بين نقص الغذاء وانهيار الخدمات.. شهادات مؤلمة عن واقع المعيشة في مدينة الأبيض السودانية
آخر تحديث: الإثنين 31 أغسطس 2026 - 10:21 م بتوقيت القاهرة
منار عبد السلام
تشهد الأوضاع الإنسانية في مدينة الأبيض السودانية حالة بالغة السوء ومتدهورة بشكل مستمر، بحسب شهود عيان، وذلك مع استمرار تدفق المدنيين النازحين جراء القتال بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا قوات الدعم السريع من المناطق الريفية المحيطة.
وتفيد تقارير الأمم المتحدة بأن أكثر من 15 ألف أسرة وصلت منذ منتصف يوليو، لتنضم إلى أكثر من 200 ألف شخص وصلوا خلال النصف الأول من العام، وفقًا لأرقام حكومية أوردتها منظمة "أنقذوا الأطفال".
وأوضحت مريم "وهي متطوعة إنسانية"، أن الوضع يتصف بالقسوة والتدهور المستمر مع استقبال المدينة للنازحين يومياً، مؤكدة أن الأبيض باتت مكتظة بشكل صادم.
وأضافت أن الوافدين الجدد وصلوا سيرًا على الأقدام، دون أن يحملوا شيئًا تقريبًا، مشيرة إلى أنهم يعانون من نقص الغذاء ويصلون في حالة صدمة نفسية، وفقا لما ذكرته الجارديان البريطانية.
وكانت المدينة، عاصمة ولاية شمال كردفان، تضم نحو نصف مليون نسمة قبل اندلاع الحرب قبل أكثر من 3 سنوات. وبينما تم استيعاب بعض الوافدين داخل المدينة، يعيش عشرات الآلاف في معسكرين رئيسيين من الخيام. ووفق تحليل لبيانات الأقمار الصناعية أجراه مختبر ييل للبحوث الإنسانية، ظهرت 800 خيمة جديدة في أحد المعسكرين بين 4 و25 أغسطس.
وذكر بول بايرز، مدير المجلس الدنماركي للاجئين في السودان، عقب زيارته للمدينة، أنه رصد وصول 450 وافدًا من القرى المجاورة في صباح يوم واحد، مشيراً إلى صحة تقديرات السلطات بأن 85% منهم من النساء والأطفال، لكون معظم الرجال يفضلون البقاء في القرى لمتابعة موسم الزراعة.

وتعود جذور النزاع إلى اندلاع الحرب الأهلية في العاصمة الخرطوم، الواقعة على بعد نحو 400 كيلومتر شمال شرق الأبيض، في 15 أبريل 2023، إثر صراع على السلطة بين الجيش وقوات الدعم السريع تحول إلى نزاع مفتوح.
ومنذ ذلك الحين، نزح نحو 11.3 مليون شخص، أي أكثر من خُمس السكان، فيما تواجه مناطق عدة، من بينها الأبيض ومحيطها، خطر المجاعة.
وتتراوح تقديرات القتلى في الحرب بين عشرات الآلاف ومئات الآلاف. كما يُعتقد أن أكثر من 10 آلاف شخص قُتلوا في مجزرة نفذتها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر خلال يومين عند سيطرتها عليها في أكتوبر 2025 بعد حصار دام 18 شهرًا.
وفي يونيو الماضي، أدى تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة على الأبيض ومناطق مجاورة إلى تحذير الأمم المتحدة من احتمال تكرار سيناريو الفاشر.
ورغم تراجع عدد الضربات لاحقًا، واستعادة القوات المسلحة طريقًا رئيسيًا نحو الخرطوم في أواخر يوليو، ما خفف جزئيًا خطر الحصار، لا تزال الطائرات المسيّرة تتسبب في سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، فيما تتواصل أعمال العنف في المناطق المحيطة، ما يدفع المزيد من السكان إلى النزوح نحو المدينة.
ووفقا للجارديان، لفتت مريم إلى تزايد ما يُعرف بهجمات "الضربة المزدوجة"، حيث تتبع طائرة مسيّرة ثانية الأولى لتستهدف المسعفين في موقع القصف، موضحة صعوبة التعايش مع الذعر الناتجة عن سماع صوت الطائرات المسيّرة أثناء استهدافها للمناطق.
وأصبحت الطائرات المسيّرة عنصرًا رئيسيًا في الحرب، إذ تمثل نحو نصف الحوادث العنيفة، مقارنة بـ4% فقط في بدايتها، بحسب بيانات مجموعة "أكليد" لمراقبة النزاعات.
ويستخدم الطرفان هذه الطائرات، لكن استخدام قوات الدعم السريع أصبح أكثر تقلبًا مع تأثر خطوط الإمداد بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية منذ فبراير، ما دفعها للاعتماد على ضربات أقل عددًا وأكثر دقة.
وخلال العام الجاري، تم تسجيل 322 حادثة عنف طالت مدنيين في إقليم كردفان، مقارنة بـ388 حادثة خلال عام 2025 بالكامل، وفق بيانات "أكليد".
ومع تهديد طرق الإمداد، ارتفعت أسعار الغذاء بشكل حاد، إذ بلغ سعر لتر زيت الفول السوداني في يوليو نحو 17 ألف جنيه سوداني، مقارنة بـ13 ألفًا في يونيو و7700 قبل عام، كما تضاعفت أسعار الدقيق واللحوم خلال العام الماضي.
ولا تزال البنية التحتية للكهرباء والمياه في الأبيض لم تتعافَ بالكامل من ضربات الطائرات المسيّرة في يونيو. وقالت إسبيرانزا سانتوس، منسقة الطوارئ في منظمة أطباء بلا حدود بالسودان، إن المصدر الرئيسي للمياه شمال المدينة تضرر بشدة ولم يُصلح بعد، إضافة إلى تضرر الأنابيب الداخلية، ما جعل السكان والمستشفيات والمعسكرات يعتمدون على نقل المياه بالشاحنات بشكل غير كافٍ.

وأضافت أن أوضاع المعسكرات تتسم بالسوء الشديد، خصوصاً من ناحية الصرف الصحي، حيث يتشارك أكثر من 100 شخص مرحاضًا واحدًا، ما يسفر عن انتشار التبرز في العراء.
واختتمت مريم حديثها بتأكيد استمرار جهود المتطوعين المحليين رغم الصعوبات، مشيرة إلى محاولاتهم التماسك والصمود في مواجهة هجمات المسيّرات وتدفقات النازحين، على أمل تحسن الأوضاع المستقبلي.