رجائي عطية يكتب: طمأنينة الإيمان
آخر تحديث: الجمعة 31 مايو 2019 - 10:39 ص بتوقيت القاهرة
الطمأنينة فى القرآن الكريم محصلة من محصلات الإيمان، وثمرة من ثمراته.. فهى نفحة من نفحات اليقين بالحق الذى لا يخالجه ظن، والأمان الذى يبعثه فى النفس فلا يخالجها خوف ولا حزن ولا فزع، وهى بذلك خُلُق من أخلاق المؤمنين الذاكرين.. يقول تبارك وتعالى فى محكم تنزيله:
«الَذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُ الْقُلُوبُ» (الرعد 28).
فالطمأنينة تعنى السكون والاستقرار، ولا يتأتى ذلك إلا إذا ارتاح القلب إلى ما يرضيه ويحسر القلق عنه، وذلك إذا انتهى القلب والعقل والوجدان إلى السعادة بالمعارف الإلهية والأنوار الصمدية، بلغت النفس لذلك منتهاها، وملأت الطمأنينة الحقة حناياها..
إن الطمأنينة حصيلة ليقين النفس وإخباتها لرب العالمين وللذكر الذى تستحضر به عظمة الحق جل شأنه، وتتدبر آياته، وتهتدى به إلى ملكوته وقدرته، وللأمل والرجاء الذى يملأ وجدان الذاكر فى رحمته ولطفه بعباده.. فليس وراء هذه الأنوار شىء تتطلع إليه النفس، ولا أمر تخاف أو تجزع منه ــ لذلك فإن النفس المطمئنة لا تحزن على ما فات، ولا يملؤها الفرح والخيلاء بما هو كائن، ولا تخاف مما هو آت، كما أنها لا تمل معافاة الشرور والآثام..لأن الطمأنينة والإثم لا يجتمعان، فالإثم حيرة، والبر سكينة، وفى الحديث الشريف: « الإثم ما حاك فى صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس، والبر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب».
فالطمأنينة فضلا عن كونها تملأ النفس سكينة واستقرارا، فإنها عاصم يؤنس العبد ويكلؤه فى سيره على صراط الصلاح، ويقويه على ترك المعاصى والذنوب... فكانت النفس المطمئنة خليقة لذلك بأن يخاطبها المولى تبارك وتعالى بقوله فى محكم تنزيله: « يَا أَيَتُهَا النَفْسُ الْمُطْمَئِنَةُ * ارْجِعِى إِلَى رَبِكِ رَاضِيَة مَرْضِيَة * فَادْخُلِى فِى عِبَادِى * وَادْخُلِى جَنَتِى » (الفجر 27 ـ 30)...
فهذه الطمأنينة لا تكون إلا لنفس ملأها الإيمان والإخلاص وأيقنت أن الله تعالى ربها وإليه سبحانه مآلها، فأخبتت إليه وسارت على هديـه، ورضيت بقضائه عالمة أن ما أخطأها لم يكن ليصيبهـا، وما أصابها لم يكن ليخطئها، يقينا بما وعد الله فى كتابه، فحق لها من ثم أن تزكى هذه التزكية، وأن تدعى إلى دخول الجنة راضية مرضية.
لقد وصف لنا القرآن الكريم أجلى وأعلى صور الطمأنينة التى مبعثها الإيمان واليقين فى نصرة الحق سبحانهو تعالى.. حين صور المصطفى عليه الصلوات مع صاحبه فى الغار، والأخطار تحدق بهما من كل جانب، فما اختلج له عليه الصلوات طرف. ولا اهتز له جنان. وإنما خاطب الصديق فى ثقة وثبات. يقول له ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ قال تعالى: « إِلاَ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَذِينَ كَفَرُواْ السُفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » (التوبة 40).
Email :rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com