«كلب يقطف الزهور».. محاولة لأنسنة القضية الفلسطينية بعيدا عن الأرقام السياسية

آخر تحديث: السبت 31 أكتوبر 2026 - 2:10 م بتوقيت القاهرة

محمود عماد

تحوّل البشر فى غزة إلى أرقام، وما حدث ويحدث فى قطاع غزة منذ ما تلا هجمات طوفان الأقصى فى السابع من أكتوبر عام 2023، وحتى اليوم، أى ما يقارب الثلاث سنوات، هو واحد من أقسى أحداث القرن الواحد والعشرين، إن لم يكن بالفعل أفظع حوادثه، لذلك عداد الخسائر لا يتوقف. من هذه النقطة تنطلق المجموعة القصصية «كلب يقطف الزهور» للكاتبة والمستشارة نهى الزينى، والصادرة عن دار الشروق التى وصفت المجموعة بأنها عمل «يؤنسن المأساة الفلسطينية» ويوثق الذاكرة الممتدة.
عبر 23 قصة، تحاول الزينى أنسنة الحدث الفلسطينى، حيث إنها لا تتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها قضية سياسية أو دينية، إنما قضية إنسانية فى المقام الأول، وهذا ما يعطى المجموعة صك الانحياز؛ هو ليس انحيازًا لطرف على آخر، بل هو الانحياز للإنسانية.
نجد فى القصص تأريخًا لما حدث فى غزة، ولكنه ليس تاريخ الأرقام والإحصائيات الذى حوّل الإنسان من كيان له أحلام وطموحات، ومشاعر وأحباء، إلى مجرد رقم فى نشرة أخبار، أو ورقة سياسية يتم التفاوض بها.
تحاول نهى الزينى صنع تاريخ موازٍ لما حدث فى غزة، سردية إنسانية لا تهتم بالسياسة، إنما تولى اهتمامها الأكبر بالإنسان، ذلك الإنسان الفلسطينى البطل الذى تحمّل ما لا يمكن لأحد تحمله تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلى.
هو ليس حامل السلاح، هو فقط الإنسان الذى وجد نفسه تحت تأثير آلة الدمار التى لا تفرق بين مسلح ومدنى، وبين الأنفاق والمدارس والمستشفيات.
تبتعد الكاتبة عن السرد الصحفى، أو حتى التوثيق الجاف، وتتخذ من السرد المتداعى أداتها الأهم؛ فهى لا تنقل لنا مجرد شعارات أو آراء، بل تنقل لنا الصورة، وتحاول أن تجعل المشاعر هى التى تتحرك فى المشهد لتصل لنا.
تستخدم الزينى لغة شاعرية تنجح فى صنع مشهدية تضع القارئ فى قلب الحدث، وتجعله يشعر بما قاساه الفلسطينى فى تلك اللحظات شديدة الوحشية، وهذا ينقل المتلقى من مجرد التعاطف إلى حيز الشعور.
تقسم الكاتبة مجموعتها إلى ثلاثة أقسام معنونة بعنوان «حكايات من يوميات حرب الإبادة»، على ثلاثة مقاطع، وهنا نجد الأطفال الرضع وتلاميذ المدارس والمسعفين والمقاومين والأسرى والصحفيين والرجال والنساء، وحتى الأجنة فى بطون أمهاتهم، فى رسالة واضحة بأن هذا القصف الوحشى لم يفرق بين أحد.
يبدأ كل مقطع ببعض العبارات التى تسبق تدفق القصص، وهى بشكل ما تلخص المأساة الغزية، ورغم ما يمكن أن نلمسه من سخرية فى طريقة سرد هذه العبارات، فإننا نكتشف أننا أمام كوميديا سوداء، أو ما يمكننا وصفه بسخرية القدر.
وعلى سبيل المثال، نجد فى القصة الأولى بعنوان «أنا الذى لم يولد» جنينًا يسرد لنا أهوال القصف، فى رسالة إلى أن الموت يطارد حتى الأجنة فى بطون أمهاتهم، وأنه لا أحد فى غزة آمن، حتى الذين لم يروا الحياة بعد.
فى قصة أخرى بعنوان «مسعف»، نقترب أكثر من رؤية المسعفين لدمار ما حدث فى غزة؛ لأنه وبجانب حمل القصف الذى قد يحمله الغزى، يحمل المسعف فى غزة عبء الأشلاء ومحاولة علاج ما تبقى من بشر.
فى قصة «علبة حليب» نرى كيف أصبحت الاحتياجات الأساسية حلمًا صعب المنال فى قلب القطاع، حيث يصبح إيجاد علبة حليب لطفل رضيع مهمة لا يقدر عليها أعتى الأبطال.
والقصة التى تحمل عنوان المجموعة «كلب يقطف الزهور» هى واحدة من أكثر القصص مأساوية، ونرى فيها الرمزية التى تصنع من الطفل الفلسطينى رمزًا للبراءة التى تُقطف. وهى إعلان أيضًا بأن بعض البشر قد تموت إنسانيتهم حتى يصير الاستمتاع بقطف البشر متعة لهم.
فى النهاية، نحن أمام مجموعة قصصية نجحت فيها الكاتبة فى أنسنة السياسة التى تعترف بالأرقام فى مقامها الأول، وحوّلت ذلك إلى مشاعر يمكن للقارئ الإمساك بها، بل والتماهى معها، حد القول إن الكاتبة عاشت تلك المشاهد بنفسها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved