الجمعة 15 ديسمبر 2017 11:46 م القاهرة القاهرة 18.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

عندما كانت مياه النيل خطًا أحمر

نشر فى : الأربعاء 1 نوفمبر 2017 - 9:55 م | آخر تحديث : الأربعاء 1 نوفمبر 2017 - 9:55 م

قبل 61 عاما فكرت الحكومة البريطانية فى سبل معاقبة مصر على قرار تأميم قناة السويس. وكانت ورقة مياه النيل الذى تسيطر بريطانيا على جزء كبير من منابعه، من الأوراق التى فكر البريطانيون فى استخدامها، بمنع تدفق المياه عبر سد أوين فى أوغندا الذى كان المهندسون المصريون يديرونه بشكل كامل، رغم خضوع أوغندا نفسها للاحتلال البريطانى فى ذلك الوقت.

ومع أن مياه شلالات أوين هى أحد روافد النيل الأبيض الذى لا يمثل أكثر من 20% من موارد نهر النيل، فإن وزارة الدفاع البريطانية حذرت رئاسة حكومتها من الإقدام على وقف تدفق المياه عبر سد أوين إلا إذا كانت مستعدة للدخول فى حرب صريحة مع مصر التى «سترسل طائراتها القاذفة عبر السودان لقصف السد» بحسب الوثائق السرية البريطانية التى تم الكشف عنها ونشرها الزميل عامر مروان فى صحيفة الأهرام يوم الاثنين 30 أكتوبر الماضى.

وتقول مذكرة وزارة الدفاع البريطانية: «بعيدا عن العمل الدبلوماسى، يمكن لمصر أن تهاجم سد شلالات أوين فقط باستخدام الطائرات القاذفة عبر السودان».

وقالت الوزارة إنه لا يجب فرض قيود على تدفق المياه إلا إذا كانت بريطانيا مستعدة للحرب مع مصر، «نظرا لأنه من المرجح أن تعتبر مصر فرض قيود أو حتى التهديد بفرض قيود عملا عدائيا، فإنه يمكن استخدامه فقط لو كنا مستعدين للذهاب إلى حرب معها أو لو أننا فى حالة حرب فعلا معها» بحسب نص المذكرة.

المفارقة أن بريطانيا كانت تتحسب لرد فعل القاهرة العسكرى على العبث بمياه النيل، رغم أنه لم يكن قد مر على جلاء الاحتلال البريطانى عن مصر أكثر من عامين، ولم يكن قد مرت الا 4 سنوات على ثورة 23 يوليو ١٩٥٢ وتغيير نظام الحكم فى مصر، ولم يكن قد مر أكثر من 8 سنوات على هزيمة القوات المصرية والعربية فى حرب فلسطين 1948.

معنى هذا أنه فى حين كانت مصر «دولة تحت الإنشاء»، فإن الإمبراطورية البريطانية ووزارة دفاعها كانتا على يقين بأن القائمين على أمر مصر لن يقبلوا بأى عبث أو اعتداء على حقوق مصر التاريخية فى مياه النيل، وأنهم مستعدون لاستخدام القوة العسكرية دفاعا عن هذه الحقوق التى تعتبر مسألة حياة أو موت بالنسبة للمصريين.

ما تقوله هذه الوقائع والوثائق، هى أن قوة الدول تقاس بإرادتها السياسية وتمسكها بثوابت أمنها القومى واستعدادها للوصول إلى أبعد مدى فى الدفاع عن هذه الثوابت وإدراك الآخرين لهذا الاستعداد، أكثر مما تقاس بما تملكه من أسلحة ومعدات، بل وكتلة بشرية.

ففى ذلك الوقت لم يكن عدد سكان مصر يزيد على 20 مليون نسمة، وكان نظامها السياسى الجمهورى الجديد فى طور الإنشاء بعد إلغاء النظام الملكى عام 1952، ولم يكن الجيش المصرى فى أفضل حالاته، ومع ذلك فقد كانت بريطانيا العظمى تدرك أن أى مساس بحقوق مصر فى مياه النيل قد يؤدى إلى نشوب حرب صريحة بين الجانبين.

وبعد مرور 61 عاما على هذه الوقائع والأحداث، كيف ننظر إلى حقوقنا التاريخية فى مياه النيل وقد أصبح تعدادنا 100 مليون نسمة ودخلنا دائرة الفقر المائى، ودول المنابع تتعامل مع النهر الخالد دون أى اعتبار لمصر وحقوقها ومصالحها؟

التعليقات