جمال قطب يواصل الكتابة في الثقافة الدستورية (26): وظائف الدولة ــ التأمين الداخلى ــ ب
آخر تحديث: الجمعة 31 مايو 2019 - 10:45 ص بتوقيت القاهرة
التأمين الداخلى ــ داخل المدن والأحياء والقرى ــ درجة من درجات الأمن ــ ويلى تلك الدرجة مسئولية أخرى هى مسئولية مراقبة الأرض الفراغ فى الجبال والصحارى. ولكن تأمين المدن بحاجة إلى نوعية متخصصة من كفاءات الشرطة وان يتاح لها وسائل الردع الفردى والفورى ووسائل تقييد حركة الجانح والمتمرد. حيث إن كل الحضارات والشرائع السماوية قد فرقت تفريقا حادا وجادا بين معاملة المجرم وبين محترف الإجرام ثم تفريقا أشد بين هذين النوعين، وبين التعامل مع الأعداء فى المعارك والحروب. فالمطلوب مع المجرم تقييد حركته ومنع إضراره أما المستهدف مع الأعداء فهو الردع والقهر والإبادة إذا لزم الأمر.
(1)
ولا شك أن تجاوز القانون وتعكير السلم العام ومحاولة التخريب، كل ذلك يهيج مشاعر الضيق والرغبة فى الانتقام حرصا على الأنفس والأموال، وحرصا على تمتع الجميع بثمار الاستقرار والاستمرار. ورغم ذلك فإن مختلف الثقافات قد توقفت أمام الجنوح والإجرام وجعلت له علوما ودراسات تبنى عليها السياسات وتقوم عليها المجتمعات. فعمل الشرطة عمل أساسى ومطلوب. والنفس البشرية ــ مهما تورطت ــ يجب التعامل معها بحرص شديد.
(2)
وجميع الأكاديميات العلمية ومراكز البحث القانونى تتولى بحث ودراسة السلوك الإجرامى من أكثر من زاوية. فها هو علم الاجتماع الجنائى، وعلم النفس الجنائى يتوليان بحث ودراسة أسباب وعوامل سقوط النفس البشرية لدرجة العدوان على الآخرين. كما يدرسون أسباب ذلك وما يحدثه: هل هو بسبب تقصير السياسات، أم بدافع مجتمعى آخر؟ وكل ذلك يؤكد عناية العلم بالنفس البشرية والالتزام بالحفاظ عليها وعدم إهدارها، وحق النفس البشرية فى إشباع الضرورات وتيسير الحاجات والتمكين من التوسع والزيادات حتى لا تصاب بالحسد والحقد وتقوى لديها الرغبة فى الانتقام من الآخرين.
(3)
ويختص علم النفس الجنائى ببحث الكشف عن الجرائم وتحديد مرتكبها كما يدرس السلوك الإجرامى وأسبابه ودوافعه فى محاولة لفهم شخصية المجرم كما يتشعب لدراسة الظروف والعوامل والمجتمعات المهيئة لحدوث الجريمة. وفوق ذلك فهناك دراسات متجددة تتولى دراسة كيفية معاقبة هؤلاء ثم كيفية رعايتهم أثناء مدة العقوبة وبعدها. لذلك يجب تمييز «أدوات الشرطة» عن «أدوات الجيوش»، فالأولى تستهدف المنع والتأديب، أما الأخرى فتستهدف القهر والإبادة.
(4)
وفى خدمات الشرطة خدمات فنية متخصصة مثل (شرطة الدفاع المدنى، وإطفاء الحرائق، وضبط المرور، وغيرها). وتلك الشرطة قد تكتفى بزيها الخاص الذى يفرض احترامها، وربما حملت سلاحا خفيفا حيث سلامة المناخ العام من التقلبات السياسية أوالإجرامية. وقوات تنظيم المرور والدفاع المدنى وأمثالها لا تحتاج إلى أسلحة.
(5)
لكن الحديث القانونى والدستورى بخصوص الشرطة يتعلق بمدى لزوم أدوات ردع ثقيلة ومتقدمة لدى الشرطة. وغالبية الفقه الدستورى والحقوقى على عدم ضرورة ذلك لأن استعانة الشرطة ــ وقت اللزوم ــ بالقوات المسلحة لمقاومة العصابات والتنظيمات الإرهابية أمر مسلم به دون غضاضة فيه.
(6)
كما أن البحث والدراسة يتساءلان عن أفضلية تسليح الشرطة أم نشر العمران السكانى فى الصحارى المهجورة أيهما أولى وانفع؟ وهل يمكن أن يدر هذا الانتشار دخلا وموردا للدولة تستخدمه فى برامجها وموازناتها؟