الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 4:04 م القاهرة القاهرة 34.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

صورة مقربة لواقع الانقسام العربى.. الهزيمة تطمس صورة فلسطين!

نشر فى : الثلاثاء 1 مايو 2018 - 10:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 1 مايو 2018 - 10:35 م

يتساقط الشهداء فى غزة وسائر أنحاء فلسطين، يوميا، ويشيعهم رفاقهم متعجلين، ليعودوا إلى مواجهة جيش الاحتلال الإسرائيلى بصدورهم العارية وبعض الحجارة والإطارات المشتعلة لنشر الدخان الكثيف فى وجه عدوهم الوطنى والقومى والإنسانى..
وقد ينظر سائر العرب إلى هذه المشاهد بشىء من الأسى وقد يتعاطفون، للحظة، وقد يُظهرون شيئا من الحزن، ثم يواصلون حياتهم اليومية كالمعتاد، مسلِّمين بهذا الواقع باعتباره إحدى نتائج عصر الهزيمة الذى يعيشونه.
تتواصل الحرب فى اليمن، تدمر مدن التاريخ، تنتشر الكوليرا حتى تكاد تقضى على أطفالهم، ويتابع سائر العرب أخبار الغارات على صنعاء وتعز والحديدة وعدن وكلها تصب قنابل القتل والتهديم وكأنها تجرى فى بلاد غير بلادهم، وضد شعب غير شعب اليمن الذى فتح بعض مقاتليه الأندلس بعماماتهم التى أعادت توحيد صفوف المجاهدين بعدما فوجئوا بكمائن مواجهيهم حيث لم يتوقعوا.
تكاد تختفى ليبيا عن خريطة العالم فى ظل الصراع المفتوح بين قادة العشائر والقبائل وانقسامات أهل الشرق (بنغازى) عن أهل الشمال (طرابلس) عن أهل الجنوب (سبها)، فى حين تتزاحم دول عربية عدة على وراثة عرش معمر القذافى، بينها إمارات ومشيخات مثل قطر لا يعادل مجموع سكانها أهالى مدينة بنغازى أو طرابلس.
اختفت عن مسرح التأثير والقرار العربى دولة عربية كانت غنية بجيشها وبشعبها وارث إمبراطورية هارون الرشيد، فضلا عن ثرواتها النفطية التى يتوزعها الآن النهابون، فى ظل وجود عسكرى استعمارى ظاهره أمريكى وإن استبطن بريطانيا وفرنسا، هذا فضلا عن إعادة إثارة موضوع «الانفصال الكردى» فى الشمال الذى أرجئ استكماله للتعذر، وإن ظل «الوضع الخاص» للأكراد موضع تفاوض دولى. وهكذا تم تغييب العراق عن موقع القرار.
***
تستمر الحرب فى سوريا وعليها وتكاد تتحول إلى حرب دولية، خصوصا وقد اتسعت أرضها الفسيحة للروس بقواعدهم عند الشاطئ، والأمريكيين فى الجزيرة (دير الزور والرقة) والأتراك (فى الشمال من عفرين حتى منبج مع تطلع إلى إدلب..) والفرنسيين الذين يحاولون أن يحجزوا لهم مكانا فى هذه الدولة التى كانت شريكا أساسيا فى كل القرارات المتصلة بالقرار العربى الجامع، من الوحدة (سنة 1958) إلى حرب يونيه 1967 مع مصر فإلى حرب أكتوبرــ 1973ــ إلى الحرب الدولية على العراق عام 1992 فضلا عن دورها الحاسم فى وقف الحرب الأهلية اللبنانية (1975ــ1990) بمراحلها المختلفة، ومن ضمنها الاحتلال الإسرائيلى للبنان فى العام 1982.
يعيش لبنان وضعا قلقا، مع التدخل الأجنبى المتواصل والذى يستغل تنوعه الطوائفى، فضلا عن آثار الحرب الأهلية الطويلة فيه، وغياب «الحكم» السورى الذى شكل مع السعودى ــ قبل الخلاف بين الدولتين ــ «ضابط الإيقاع» فى الحياة السياسية، والمرجع الأمنى المطاع من الصديق والخصم على حد سواء..
فأما الدول العربية الأخرى فبعضها قد أغلق حدوده مع الأشقاء العرب وانشغل بذاته عنهم (مصر، الجزائر، فضلا عن المغرب) وبالمقابل فإن بعضها الآخر الأغنى، قد أسلم قياده إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وبشروطها، وابتعد عن «إخوته الفقراء»، وذهب بثرواتها جميعا ملبيا طلب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، على الرغم من قسوته الجارحة إلى حد الإهانة، ومفاده أن الله أعطى من لا يستحق فوق ما يستطيع أو يحتاج، ولذا فهو يطلب من دول النفط والغاز أن تدفع للولايات المتحدة مبلغ ثلاثين مليار دولار، هو فائض ثروتها.. المضيعة! على الرغم من أن هذه الدول قد دفعت وتدفع سنويا مليارات الدولارات ثمنا لسلاح لن تستخدمه أو كلفة لقواعد عسكرية جوية أو بحرية أو برية لن تحتاجها، إلا إذا هى قررت شن الحرب على إيران..
مع الإشارة إلى أن العدو الإسرائيلى لم يعد يصنف هذه الدول فى خانة الأعداء، أعداء الأمة والدين، والاتصالات معه تجاوزت السرية إلى العلن، كما أن مسئولين إسرائيليين يتحدثون علنا وبأسمائهم الصريحة إلى بعض وسائل الإعلام السعودية (إيلاف).

*****

إنه عصر الهزيمة، فعلا..
لقد انفض عقد العرب وتبعثروا، بل ولقد غدا بعضهم أعداء للبعض الآخر، وها هى إدارة ترامب تطلب فيستجيب بعض قادة دول النفط لإرسال جنودها للحلول محل القوات الأمريكية التى تحتل بعض شرقى سوريا (الرقة ومحيط دير الزور) وتمكن الأكراد فيها من السيطرة على آبار النفط فى الشرق السورى.
كذلك فإن قوات من المرتزقة تمولها دول عربية تقاتل حاليا فى ليبيا، لأسباب لا تتصل لا بوحدة هذه الدولة الغنية بنفطها ولا بمستقبل شعبها فيها.
بالمقابل فإن بعض دول الخليج تحظر على لبنان الإبقاء على علاقاته الطبيعية مع سوريا، ولو أنها ملكت قراره لحرضته على إقفال حدوده معها..
وفى حين يتساقط الشهداء يوميا على أرض فلسطين، فى مواجهة جنود الاحتلال الإسرائيلى ووحوش المستوطنين، فإن الدول العربية، عموما، لا تقدم أى دعم لهؤلاء المجاهدين، حفظة كرامة الأمة وشرف شهدائها على أرض فلسطين أو فى الطريق إليها..
بل أن العدو الإسرائيلى يغتال بعض المجاهدين الفلسطينيين فى أقصى الأرض، ثم تحاول حكومة الاحتلال منع نقل جثمانه ليدفن فى أرضها المباركة... لولا أن مصر قد وضعت ثقلها لإدخاله إلى غزة..
لقد هان العرب على أنفسهم، فاختلفوا فيما بينهم إلى حد القطيعة، تحاشيا للاشتباك المباشر.. بل أن بعضهم يقاتل النظام السورى إلى جانب «داعش» والقوات التركية والقوات الأمريكية (وهى قوات محتلة)، من دون أن يرف له جفن.. وبعضهم يتواطأ على العراق، بحجة منع «النفوذ الإيرانى» من التغلغل فيه، بل أن بعض دول النفط والغاز يمنعون رعاياهم من القدوم إلى لبنان، للاصطياف فى منازلهم الفخمة فيه، أو للسياحة فى أرجائه الجميلة.
بالمقابل فإن وفدا رسميا من البحرين، اختير لرئاسته ــ بالقصد ــ رجل دين شيعى معمم، زار أخيرا الكيان الصهيونى، وأبدى إعجابه بالتسامح الإسرائيلى الذى سمح لهم بالصلاة فى المسجد الأقصى..
كما أن وفدا مغربيا قد زار الكيان الصهيونى أخيرا، تدليلا على استمرار «العلاقات الطبيعية» مع إسرائيل التى جاءها من المغرب مئات الألوف من يهودها.. ليقاتلوا أهلها وسائر أشقائهم العرب.
وأما قطر فإن علاقاتها ممتازة مع إسرائيل، وتجارتها معها ناشطة، وعُذر أميرها أن تل أبيب هى باب واشنطن والبيت الأبيض فيها.
***

وها هو البوندستاج الألمانى يُقر بيهودية دولة إسرائيل ويلتزم التزاما تاريخيا بأمنها وعبريتها.. وإن كان قد استدرك فأشار إلى احتمال قيام دولة فلسطينية.. على بعض الأرض من فلسطين المباركة.
إن صورة الواقع العربى قاتمة: لقد انفض جمع العرب فغدا بعضهم خصوما، وفى بعض الحالات أعداء لبعضهم الآخر..

فمن يتذكر، الآن فلسطين؟

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات