الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 7:01 م القاهرة القاهرة 21.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

هل حان وقت المصالحة الوطنية .. أم نستمر فى الانحدار نحو الهاوية؟

نشر فى : الثلاثاء 1 يناير 2013 - 8:45 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 1 يناير 2013 - 8:45 ص

مصر فى اللحظة الراهنة أمام مفترق طرق، جانب منه قد يؤدى بنا إلى مصالحة وطنية تعيد للبلد وحدته وتمكنه من تحقيق الاستقرار والعدالة المنشودين، بينما الجانب الآخر ــ الذى نسلكه حاليا ــ سيؤدى بالتأكيد إلى ضياع البلد نتيجة للانقسام وانهيار دولة القانون وعجز الحكومة عن إدارة شئون البلاد. ما نحن فيه الآن من تخبط وانقسام هو نتاج سلسلة طويلة من الأخطاء لم يعد من المجدى حصرها. ولكننا فى كل الأحوال أمام أزمة فى الحكم، وفى الاقتصاد، وفى المؤسسات، وفى القانون، وفى المعارضة أيضا. 

 

المكسب الوحيد الإيجابى لأحداث وصراعات الأسابيع الماضية أنها قد أظهرت بما لا يدع مجالا للشك أن البلد مهدد ليس بأزمة اقتصادية أو اجتماعية عابرة، بل بالوقوع فى الفوضى الشاملة التى تؤدى حتما إما إلى المزيد من الانهيار وإما إلى العودة لاستبداد وقمع أكثر مما عرفته مصر سابقا. كذلك أكدت هذه الأحداث أنه لا يوجد مجال فى الصراع الحالى للفوز بالضربة القاضية، وأنه لا يمكن لفصيل سياسى واحد أو لحزب أو تيار، مهما كان تنظيمه محكما وسيطرته على مؤسسات الدولة، أن يحكم بمفرده أو فى غياب توافق فى المجتمع وتأييد يتجاوز الحزب والأهل والعشيرة. لا توجد سياسات اقتصادية ولا برامج اجتماعية ولا خطط عبقرية يمكن أن تخرجنا من الأزمة الراهنة ما لم تصاحبها مصالحة وطنية واسعة واتفاق جاد على ألا تدار البلد وكأنها «عزبة» لتيار سياسى واحد وما لم تستند إلى تعاون بين القوى الفاعلة فى المجتمع.

 

والذى اقصده بالمصالحة الوطنية ليس عقد حوارات عقيمة بين الرئاسة وبين أصدقائها، ولا الدعوة لحفلات غذاء وعشاء غير محددة الهدف، ولا زيارات يقوم بها رؤساء الاحزاب ليتبادلوا أطراف الحديث، فكل هذا يؤدى إلى قيام الحكومة باختراع معارضة تناسبها وترتاح للحديث مع قياداتها ولكن لا تمثل خلافا حقيقيا معها. الذى أقصده هو فتح صفحة جديدة من الحوار بين الأطراف الفاعلة وبينها أيضا وبين الجمهور الذى يبحث عن قيادة ــ سواء فى الحكم أم فى المعارضة ــ ولا يجدها. واقتراحى أن نبدأ من نقطة جديدة تتجاوز أخطاء الماضى ولكن تعتمد على توفير ظروف موضوعية لبدء الحوار حتى يكون مفيدا وجادا ومحققا للنتائج التى يتوقعها الناس. وهذه البداية الجديدة بحاجة إلى المقدمات التالية لكى تتوافر لها شروط النجاح:

 

المقدمة الأولى هى أن يراجع الرئيس نفسه فيما جعله يبدو لكثير من المصريين رئيسا لبعضهم وليس لهم جميعا، ويبحث عما يعيد له شرعيته المتآكلة، ويتخلى عن انحيازه لحزبه وجماعته لأن البلد بحاجة لمؤسسة رئاسة تجمع الناس ولا تفرقهم، وأن يقضى وقتا أطول فى الاهتمام بمشاكل الناس بدلا من ترك كل شىء مؤجلا لحين الانتهاء من الصراع على السلطة.

 

أما المقدمة الثانية فتتعلق بالحكومة. فالحديث عن إجراء تعديل وزارى، أو إجرائه بالفعل، سواء واسعا أم محدودا، لن يجدى كثيرا ما لم يتم تمكين الحكومة ورئيسها ووزرائها ــ أيا من كانوا ــ بالصلاحيات والسلطات وإعطائهم «الأمان» الذى يجعلهم يزاولون مهامهم بقوة وشجاعة وشعور بأن البلد يساندهم لا يتربص بهم. ولا يهم عندئذ أسماء الوزراء ولا انتماءاتهم الحزبية لأن الأهم هو الإطار الذى يمارسون فيه عملهم والصلاحيات المتاحة لهم.

 

والمقدمة الثالثة هى أن يتم الاتفاق وبشكل جاد وحاسم ومعلن على عدم الزج بمؤسسات الدولة فى كل صراع سياسى، وألا تتحول تلك المؤسسات إلى ساحات للصراع على «الأخونة» أو ضدها حتى تستمر مستقلة، قوية، وقادرة على أداء عملها فى خدمة الوطن لا خدمة الأحزاب والقوى المتصارعة. ويرتبط بذلك أن يأخذ الرئيس وتأخذ حكومته وحزبه وجماعته مواقف واضحة وحاسمة من قضية القانون واحترامه وتطبيقه بجدية على كل من يخالفه، ولو كان رئيس الجمهورية نفسه، وأن تنتهى حالة السكوت المريب والمشين على بلطجة الميليشيات المسلحة التى تصول وتجول فى البلاد وتهدد الأحزاب والمحاكم وأقسام الشرطة وأجهزة الإعلام على مرأى ومسمع من الدولة ومن الحكم دون حتى إبداء اعتراض. كذلك يرتبط بتطبيق القانون واحترامه ألا تبدأ الدولة حلقة التنكيل برموز المعارضة مرة بالاتهام بالتخابر ومرة بتلقى التمويل الأجنبى ومرة بقلب نظام الحكم لأن هذه وسائل اليأس والضيق بالمعارضة، وهى وسائل ثبت فشلها فى كل دول العالم دون استثناء.

 

المقدمة الرابعة تتعلق بالدستور والذى سوف يظل جرحا غائرا فى الصف الوطنى إلى أن يتم تعديله أو استبداله على نحو سليم ومن خلال آليات توافق وتفاهم جديدة. قد يستغرق ذلك بعض الوقت ولكن لا بأس إذا كان هناك اتفاق حقيقى على أن يتم تشكيل جمعية أو لجنة أو جهة معبرة عن المجتمع بشكل سليم لكى تبدأ من الآن فى مراجعة الدستور وتعيد طرحه فى استفتاء جديد.

 

أما المقدمة الخامسة فهى ضرورة الاتفاق على توفير مناخ سليم وضمانات قانونية وفعلية للانتخابات البرلمانية القادمة بمشاركة كل القوى السياسية الفاعلة حتى نتجنب الوقوع فى ذات دائرة الانقسام والعنف والتزوير. مجلس الشعب القادم يمكن أن يكون استمرارا لذات المسار الباطل الذى سلكناه منذ العام الماضى والذى أكملته تعيينات مجلس الشورى الأخيرة، ويمكن أن يكون نقطة جديدة لبناء مجتمع ديمقراطى سليم إذا ما توافرت له ضمانات حقيقية فى الدعاية، وفى التمويل، وفى تحديد حجم الدوائر، وفى حظر استخدام دور العبادة فى الدعاية، وغيرها. الانتخابات القادمة قد تكون الفرصة الأخيرة لإعادة قدر من التوازن والتفاهم على الساحة السياسية أو تكون خطوة جديدة فى تكريس انقسام الوطن وفشل التفاهم السياسى.

 

ونأتى للمقدمة السادسة، وهى ضرورة إيجاد مساحة من التفاهم بين القوى السياسية الفاعلة حول القضايا الاقتصادية والاجتماعية الأكثر إلحاحا، لا تتأثر بالصراع السياسى ولا بالمعارك الدئرة على السلطة والمقاعد، حتى يمكن التوصل لحلول قابلة للتنفيذ ولا تكون محلا لخلاف كبير فى قضايا الدعم، والطاقة، والتشغيل، والسماد، والعمل، وغيرها، لأن مسئوليتنا جميعا الآن هى الحفاظ على اقتصاد البلد من المزيد من الانهيار.

 

وأخيرا فكما نطلب من الرئاسة والحكومة أن يتعلموا من أخطاء الفترة الماضية، فإن على المعارضة أن تفعل نفس الشىء. مصر بحاجة لمعارضة قوية ومنظمة وجادة فى طرح رؤى وبرامج بديلة كما أنها بحاجة لحكم رشيد ومتزن. نحن بحاجة إلى قيادة جديدة للتيار المدنى الديمقراطى المعارض تتجاوز الخلافات الشخصية والعداوات والحساسيات التى عصفت بتحالفات سابقة والتى سوف تحد من قدرته على التعاون والتنسيق مستقبلا. التجديد يجب أن يطال المعارضة والحكومة معا، والمساءلة يجب أن تكون للطرفين أيضا.

 

نصيحتى لكل من أيدوا الدستور أو عارضوه، ولكل من انتخبوا الرئيس أم لم ينتخبوه، ولكل من نزلوا إلى الشوارع أو مكثوا فى بيوتهم: نحن نقترب من حافة الهاوية، الاقتصادية والاجتماعية والطائفية، ولن يبعدنا عنها دستور جديد ولا انتخابات برلمانية ولا قوانين جديدة ولا تغيير وزارى. لن يخرجنا من هذه الأزمة الطاحنة سوى أن يجد المجتمع توافقا جديدا ووحدة فى الصفوف ومصالحة بين القوى السياسية، والسبيل الوحيد لذلك هو الحوار على أسس سليمة لا الادعاء بحوار لا يخدم سوى لقطات إعلامية ويرسخ لمزيد من الانقسام.

 

وكل عام وأنتم بخير.

 

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.