بعد قتل أربعة أمريكيين فى ليبيا، وهجمات الغوغاء على السفارات الأمريكية عبر العالم الإسلامى، تذكر الكثيرون عام 1979 عندمت احتجز الإسلاميون المتطرفون البعثة الأمريكية فى طهران. فهناك أيضا، وجد المتطرفون عند صعودهم بعد سقوط طاغية موال لأمريكا، وسيلة رخيصة لتمكين أنفسهم.
سوف تنحسر ـ فى وقت قريب ـ الاحتجاجات العنيفة التى أثارها فيلم «براءة المسلمين»، وتعود السفارات الأمريكية إلى عملها العادى. ولكن الاستدعاء الرمزى للعنف، الذى شمل هجوما طالبانيا على واحدة من أكثر القواعد الأمريكية تأمينا فى أفغانستان، بات واضحا. حيث يعاد تمثيل دراما تراجع النفوذ الأمريكى فى الشرق الأوسط وجنوب آسيا، بعد حربين عقيمتين، وانهيار أو ضعف الأنظمة الموالية لأمريكا.
فى أفغانستان، قتل جنود الجيش ورجال الشرطة المحليون مدربيهم الغربيين، واندلعت المظاهرات هناك وفى باكستان، ضد هجمات الطائرات بلا طيارين الأمريكية، وما تردد عن تدنيس القرآن. والمدهش، أن هذه الطفرة فى الكراهية العميقة وعدم الثقة فى الغزاة الغربيين الأقوياء، المتطفلين والمتحكمين عن بعد، حدثت مرة أخرى كصدمة للعديد من صانعى السياسية والمعلقين الأمريكيين، ألذين لجأوا مباشرة إلى الحجة البليدة «إنهم يكرهون حرياتنا».
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة التى استوعبت قشور أيديولوجيات مثل النازية والشيوعية فى شعارها السامى عن قوتها المعنوية ورسالتها، لم تنتبه للحدث الرئيسى فى القرن العشرين: الصحوة السياسية المطردة، بل والعنيفة، للشعوب التى ظلت طوال عقود عرضة لمساوئ النفوذ الغربى. وتفسر هذه الرؤية الغريبة، السبب فى استمرار تضييع صانعى السياسة الأمريكيين لفرص التسويات السلمية لفترة ما بعد الاستعمار فى آسيا.
●●●
وفى أوائل عام 1919، ارتدى هوشى منه بذلة صباحية وتسلح باقتباسات من إعلان الاستقلال، محاولا اقناع الرئيس وودرو ويلسون بوضع حد للحكم الفرنسى فى الهند الصينية. ولم يصل إلى اتفاق مع ويلسون. وأصيب القوميون الهنود والمصريون، الإيرانيون والأتراك، الذين عقدوا آمالا على إصدار الرئيس الأممى الليبرالى «مذهبا اخلاقيا» فى الشئون العالمية، بخيبة أمل أيضا.
ولم يكن أى من هؤلاء المعادين للاستعمار، لينزعج إذا عرفوا ان ويلسون، وهو جنوبى مغرم بالنكات عن السود، يؤمن بالحفاظ على «حضارة البيض وهيمنتها على العالم». وكان فرانكلين روزفلت أكثر تصالحية على نحو طفيف، عندما اقترح فى 1940 تهدئة العرب الفلسطينيين المحرومين بمنحهم «القليل من البقشيش».
ولم يغير روزفلت رأيه، إلا بعد أن التقى الزعيم السعودى، وأدرك أهمية البترول للاقتصاد الأمريكى بعد الحرب. لكن الحرب الباردة، وهاجس الوحدة الشيوعية الوهمية، حجبا مرة أخرى رؤية الأمريكيين لحركة التحرر التى لا يمكن وقفها، ويغذيها رغبة عارمة لدى الشعوب المهانة فى الحصول على المساواة والكرامة، وسط عالم يسيطر عليه أقلية صغيرة من البيض.
ولم تفلح أيضا نداءات هوشى منه بعد الحرب العالمية الثانية لرئيس أمريكى جديد، هارى ترومان، وقد تم نبذ هوشى منه، الذى كان قد عمل مع عملاء الاستخبارات الأمريكية خلال الحرب، باعتباره شيوعى خطير. ولكن الكثيرين فى آسيا، رأوا أن الفيتناميين سوف يضعون نهاية للهيمنة الأجنبية على بلادهم. وأن الأمر مجرد مسألة وقت.
وكما كتب الناقد الأمريكى ارفيج هاو فى 1954، فنظرا لأن العالم كان قد دخل «عصرا ثوريا» جديدا، ساد فيه التطلع الشديد إلى التغيير بين ملايين المسيسين فى آسيا. وحذر هاو قائلا «أيا من كان من يسيطر عليهم، سواء بأساليب شرعية أو مشوهة، فسوف ينتصر». فقد تعرض هذا التطلع الجماهيرى إلى التحول السياسى، للقمع طويلا على يد استبداد فترة الحرب الباردة فى العالم العربى؛ و تفجر الآن، ليضعف بشدة قدرة أمريكا على التحكم فى الأحداث هناك.
●●●
ونظرا لتاريخ الولايات المتحدة الطويل من التواطؤ مع الطغاة فى المنطقة، من شاه إيران إلى صدام حسين وحسنى مبارك، فهى تواجه ضعفا فى الثقة. ولا يشى الاعتقاد بأنه يمكن تجاوز هذا الشك العميق عبر بضعة خطب رئاسية مهدئة، إلا عن جهل مخز بما يسمى العقلية العربية، التى كان يعتقد حتى وقت قريب أنها لا تستجيب إلا للقوة الغاشمة.
ولا يعتقد السلفيون المتطرفون وحدهم أن الأمريكيين لديهم دائما نوايا خبيثة: فقد كان المتظاهرون المصريون المناهضون للإسلاميين ــ الذين رشقوا هيلارى كلينتون بالبيض الفاسد فى الإسكندرية يوليو الفائت ــ مقتنعين بأن أمريكا تعقد صفقة مشبوهة مع الإخوان المسلمين. ولاحظ مواطنو العالم الإسلامى تلاعب رئيس الوزراء الإسرائيلى الصارخ بالسياسة الأمريكية، من أجل توجيه ضربة وقائية إلى إيران.
ولا شك أن هناك سنوات قادمة من الاضطراب فى الشرق الأوسط، مع سعى تيارات مختلفة للسيطرة على الحكم. ويعتبر مقتل السفير كريستوفر ستيفنس فى ليبيا ـ قصة النجاح الأمريكية فى الربيع العربى علامة مبكرة على الفوضى القادمة، كما أنه يشير إلى التداعيات غير المتوقعة، المحتمل أن تتبع أى تدخل غربى فى سوريا ــ أو إيران.
وكما كان الحال فى جنوب آسيا عام 1975، فقد انفضحت حدود القوتين العسكرية والدبلوماسية الأمريكيتين. ولا يمكن أن ينجح الدعم المالى أو البقشيش، إلا إلى حد معين، مع زعماء يكافحون من أجل السيطرة على الطاقات المتنوعة والشرسة المثيرة للارتباك، التى أطلقها الربيع العربى.
●●●
وعلى الرغم من أنه غير مستساغ سياسيا أن أذكر ذلك أثناء الحملة الانتخابية، فلم تكن الحاجة إلى انسحاب استراتيجى أمريكى من الشرق الأوسط وأفغانستان أكثر إلحاحا من الآن. وهى حاجة قوية بوجه خاص، حيث يقلل تنامى قوة الاستقلال من عبء أمريكا فى حراسة المنطقة، وبينما تبدى حليفتها المفترضة، إسرائيل دلائل منذرة على التحول إلى مدفع لا رابط له.
ولكن، لن يضيع كل شىء إذا تراجع الوجود الأمريكى السياسى المتقلب فى العالم الإسلامى. ومن الممكن أن تعود العلاقة، مثلما حدث مع عدوتها السابقة فيتنام، إلى علاقة تضمن الاحترام المتبادل. (على الرغم من أن تراكم الوجود العسكرى مؤخرا فى المحيط الهادئ ــ وهو جزء من «المحور الآسيوى» ــ يشير إلى مبالغة جديدة فى تقدير النفوذ الأمريكى فى تلك المنطقة).
ويبدو من دعوة الجمهوريين لأن يرفع الرئيس أوباما «عصا غليظة» أنهم يعتقدون أنهم يعيشون فى حقبة تيدى روزفلت. بينما يرسى الأمميون الليبراليون، بدعوتهم إلى تعامل أمريكى أعمق مع الشرق الأوسط، حقبة زمنية مماثلة ولدى كليهما فكرة مبالغة عن النفوذ المالى الأمريكى، بعد أكبر أزمة اقتصادية تمر بها الولايات المتحة منذ الثلاثينيات.
ولا شك أن دول العالم الصاعدة مؤخرا، والشعوب التى استيقظت، سوف تشكل على نحو متزايد الأحداث فى حقبة ما بعد الغرب. ولا مفر من التراجع الأمريكى. والسؤال الوحيد هو هل سيكون تراجعا مطولا وعنيفا، كما كان تراجع أوروبا فى منتصف القرن العشرين من آسيا وأفريقيا؟
كل الحقوق محفوظة لشركة النيويورك تايمز لمبيعات الخدمات الصحفية.