الأحد 18 نوفمبر 2018 5:32 م القاهرة القاهرة 23.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

السياسة ليست انقضاضاً على المواطن

نشر فى : الإثنين 2 مارس 2009 - 2:04 م | آخر تحديث : الإثنين 2 مارس 2009 - 2:04 م

 السياسة فى دولة العصر الحديث، وفى أهم تعريفاتها هى الإدارة السلمية لصراعات المصالح المتعارضة، وفى هذه الدولة الحديثة أصبحت أغلب المصالح اقتصادية، وقد تكون المصالح فئوية، أو طبقية، أو قد تتفاوت على أساس إقليمى، أى بين مقطعة فى الدولة وأخرى، وقد تتعارض على أساس عنصرى أو دينى.. إلخ.

وهذا كله معقول، وطبيعى، مادام أن الدولة تقوم بواجبها فى إدارة كل تلك التناقضات سلمياً، وديمقراطياً، وعلى أساس التوازن بين مصلحة هذه الفئة أو تلك، وبين مصالح بقية الفئات، والمجتمع ككل.
وبداهى أن أول شروط الإدارة السلمية للمصالح المتصارعة هو تجنب منطق الانقضاض والفرض الذى سبقت الإشارة إليه هنا فى الأسبوع الماضى، عندما كنا نتحدث عن تعامل الحكومة مع الصيادلة وسائقى المقطورات، والمحامين وغيرهم من الفئات.

لنبدأ بمشكلة المقطورات، ونسأل أين هو الانقضاض والفرض الذى مارسته الحكومة ضدهم، وكيف يمكن إدارة مثل هذا «التناقض» بين حق المجتمع فى سلامة أفراده وطرقه من عربدة المقطورات، وسوء صيانتها وتأمينها، وبين مصلحة أصحاب وسائقى هذا النوع من وسائط النقل، وكذلك مصلحة القطاعات الاقتصادية التى تعتمد على الشاحنات الثقيلة ومقطوراتها؟

حسب معلوماتى؛ فإن قانون المرور الجديد الذى نص على إلغاء تسيير المقطورات بعد مهلة عام واحد، ظل حبيس الأدراج لمدة 3 سنوات على الأقل، ولا ندرى السبب فى «ركنه» طيلة تلك المدة، لكننا ندرى أنه خرج من قمقمه بعد أن عبّر الرئيس مبارك شخصياً عن قلقه من تزايد حوادث الطرق، وتزايد عدد ضحاياها.

كان جميلاً أن يهتم الرئيس بهذه المشكلة، وكان جميلاً أيضاً أن تتحرك مؤسسات الدولة من أول وزارة الداخلية، حتى مجلس الشعب لإصدار القانون الجديد تطبيقاً لتوجيهات الرئيس، ولكن الأجمل كان ـ بلا جدال ـ ألا تنتظر كل هذه الجهات أن ينبهها رئيس الدولة بنفسه إلى حرب الطرق، وإلى الحاجة إلى قانون جديد للمرور، أما الأجمل والأجمل فكان عدم الاستعجال فى تمرير القانون قبل إخضاعه للدراسة من جميع الجوانب، وبما فى ذلك توقع الآثار الجانبية له، خاصة الآثار الاقتصادية والاجتماعية لتطبيقه، وكان الأولى قبل ذلك كله هو دراسة الأسباب المتجذِّرة فى ثقافتنا واقتصادنا لعدم الالتزام بمواد القانون القديم، ويكفى أن نتذكر أن هناك نصاً قانونياً يمنع تسيير عربات «الكارو» ـ أى التى تجرها الدواب فى شوارع القاهرة والجيزة والإسكندرية ـ ولكن هذا النص لم يطبق فى أية لحظة، والأدهى أن عربات الكارو تسير بكل حرية فى الطرق السريعة والرئيسية.

ولو أن تلك الدراسة المتمهلة قد حدثت، لكان الدارسون قد اكتشفوا أن مهلة السنة ليست كافية للتخلص من المقطورات، ولكانوا أيضاً قد اكتشفوا أن استثمارات ضخمة سوف تضيع هباء بجرة قلم إذا التُزِم بتطبيق القانون حرفياً، وكذلك كان من السهل أيضاً التنبؤ بأن أسراً سوف يضيق رزقها، وبيوتاً سوف تغلق بسبب قصر مدة المهلة، ومن ثم كان القانون سوف يتضمن نصاً بتأسيس صندوق حكومى لمساعدة أصحاب المقطورات على إعادة تأهيلها كـ«تريللات»، كما حدث فعلاً فى اتفاق منفصل بعد نجاح إضراب سائقى المقطورات، وبعد الخسائر التى لحقت بالاقتصاد القومى من جراء ذلك الإضراب.

ولما كانت هناك سابقة تشجع أصحاب وسائقى التاكسيات «المتهالكة» على التهديد بإضراب مماثل، إذا طُبق النص الذى يلغى تراخيص «التاكسى» للسيارات، التى نص على تصنيعها عشرين عاماً فأكثر وهذه على أية حال قضية متفجرة مقبلة، ما لم يبادر المسئولون إلى تداركها، خاصة أن ظروف الأزمة الاقتصادية العالمية والمحلية، سوف تجعل من الصعب ــ إن لم يكن من المستحيل ــ تنفيذ برنامج إحلال سيارات تاكسى جديدة محل السيارات المطلوب التخلص منها، فأين هو البنك الذى يستطيع الآن تمويل مثل هذا البرنامج، وأين هو السائق أو المالك الذى يستطيع شراء سيارة جديدة لتحل محل القديمة (كتاكسى) دون تقسيط؟!، وما مصلحة المجتمع فى تحويل عدد كبير من هؤلاء إلى عاطلين، ومن تحويل أولادهم إلى مجرمين أو إرهابيين محتمَلين لا قدر الله؟

التحدى هنا إذن هو تحقيق مصلحة المجتمع فى الحصول على وسائط نقل بضائع وركاب آمنة ونظيفة، ولكن دون عسف أو انقضاض، فى ظروف اقتصادية سيئة للجميع، وفى وقت تزداد معه معدلات البطالة، والحل يكون باتباع برنامج طويل المدى، وتوفير صناديق للتمويل بشروط ميسرة.

سيقول قائل: ومن أين للدولة مثل هذه الموارد؟ والرد هو: ومن أين دبرت تمويل صندوق تأهيل المقطورات بعد أن وقعت الأزمة؟، وهل الأولى استخدام المال العام فى مثل هذه المشروعات التى تفيد قطاعات كبيرة من المواطنين، وتفيد المجتمع ككل، أم الأولى دخول بنك عام لشراء حصة ضخمة فى مشروع عقارى فاخر لا يتجاوز عدد الحاجزين فيه ستمائة شخص، وإنقاذ شركة متعثرة لا تعمل إلا فى هذا النوع من الإسكان؟

مثل الصيادلة هو الآخر تطبيق صارخ لأسلوب الانقضاض والفرض؟، فنحن وغيرنا مع محاسبة الصيادلة ضريبياً دون أية مزايا أو إعفاءات، ولكن لم يكن من اللائق إلغاء اتفاقية 2005 معهم من طرف واحد، اللهم لو كانوا متعنتين أو مماطلين فى التفاوض مع مصلحة الضرائب، وبشرط أن يطلع الرأى العام أولاً بأول على هذا التعنت.

كذلك الأمر بالنسبة لمشروع الرسوم القضائية الجديدة، فصحيح أن الرسوم الحالية متدنية، وأنها وُضعت قبل ستين عاماً عندما كانت قيمة الجنيه أضعاف قيمته الحالية، ولكن هل عوملت كل الفئات على هذا النحو، بحيث يعاد النظر فى الرواتب والأجور وإيجارات المساكن القديمة.. إلخ. على أساس الفرق بين قيمة الجنيه منذ ستين عاماً وبين قيمته الحالية؟

ثم هل درس أحد الآثار الجانبية لمثل هذه الزيادات الضخمة على صغار المحامين، وصغار المتقاضين؟
إن الأزمة التى اشتعلت تكشف أن شيئا من ذلك لم يُدرس، بل لم ترد هذه الأشياء فى الحسبان أصلا، وكأن التشريع سوف يصدر فى فراغ، ولذلك فقد خُفضت الرسوم المقترحة مرة واحدة بنسبة النصف على الأقل فى أول مناقشة عامة للمشروع فى مجلس الشعب، ومع ذلك فإن غالبية المحامين لاتزال ترى أن التخفيض إلى النصف لا يكفى، كما أن عددا لا بأس به من كبار المحامين وفقهاء القانون يخشون أن تكون الفلسفة الكامنة وراء مبدأ المغالاة فى رسوم التقاضى هى حلَ المشكلة المالية لمرفق القضاء «وهو بالمناسبة برىء من هذا المشروع» على حساب حق التقاضى الدستورى، وعلى حساب مبدأ مجانية العدالة. وكل ذلك دليل على غياب مبدأ صراع المصالح، ووجوب إدارته سلميا وديمقراطيا على أساس التوازن عن عقلية السلطة التنفيذية القادرة على جر السلطة التشريعية فى ركابها فى كثير من الأحيان.

لكن المنطق الذى يقف وراء تغليظ العقوبات المالية فى قانون المرور، وكذلك فى إلغاء اتفاقية المحاسبة الضريبية مع الصيادلة، وفى زيادة رسوم التقاضى على هذا النحو المبالغ فيه هو بحد ذاته منطق مخيف، إذ إنه يرمى إلى زيادة الموارد بأية طريقة من جيوب المواطنين، ويتمادى فيصل إلى حد تفويض كل جهة بتدير الزيادة فى مواردها بطريقتها الخاصة، ولكن باستخدام سلطة الدولة فى التشريع والتنفيذ، ولا يحدث ذلك فقط فى الجهات التى تحدثنا عنها فيما سبق، ولكنه يمتد إلى التعليم والصحة، وغيرهما من الخدمات التى من المفترض أن الدولة ملتزمة بأدائها دون هذه الأعباء الإضافية على المواطنين، وبدون حاجة إلى انقضاض ومباغتة بين الوقت والآخر.

عبد العظيم حماد رئيس تحرير جريدة الشروق السابق. كاتب صحفي مصري بارز ، وشغل عدة مناصب صحفية مرموقة على مدار تاريخه المهني.ولد عام 1950 ، وحصل على بكالوريوس العلوم السياسية ، وعمل كمحرر ومعلق سياسي منذ عام 1973 ، سواء في الإذاعة والتليفزيون أو في مجلة أكتوبر أو في جريدة الأهرام ، وكان مديرا لتحرير الأهرام الدولي في أوروبا ، وكبيرا لمراسلي الأهرام في منطقة وسط أوروبا ، وله مؤلفات وأبحاث وكتابان مترجمان ودراسات دولية متنوعة.
التعليقات