الأربعاء 26 سبتمبر 2018 12:07 ص القاهرة القاهرة 26.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

الثورة السورية التى نظفت وانهزمت

نشر فى : الأحد 1 يناير 2017 - 9:25 م | آخر تحديث : الأحد 1 يناير 2017 - 9:25 م
نشرت صحيفة الحياة اللندنية مقالا للكاتب «حازم صاغية» يقول فيه: صحيح أن الثورات العربية انهزمت، كلٌ بطريقتها، وإن تقاطعت تلك الطرق فى غير موضع ومكان. لكنها، على رغم الهزيمة، أحدثت فى الواقع وفى العقل تغييرات لن تظهر كل آثارها إلا على مدى أبعد. فالثورة السورية مثلا، بوصفها أكثر شقيقاتها درامية وأكلافا وتأثيرا فى محيطها، يكفيها أنها نظفت التاريخ المحلى، وجزئيا العربى، الذى سبق أن خطه الدجل والتدليس. وكم يبدو اليوم كاذبا وسخيفا مَن يبدأ التأريخ للمحنة السورية بنشأة «داعش» قبل سنوات ثلاث، ويتجاهل عام وراثة بشار أباه فى 2000، وعام الاستيلاء العائلى – الطائفى على البلد عبر «الحركة التصحيحية» فى 1970، وعام الاستيلاء الحزبى فى 1963، رجوعا ربما إلى عام الاستيلاء العسكرى الذى باشره حسنى الزعيم فى 1949.

يستطرد صاغية قائلا إن تنظيفا كهذا ينطوى على درس علاجى بليغ، درسٍ يجعل استيعابه أذكى وأقدر على تعقل عالمنا، مفاده رؤية العنف الناعم المقيم خلف العنف الخشن، والعنف المتدرج والمتراكم وراء العنف المباشر الذى يأتى دفعة واحدة. إنه درس يمنحنا عيونا أكبر نرى من خلالها ما لم تكن تتيحه العيون.

تنظيف التاريخ الذى يستعيد الحقيقة ويمتلكها فيما هو يشذبها، هو، فى أحد وجوهه، ما يعطى الصوت واللسان لملايين الصامتين والمدفوعين إلى صمت توارثوه جيلا بعد جيل عن تلك التواريخ المؤسسة للكارثة. لكنه أيضا ما يقدم لهذه الملايين رواية تدحض الدجل المتراكم عن نظام «الأبد» والمساهمة الكبرى التى أسداها لـ«مقاومة الإمبريالية والصهيونية» وبقية الترهات. وفى هذا لم تقتصر فضائل الثورة ــ والمقصود بها ثورة «التنسيقيات» والسنتين الأوليين ــ على سوريا: فالسوريون الذين انتفضوا فى 2011 خدموا الفلسطينيين إذ فتحوا لهم طريق الخلاص من التلاعب المديد بهم وبقضيتهم، بقدر ما خدموا اللبنانيين إذ صدعوا نظاما ورواية ساهما بنشاط فى تصديع بلدهم لبنان.

فوق هذا، لا يعود تنظيف التاريخ بالنفع على السوريين الأحياء وحدهم. فهو يفضى إلى عدالة أكبر فى الإقرار بأدوار مواطنى سوريا، المنتجين منهم والمبدعين والسياسيين والجنود وسواهم، ممن عاشوا وماتوا بوصفهم ضيوفا ثقلاء الظل على «سوريا الأسد». وإعادة تمليك الناس تاريخهم شرط شارط لإعادة تمليكهم بلدهم وتمكينهم فيه.

وقد يكفى الثورات، حتى حين لا تملك الوعى الكافى بإنجازاتها، أنها دمرت تقليدا عربيا وإسلاميا لا تحول عراقته دون تفاهته، مؤداه أن العدو لا يقيم إلا فى الخارج. فهى قالت، بمجرد قيامها، إن عدوا، شرس العداوة، من «ذوى القربى»، يقيم فى البيت ذاته. ولما كان نظام الأسد أكثر الأنظمة غَرْفا من التقليد المذكور، يستخدمه علةَ وجود له، كانت الثورة السورية أشد الثورات العربية تخليعا وخلخلة لذاك التقليد.

الذين يدافعون عن ذاك النظام، وعن العبودية التى رعاها، سيئون بما فيه الكفاية. لكن من يفوقهم سوءا أولئك الذين يقولون إنهم يناهضون العبودية لكنهم يتمسكون بنظامها. هؤلاء، فى أحسن أحوالهم، يرغبون بالتغيير من دون أن يحصل تغيير. يعلنون أنهم يريدون دخول المستقبل شرط ألا تسقط شعرة من رأس الماضى بتراكيبه المراتبية الصارمة وبمزاعمه القومية والشعبوية الكاذبة والموظفة بخبث وسينيكية. ومن يريد المستقبل والماضى فى وقت واحد ينتهى مزيِفا للماضى وحائلا دون المستقبل. إنه مجرد عبد للحاضر، يلونه ويزوقه ويحرص على إدامته وتجميله.

هذا، بالطبع، لا يلغى مساءلة الثورة المهزومة عن أسباب هزيمتها، وتاليا مساءلة المجتمع والاجتماع السوريين، والعربيين، عن قدرتهما على إنتاج ثورة ورعايتها. لكنه يلغى كل شك حول سقوط النظام الأسدى بوصفه ضرورة لأنه نظام لا يليق إلا بالعبيد.

ويختتم بأن اليوم، فيما الروس والأتراك والإيرانيون يقررون مصائر السوريين، ينتشر فى الأرض سوريون بالملايين، سوريون يعرفون أن الهزيمة لا تهزم الأمل، وأن الكذب لا يحجب الحقيقة إلى ما لا نهاية، وأن العبودية لن يكون لها مستقبل... هذا إذا كان ثمة مستقبل!
التعليقات