الخميس 24 أغسطس 2017 10:53 ص القاهرة القاهرة 28.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في مقترح تعديل الدستور لزيادة الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات؟

(احتفالية فلسطين للأدب)

نشر فى : الأربعاء 2 مايو 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 2 مايو 2012 - 9:02 ص

مساء ١١ فبرير ٢٠١١، حين احتفلنا بما اعتقدنا وقتها أنه الاسترداد الفورى لمصرنا كاملة غير منقوصة، صدح فى سماء التحرير نشيد «وطنى حبيبى الوطن الأكبر». لم يسبقه أو يُبَدَّى عليه غير أغنية «بالأحضان». فى تلك اللحظة؛ لحظة عودتنا إلى أنفسنا، بدأنا باسترداد وضَمّ مصرنا لنا، ثم، وبعد دقائق معدودة، ذكَّرناها وأنفسنا بتاريخها وموقعها ومسئولياتها فى منطقتنا. سنون وعقود من عدم التزام حاكمينا بهذه المسئوليات، بل والعمل فى الاتجاه المعاكس لها، والمعاكس، أيضا، لمصلحتنا كمصريين، والعجيب أن إخواننا وأصدقاءنا فى البلاد العربية يمدون لنا حبال الصبر، ويلتقطون أى بادرة خير منا ليهللوا ويشجعوا ويثنوا على مصر الأم التى عادت إلى دارها وإلى دورها الذى لن يقوم به غيرها. قدر ومكتوب علينا.

 

فى ١٠ فبراير ٢٠٠٩ توجهت إلى رفح، وكان وقت القصف الإسرائيلى لغزة. لم أتمكن من الدخول إلى القطاع، لكنى اقتربت بقدر ما استطعت؛ جلست على بوابة الحدود. كانت الـ«زنانة» تطير فوقنا، وكنا نسمع القصف من الداخل، وكان فريق من كبار أطبائنا المصريين ــ بينهم الدكتور محمد غنيم والدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح ــ موجودين بالداخل، حيث تطوعوا للعمل فى مستشفى الشفاء بغزة (وانتظروا أياما على الحدود قبل أن يسمح لهم بالدخول)، وكانت القاطرات المحملة بما جمعه الشعب المصرى لأشقائه فى غزة من عون ودواء تصطف على الطريق آملة أن يسمح لها بتوصيل هذه الأمانة لأهلها. ذهبت إلى مستشفى العريش وقابلت أطباء من خيرة شبابنا، استأذنوا من أعمالهم، وتوجهوا أيضا إلى الحدود ليقدموا العون لضحايا العدوان الإسرائيلى. وكنت فى المساء أتجول فى مدينة العريش، وأرقب الكل يرقب التلفزيون، وأرى القهر فى العيون، وأستمع إلى الناس وأصحاب المحال والمقاهى؛ الكل يشعر بمذلة التواطؤ: إسرائيل تقتل أطفال غزة وشبابها بالقنابل الفوسفورية والمصريون على بعد بضعة كيلومترات يجلسون على أيديهم لا حول لهم ولا قوة. حكومتهم توصد المعبر فى وجوه أهلهم، وتنسق مع العدو المشترك.

 

بعد الثورة، فرحنا وفرح معنا كل أنصار العدالة فى العالم عندما، وبعد أيام من تولى الدكتور نبيل العربى وزارة الخارجية المصرية، تم التصالح بين الأخوة فى فتح وحماس، وانتهى الانشقاق المأساوى الذى دام سنين (وقيل أن النظام المصرى يغذيه ويؤججه)، وبدأت مصر تتخذ إجراءات لفرض سيادتها الحقيقية على حدودها وعلى معبر رفح، والتعامل معه باعتباره حدودا عادية بين بلدين شقيقين.

 

شخصيا فرحت جدا. فمنذ خمس سنوات، أسست مع مجموعة من الصديقات والأصدقاء المهمومين بالشأن الفلسطينى، مؤسسة خيرية، مشروعها «احتفالية فلسطين للأدب»، وهدفها دعم الحياة الثقافية فى فلسطين المحتلة، وتمكين أدباء فلسطين وفنانيها ومعلميها من التواصل مع نظرائهم من العالم الخارجى، وإتاحة الفرصة لهؤلاء الـ«نظراء» لأن يعيشوا الواقع الفلسطينى لمدة أسبوع فيكَوِّنوا صورة مباشرة عن حقيقة ما يحدث فى هذه البقعة الغالية من الأرض. واحتفاليتنا ــ غنى عن القول ــ تدعم وتمشى على هدى حملات المجتمع المدنى الفلسطينى المطالبة بالمقاطعة الكلية لإسرائيل. وبعد الثورة، وعند التخطيط لاحتفالية العام ٢٠١٢، استقر الرأى على لياقة أن تعكس هذه الاحتفالية واقعنا الجديد. وإن كان أطباؤنا قد شعروا بوجوب التوجه إلى غزة وقت كانت تقصف، فعلينا، نحن أصحاب القلم والنشيد والصورة، أن يكون لنا تواجد قوى وفعال فيها الآن وباستمرار.

 

قضينا عشرة شهور نخطط للاحتفالية؛ نستشير زملاءنا فى غزة وننسق معهم، ونعمل على جمع تمويلنا البسيط من أنفسنا وأصدقائنا. حددنا من ٥ إلى ١٠ مايو للنشاط، ودعونا عددا من الكتاب والفنانين المصريين والعرب فاستجابوا لدعوتنا بكرم. ومن لم يستطع أهدانا كتبا موقعة بإمضائه نأخذها للمكتبات هناك. استطلعنا إجراءات الدخول إلى غزة (فللأسف ما زالت هناك «إجراءات» أعقد من أن تتوجه إلى رفح ومعك الجواز أو البطاقة) فعرفنا أن علينا التقدم إلى وزارة الخارجية المصرية بطلب مسَبَّب، ومرفق به صورة جواز السفر للمسافر. تقدمنا بأوراق اثنين من متطوعى الاحتفالية من الشباب، وتفضلت الوزارة فأعطتنا التصريحات، وسافر الشباب، والتقوا الزملاء فى غزة من أساتذة الجامعات، والطلبة، وأعلام المشهد الثقافى، وقيادات وزارتى الثقافة والتعليم، وحددوا المحاضرات وورش العمل المطلوبة، وصمموا الأمسيات الأدبية، وحجزوا الفنادق، والمواصلات، وقاعات العرض، وتواصلوا مع الإعلام. ثم عادوا لنبدأ مرحلة التنفيذ.

 

أملنا أن تكون احتفالية هذا العام هى الأولى فقط، وأن يتسنى لنا ولغيرنا القيام بأشكال مختلفة من النشاط والتعاون مع أهلنا وجيراننا. فى هذه المرة استقرت قائمة المشاركين على مجموعة من ضمنها أمين حداد، وجمال محجوب، وخالد الخميسى، وسحر الموجى، وسعاد العامرى، وسلمى دباغ، وطارق حمدان، وغادة عبد العال، ويوسف رخا، وفرقة اسكندريلا.

 

 تقدمنا إلى وزارة الخارجية، فى ١٨ ابريل، بطلب التصريح اللازم لدخول ٤٣ فردا من الشخصيات الأدبية والعامة ومرافقيهم، إلى غزة، وأرفقنا بالطلب صورا من جوازات سفر الجميع حسب التعليمات. وكانت الاحتفالية قد أُخطِرت بأن صدور هذه التصاريح قد يستغرق عشرة أيام. واليوم، وأنا أكتب هذا العمود، وقد مر أكثر من أسبوعين على تقديم الطلبات ما زالت الاحتفالية فى انتظار التصاريح.

 

المجتمع المدنى حىّ الضمير فى العالم يركب البحر ويسافر ليعبر عن تضامنه مع أشقائنا فى غزة. الناشطون الأتراك تغتالهم إسرائيل فى المياه الدولية وهم يحاولون كسر الحصار المفروض على أهلنا. والعالم يسأل: هل ستغير ثورة مصر، صحوة مصر، من الظروف التى تعيشها فلسطين؟ لا أزعم أن الأدب والفن هما أهم ما فى الحياة، ولا أن الكتابة والغناء يغنيان عن الفعل السياسى والاقتصادى. لكن أزعم أن لهما دورا أكيدا فى تشكيل التوجهات والمناخ، وفى دعم الإخوة والعزيمة. وعلى كل حال، كل واحد يعمل اللى فى إيده. «احتفالية فلسطين للأدب» هى كتاب وأدباء وفنانون مصريون وعرب، ينطلقون من الأراضى المصرية، ليعَبِّروا عن تضامنهم مع أهلهم فى غزة، وليحققوا التواصل الثقافى الذى يتوق له أهلنا هناك والذى حرمنا جميعا منه طويلا، وليُظهروا أمام العالم أن مصر قد تحررت من دور السجان وصانع الوقيعة لأشقائه وأنها عادت إلى دورها الحاضن والراعى والمحب كأم وكمحضر خير.

 

سوف نعقد اليوم (الأربعاء) مؤتمرا صحفيا، فى الثانية بعد الظهر، على النيل أمام وزارة الخارجية، وأملى كبير أن نستطيع أن نشكر فيه وزارتنا، ونعلن أن تصاريحها فى إيدينا، تسمح لنا بالمرور من الشق المصرى لرفح إلى الشق الفلسطينى لرفح أيضا، وأن نقضى خمسة أيام فى فاعليات فنية تعليمية آملة بنّاءة مع أهلنا وذوينا هناك.   

التعليقات