محمد بدوي: نجيب محفوظ أسس فن الرواية العربية وقرأ تحولات المجتمع المصري منذ 1919
آخر تحديث: الإثنين 31 أغسطس 2026 - 6:17 ص بتوقيت القاهرة
شيماء شناوي
_ لكل مثقف مصري تقريبًا حكاية مع نجيب محفوظ
قال الناقد الدكتور محمد بدوي إن لكل مثقف مصري تقريبًا حكاية مع نجيب محفوظ، مشيرًا إلى أن محفوظ جاء في لحظة كان المجتمع المصري في حاجة فيها إلى صوت أدبي قادر على التعبير عن تحولات الواقع وأسئلته.
وأضاف بدوي، خلال جلسة «من الحارة إلى الخلود» التي نظمها مركز دراسات ماسبيرو بمناسبة مرور عشرين عامًا على رحيل الأديب العالمي نجيب محفوظ، أن محفوظ كان يتمتع بالذكاء والفطنة اللذين مكناه من إدراك أن فن الرواية سيكون فن المستقبل منذ أربعينيات القرن الماضي، رغم أنه كان تلميذًا لطه حسين والعقاد، لكنه أدرك أن الطريق الأكثر حداثة للتعبير عن الواقع هو الرواية.
وأوضح أن محفوظ عاصر الحياة المصرية بكل ما فيها من تعقيدات وتغيرات منذ ثورة 1919 وحتى وفاته تقريبًا، معتبرًا أن الفضل الأول لمحفوظ في تاريخ الأدب العربي يتمثل في أنه «أسس فن الرواية» ومنحها حياته كاملة.
وأشار بدوي إلى أن هناك فارقًا بين كاتب كبير يستثمر موهبته في الرواية، وبين أن يكرس أديب حياته كاملة لهذا الفن، موضحًا أن محفوظ كتب القصة القصيرة أيضًا، لكنه جعل الرواية أداته الأساسية لاستكشاف العالم والوجود وطرح الأسئلة الوجودية والفلسفية.
ولفت إلى أن محفوظ لم يكتف بتأسيس الرواية والدفع بها إلى الأمام، وإنما خاض تجارب تشكيلية جديدة فيها، وجعل من الكتابة وسيلة ومرآة للضمير المصري، موضحًا أن قارئ «الثلاثية» يستطيع أن يتخيل الحياة المصرية في فترة تاريخية محددة، ليس من خلال الرواية التاريخية وحدها، وإنما عبر تصوير مصر في عصرها الحديث.
وأضاف أن محفوظ كان يكتب بدافع ذاتي، وليس بدافع أيديولوجي أو مصلحة أو أي غرض آخر، وهو ما منح مؤلفاته قدرتها على تقديم صورة عميقة للواقع المصري وتحولاته.
وأكد بدوي أن نجيب محفوظ يمثل نموذجًا للكاتب الذي يبدأ من الواقعية، ثم يطورها إلى أشكال جديدة، مشيرًا إلى أنه كان يبحث دائمًا عن الشكل الأدبي الملائم للتعبير عن رؤيته للعالم، فبعد أن أنجز مهمته في تصوير الحياة المصرية في واقعها الحديث، انتقل إلى أشكال أخرى من الكتابة.
وأوضح أن محفوظ اتجه بعد «خان الخليلي وزقاق المدق والثلاثية» وغيرهم، إلى ما يسميه النقاد «الرواية الفكرية»، معتبرًا أن هذا المصطلح قد لا يكون دقيقًا تمامًا، لكنه يعبر عن الهم الأساسي الذي سيطر على محفوظ في تلك المرحلة، وظهر بصورة واضحة في «أولاد حارتنا».
ووصف «أولاد حارتنا» بأنها رواية شديدة الأهمية في تاريخ الأدب المصري والعربي، لأنها تقدم تصورًا للتاريخ البشري وتطرح عددًا كبيرًا من الإشكاليات المرتبطة بالتاريخ البشري وبالحياة الإنسانية، مشيرًا إلى أن محفوظ مزج فيها إرثه الواقعي بالفانتازيا والتخيل، لينتج عملًا كثيف الدلالات أثار جدلًا واسعًا بين التحريم والاحتفاء والهجوم.
وتابع أن الجديد في تجربة محفوظ أنه لم يعد يكتب لمجرد حكاية قصة جميلة، وإنما أصبح يدير حوارًا مع العالم والوجود، ويطرح أسئلة كبرى حول الحب والكره والثورة والاستغلال وغيرها من المعاني الكبرى التي تشكل جوهر التجربة الإنسانية.
وأشار بدوي إلى أن محفوظ واصل بعد ذلك اختبار الأشكال الروائية المختلفة، مستشهدًا برواية «اللص والكلاب»، التي قال إنها لم تبتعد تمامًا عن منطلقاته الواقعية، لكنها استخدمت الواقع لخدمة مفاهيم وأسئلة أخرى، من بينها سؤال الفرد المتمرد على العالم والمجتمع.
وأوضح أن «اللص والكلاب» تطرح أسئلة كبرى حول التمرد، وكيف يمكن للتمرد الفردي أو الاجتماعي أن يتجاوز حدوده ويتحول إلى مواجهة أوسع مع العالم، مؤكدًا أن محفوظ كان يطور أدواته الروائية في كل مرحلة، ولا يكرر ما سبق أن قدمه.
وأضاف أن محفوظ كان يعود أحيانًا إلى الحاضر المصري، ثم ينتقل مرة أخرى إلى أسئلته الميتافيزيقية، وهو ما جعل مسيرته تمثل، في جانب كبير منها، تلخيصًا لمسيرة الرواية العربية في تاريخها الحديث.
وأكد بدوي أن الأدب العربي يمتلك أسماء كبرى كثيرة، لكن الأسماء التي تتحول إلى علامات خالدة قليلة جدًا، معتبرًا أن نجيب محفوظ ينتمي إلى هذه القلة، لأنه استطاع أن يمنح الرواية حقها وأن يرث الأشكال المختلفة لهذا الفن ثم يعيد تشكيلها وتطويرها.
ولفت إلى أن محفوظ، حتى عندما كان يكتب في اتجاه أدبي معين، كان يثور على تجربته السابقة ويبحث عن شكل جديد، معتبرًا أن «اللص والكلاب» كانت ثورة على ما سبقها، وأن الروايات التي جاءت بعدها واصلت هذا التمرد والتجريب.
واختتم بدوي حديثه بالتأكيد على أن نجيب محفوظ جاء في لحظة تاريخية مهمة، وأتاح له امتداد عمره وتجربته أن يعايش تحولات المجتمع المصري في التعليم والثقافة والسياسة وتطوراته الاجتماعية، وأن يعبر عنها أدبيًا على نحو لم يتح لغيره بالقدر نفسه.