظ من زاوية علاقتها بالعالمية، مؤكدًا أن محفوظ لم يصل إلى العالمية عبر التخلي عن محليته، بل عبر التمسك العميق بتفاصيل المكان المصري. واعتبر أن الحارة والمقهى والبيت والشارع ليست مجرد أماكن في رواياته، بل عوالم كاملة تحمل أنماط التفكير والسلوك والقيم.
وأضاف الطيب: «محفوظ نجح في تقديم الإنسان المصري بوصفه نموذجًا إنسانيًا عامًا، يمكن للقارئ في أي مكان في العالم أن يتماهى معه، لأن الأسئلة التي يطرحها حول السلطة والخوف والرغبة والبحث عن المعنى هي أسئلة كونية. هذه القدرة على تحويل المحلي إلى إنساني شامل هي جوهر العالمية الحقيقية».
كما توقف عند أثر محفوظ على الأجيال اللاحقة من الكُتّاب العرب، مؤكدًا أن كثيرين منهم بدأوا الكتابة متأثرين به أو في محاولة واعية لتجاوزه، وفي الحالتين يظل حاضرًا بوصفه مرجعية لا يمكن القفز عليها. واختتم بقوله: «محفوظ علّم الكُتّاب درسًا بالغ الأهمية: أن التجريب الحقيقي يرتبط بفهم الواقع، وأن الشكل بلا رؤية لا يملك قيمة».