حياة محمد.. محمد حسين هيكل يقدم تأريخا مكتملا وتفصيليا للسيرة النبوية - بوابة الشروق
السبت 21 فبراير 2026 12:31 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

حياة محمد.. محمد حسين هيكل يقدم تأريخا مكتملا وتفصيليا للسيرة النبوية

محمود عماد
نشر في: الجمعة 20 فبراير 2026 - 7:05 م | آخر تحديث: الجمعة 20 فبراير 2026 - 7:06 م

• محمد مصطفى المراغى شيخ الأزهر: المؤلف كان موفقا فى تنسيق الحوادث وربط بعضها ببعض.. فجاء كتابه عقدًا منضدًا وسلسلة متينة محكمة الحلقات

مع قدوم شهر رمضان الكريم، الشهر المميز والمختلف عند المسلمين، فإن سيرة الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، لا تماثلها سيرة؛ فسيرته الشريفة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بسيرة الدين الإسلامى بشكل عام، وسيرة الأمة الإسلامية، وحياة الرسول الكريم هى بشكل ما تختلط بنشوء الإسلام؛ لذلك يمكننا من خلال قراءة السيرة النبوية، قراءة سيرة الإسلام، وقراءة سيرة الأمة الإسلامية ونشوئها، بل إننا يمكننا من خلال قراءة السيرة النبوية، قراءة سيرة أحوال الجزيرة العربية فى تلك الفترة سواء قبل ظهور الإسلام فى الجاهلية، أو بعد ذلك فى صدر الإسلام، ويمكننا القول إن ذلك نابع من اختلاط الخاص بالدينى بالتاريخى فى السيرة النبوية، حيث السيرة الخاصة لنبى محمد، صلى الله عليه وسلم، هى السيرة العامة الدينية لبداية الدين الإسلامى، هى السيرة التاريخية لشبه الجزيرة العربية.

شغلت السيرة النبوية الكثير من الكتاب والمؤرخين والباحثين، هنالك العديد من الكتاب الإسلاميين الذين تصدوا لكتابة السيرة من عصور مبكرة فى الإسلام، وحتى عصرنا الحديث والمعاصر، وبالتأكيد أحد أهم الكتاب الإسلاميين والمفكرين الذين كتبوا عن السيرة هو الكاتب الكبير محمد حسين هيكل (1888 - 1956)؛ وهو قانونى ومؤرخ وسياسى وأديب مصرى. درس القانون وحصل على الدكتوراه من جامعة السوربون، وبعد عودته إلى مصر عمل فى المحاماة والصحافة، وكان عضو لجنة الثلاثين التى وضعت دستور 1923، كما تولى وزارة المعارف ووزارة الشئون الاجتماعية. قدَّم التاريخ الإسلامى من منظور جديد يجمع بين التحليل العميق والأسلوب الشائق، ساعده على ذلك تمكنه من القانون والمنطق والفلسفة، وتبحره فى الثقافتين القديمة والحديثة. له عدة كتب ومؤلفات فى مجالات التاريخ الإسلامى والفكر والأدب والرواية.

وأحد أهم كتبه هو كتاب «حياة محمد»، والصادر عن دار الشروق، والذى يعد من أبرز الكتب التى كُتبت فى العصر الحديث حول هذه الشخصية التاريخية والدينية العظيمة؛ ففى هذا الكتاب يستعرض هيكل تلك الفترة المفصليَّة من التاريخ البشرى، بأسلوب علمى راقٍ خالٍ من التعصب والتحزب، كما يحرص على عدم مجاراة السرديات التاريخية السائدة فى عصره والمتمثلة فى اجترار مناهج القدماء، فقد حاول بدلًا من ذلك أن يغيّر منطلقاته المنهجية ليعتمد على أساليب البحث التاريخى الحديثة للاقتراب من الحقيقة التاريخية أكثر؛ حيث أسَس رؤيته انطلاقًا من الاستقراء والتجريب والملاحظة، واستعمل العقل بجانب النقل، وقد أثبت هيكل بحق من خلال هذا العمل الرائع أنه مؤرخ قدير وعالم جليل.

يمكننا اعتبار هذا الكتاب القيِّم بحق عُمدة كتب السيرة النبوية الحديثة، ومرجعًا رفيعًا شاملًا يتيح لقارئه فهمًا أعمق لرسالة النبى الخالدة وتأثيرها العابر للزمان والمكان، وما يجعلنا نقول ذلك هو أن الكاتب محمد حسين هيكل عاد باقتدار وتوسع إلى أمهات الكتب الإسلامية ومنها ابن هشام، الواقدى، الطبرى، أبوجعفر النحاس، الواحدى النيسابورى، ابن قيم الجوزية، وابن كثير الدمشقى، كما راجع أهم الكتب والمراجع العربية والأجنبية المعاصرة، وهذا ليقدم لنا هذا الكتاب، الذى يقدم السيرة النبوية العاطرة للقارئ المعاصر فى سرد متعمق محكم الحلقات، بأسلوب ممتع يضيف لقيمته العلمية الموسوعية، رحلة فكرية وروحية ملهمة.

حاول حسين هيكل فى هذا الكتاب تقديم صورة بانورامية لكل شىء يرتبط بالسيرة النبوية؛ فهى ليست فقط سيرة دينية، أو مجرد سيرة شخصية لحياة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما هى أيضًا سيرة تأريخية واجتماعية لشبه الجزيرة العربية وأحوال العرب فيها.

تبدأ هذه الطبعة بثلث تقديمات تتناول العديد من الموضوعات المرتبطة بضمون الكتاب حول السيرة، حيث تفنيد لنظرة المستشرقين للإسلام ولسيرة النبى محمد، ورد على هؤلاء المستشرقين؛ كما أن بالكتاب نظرة مهمة ودقيقة حول أحوال المسلمين والبلاد الإسلامية فى عصره، وعلاقة الاستعمار بالإسلام وبالبلاد الإسلامية، وغير ذلك الكثير، وتلك مقدمات تثرى مضمون الكتاب أكثر وأكثر.

وتحت عنوان «تعريف بالكتاب» قال الدكتور محمد مصطفى المراغى، شيخ الجامع الأزهر: «وفِّق الدكتور محمد حسين هيكل فى تنسيق الحوادث وربط بعضها ببعض، فجاء كتابه عقدًا منضدًا وسلسلة متينة محكمة الحلقات.. يجعل القارئ مطمئن النفس رضىّ القلب يستمتع بما يقرأ ويثلج صدره ببرد اليقين».

يتناول الكتاب الذى يأتى فى 595 صفحة أحوال بلاد العرب قبل الإسلام، ويتطرق إلى وجود المسيحية واليهودية فى ذلك الوقت، ويتطرق أيضًا إلى المجوسية، ثم عبادة الأصنام، يتحدث الكاتب أيضًا عن اليمن وحضارته وملوك اليمن، وعلاقة المملكة الموجودة فى اليمن باليهودية والمسيحية فى صورة كاشفة لما تخللته بلاد العرب من حضارة وأديان قبل ظهور الإسلام.

بل إن الكاتب يتتبع وجود النبى إبراهيم، وقصته مع زوجاته سارة وهاجر، وقصة الذبيح، ويؤكد هيكل أن الذبيح هو النبى إسماعيل، كما أنه يذهب ويتتبع حال مكة قبل الإسلام، ونسل قبيلة قريش، وبنو عبد مناف، وقصى بن كلاب، وحادثة فيل أبرهة وهدم الكعبة الشهيرة، ثم مكانة مكة بعد هذه الحادثة، كما يتعرض لترف أهل مكة، وشكل بيوتهم، وغير ذلك الكثير عن أحوال مكة وأهلها.

يمكننا اعتبار هذين الفصلين الأوليين تأريخًا لوضع شبه الجزيرة العربية فى ذلك الوقت من التاريخ، والذى قد يبدو معتمًا قليلًا على الكثيرين، وتقل مصادره التاريخية، ويقل أيضًا الكتاب والباحثون الذين تناولوا تلك الحقبة، وهذه من أهم مميزات الكتاب.

يبدأ الكتاب فى فصله الثالث بتتبع ميلاد الرسول، صلى الله عليه وسلم، وتتبع نسبه، حيث يبدأ بزواج أبيه عبدالله بن عبدالمطلب من آمنة بنت وهب، وموته ثم ميلاد الرسول وموت أمه، وقصته مع مرضعته حليمة السعدية، وحادثة شق صدره الشهيرة، وكفالة جده عبدالمطلب له، ثم كفالة عمه أبوطالب له.

نستمر ونرى النبى محمد الشاب الجميل ذا الأخلاق الحسنة، وعمله بالرعى، ثم التجارة، وزواجه من السيدة خديجة بمنت خويلد؛ كما نرى فى ذلك الوقت مكانة الرسول وسط أهل مكة، وكيف كان محمودًا فى وسطهم، ويشتبك مع الأحداث التى تقع، وأهمها هدم الكعبة بعد تصدعها، وإعادة بنائها مجددًا.

نسير بعد ذلك لبداية نزول الوحى على النبى محمد، وبداية الدعوة السرية، ثم الدعوة العلنية، ورفض قريش والقبائل للدعوة، ومحاربتهم الإسلام فى مهده، يتحدث الكاتب أيضًا عن إسلام عمر بن الخطاب كلحظة لها أهميتها الكبيرة.

ونرى أيضًا حصار قريش لبنى هاشم وبنى عبدالمطلب، ومنع أى تعامل معهم، ثم عام الحزن بموت السيدة خديجة، وعم الرسول أبوطالب الذى لم يكن مؤمنًا، لكنه كان داعمًا لابن أخيه. يتطرق الكتاب أيضًا إلى حادثة الإسراء والمعراج الشهيرة، وهنا يفند الكاتب تلك الواقعة، وكل ما يقل فيها، وما نتج عنها وترتب عليها.

نرى بيعتى العقبة الأولى والثانية، ثم بداية الهجرة، وهجرة الرسول وصاحبه أبوبكر الصديق، ومحاولة المشركين قتله، وحماية وحفظ الله له، ثم بداية عهد النبى فى يثرب التى هاجر لها، وتسميتها بالمدينة، وبداية تأسيس الدولة الإسلامية الأولى بها.

تبدأ من هنا السيرة فى أخذ منحى سيرة بداية الدولة الإسلامية، والغزوات، حيث تبدأ بغزوة بدر ونصر المسلمين بها، ثم غزوة أحد ومحنتها، وفى خلال ذلك يتطرق الكتاب أيضًا إلى علاقة المسلمين والرسول باليهود وغدرهم وخيانتهم، والحرب معهم، وإجلائهم عن المدينة.

هنالك فصل يعرض فيه هيكل لزوجات النبى، وما أثير فى هذا الموضوع من دراسات وكتابات المستشرقين الخاطئة، ويعرض قصة زينب بنت جحش بالتفصيل. بعد ذلك يتناول الكتاب سيرة النبى محمد فى صيغة الحاكم الذى يبعث الرسل للملوك المختلفين بعد صلح الحديبية، ثم يتخذ قرار فتح مكة بعد نقضه، ويتناول الكاتب قصة الفتح مفصلة، ثم الغزوات التى أعقبت الفتح حنين وتبوك.

مع نهايات الكتاب تعرض الصفحات حجة الوداع، وخطبة الرسول فيها، التى أكملت دين المسلمين، ثم بعد ذلك ندخل إلى مرض الرسول الأخير، ووفاته، ثم دفنه. ينهى محمد حسين هيكل الكتاب بمبحثين حول الحضارة الإسلامية كما صورها القرآن، وفى النهاية المستشرقون والحضارة الإسلامية.

فى نهاية هذه الرحلة الطويلة يمكننا القول إن كتاب «حياة محمد» هو درة كتابة السيرة فى العصر الحديث، وهو بحث تفصيلى عن السيرة النبوية، ويقدم صورة بانورامية مكتملة الأركان بين الخاص، والدينى، والتاريخى؛ لسيرة شخص شديد التميز والتفرد، وهو النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، وسيرة الدين الإسلامى وأمته كلها، وسيرة العرب فى وقت مميز لحضارتهم.

 



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك