وطن لا يموت - جميل مطر - بوابة الشروق
الإثنين 24 أغسطس 2026 12:47 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

وطن لا يموت

نشر فى : الخميس 3 يناير 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 3 يناير 2013 - 8:00 ص

جرت أحداث خلال الأسابيع القليلة الماضية فى باراجواى، إحدى دول أمريكا اللاتينية، استخلصت من متابعتها وتحليلها بعض العبر كالحال معى دائما عندما أقرأ عن تطورات هذه القارة المثيرة حينا والمحيرة حينا آخر. ولكنى قبل أن أسرد هذه العبر المستخلصة من تحقيق رائع نشرته مجلة الايكونومست البريطانية ومن مقالات فى صحف ودوريات أخرى، يجب أن اعترف اننى اتحدث عن دولة كانت بالنسبة لى خلال سنوات قضيتها فى بلاد متاخمة لها لغزا لم أفلح ــ رغم مساعدة أصدقاء من إعلاميين وعلماء اجتماع فى الارجنتين وشيلى واوروجواى وبوليفيا ــ فى فك طلاسمه.

 

•••

 

  بعد عقود من احتكار حزب «الكولورادو»، أى الحزب الأحمر للحكم فى الباراجواى، وهو حزب يقوده جماعة من الاقطاعيين ورجال الأعمال، فاز برئاسة الجمهورية فى انتخابات نزيهة رجل دين كاثوليكى، اشتهر بين جماهير الشعب، وأغلبهم قليلو الحظ فى التعليم ووافرو الحظ فى الفقر، بأنه رجل ورع وتقى لا يكذب ولا يرتكب حماقات أو فواحش طاهر اليد ثورى المزاج سمح الوجه وناشط بين الفقراء والمتمردين ومتمكن فى فن المزج بين الدين والثورة، حتى انهم منحوه لقب «فقيه التحرير».

 

   دخل القس فرناندو لوجو قصر الرئاسة حاكما للبلاد محمولا على شعبية فائقة وتفاؤل عظيم، فهو الرجل الذى حقق النصر على حزب فاسد مارس الاستبداد والقمع عشرات السنين وأذل اعناق الشعب. تفاءل المواطنون واستعدوا لمرحلة جديدة فى تاريخ الباراجواى يقودها رجل شريف ومتدين وثورى.

 

    لم يكمل رجل الدين فى حكم البلاد فترة رئاسية كاملة، إذ حدث فجأة أن ظهرت أربع سيدات زاعمات أنهن أنجبن أربعة أطفال ثمار علاقات قامت بينهن ورئيس الجمهورية عندما كان مسئولا عن إحدى أكبر أبراشيات العاصمة. وبطبيعة الحال هبت عاصفة سياسية واستدرج القضاء إلى حلبة السياسة وشنت المعارضة بكافة أجنحتها حملة إعلامية شرسة ضد الرئيس الطاهر والمتدين، ولم تتوقف عملية الحشد إلا عندما صدر قرار من البرلمان بخلع الرئيس القس وعين مكانه رئيس مؤقت إلى حين إجراء انتخابات جديدة.

 

      •••

 

 

   لم تقبل الدول المجاورة ان يصدر هذا التشريع البرلمانى غير الديمقراطى فى دولة التزمت الديمقراطية فى اطار منظمة مجموعة الميركوسور الاقليمية التى تضم عددا من دول جنوب القارة، فعلقت عضوية الباراجواى فى المجموعة ورفعت الأمر لمنظمة الدول الأمريكية ومقرها واشنطن لاتخاذ قرار مماثل بوقف عضوية باراجواى فى المنظمة الأكبر. هاجت الطبقة السياسية، وبخاصة قوى المعارضة فى باراجواى واعتبرت القرار الإقليمى اعتداء صارخا على سيادة الباراجواى. وما هى إلا أيام وكانت الانتفاضة ضد القرار تعم أنحاء البلاد كافة، وسادت الدهشة عواصم عديدة خارج القارة من درجة انفعال المواطنين. ما لم يدركه هؤلاء جميعا هو أن وراء هذا الانفعال والغضب رواية تاريخية  ذات مغزى، ولعلها، أى الرواية، أحد أسباب غموض ما يتردد عن «سرية باراجواى» أو الدولة اللغز.

 

•••

 

   قبل حوالى مائة وخمسين عاما، وبالتحديد فى عام 1865، كان يحكم الباراجواى رجل طموح أراد أن يبنى فيها قاعدة صناعية وينقلها من التخلف إلى التقدم. يبدو، وان كان المؤرخون لا يؤكدون، أنه ربما سمع عن تجربة محمد على فى مصر وراقب بدايات تجربة الميجى فى اليابان، فراح يستدعى مهندسين وعلماء من أوروبا أقاموا له مصنعا لصهر الحديد ووضعوا أساس واحدة من أولى شبكات السكة الحديد فى أمريكا الجنوبية وجيش يتأهل لصد غارات وطموحات امبراطور البرازيل، الدولة العظمى المتاخمة.

 

  مات الرئيس الطموح وحل محله ابنه المغرور بنفسه والمتهور غالبا والكاره بشدة للبرازيل إلى الحد الذى دفعه لإعلان الحرب عليها فور توليه الحكم رغم الفارق الشاسع بين البلدين فى كل شىء. للرد عليه شكلت إمبراطورية البرازيل «حلفا مثلثا» ضم الأرجنتين والأروجواى، وتوغلت جيوش الحلف فى باراجواى فى حرب استمرت حوالى خمس سنوات. قليلون فى العالم يعرفون ان هذه الحرب أودت بحياة 65٪ من سكان الباراجواى و80٪ من الذكور، كانت الهزيمة ساحقة وبخاصة حين فرضت قوات الاحتلال وقف التصنيع وتسريح الجيش ودفع تعويضات هائلة.

 

•••

 

   رفض الرئيس انطونيو لوبيز الابن الاستسلام مصرا على أنه وبلاده ضحية مؤامرة إقليمية، وانطلق يعتقل المواطنين ويعذبهم، حتى والدته وشقيقته لم تفلتا. وراح يعدم آلاف المواطنين مستخدما الحراب لتوفير الذخيرة. توقفت المصانع وتدهورت الحقول وانتشرت الأوبئة، ورغم ذلك قام بتجنيد الأطفال بعد ان أمرهم بتركيب لحى اصطناعية، وزودهم بعصى فى شكل بنادق وشن بهم معركة مع العدو قتل فيها 200 طفل. وهو اليوم الذى تحتفل به باراجواى إلى يومنا هذا «عيدا قوميا للطفولة».

 

     انسحب لوبيز بفلوله إلى أقصى شمال البلاد واستمر يحارب حتى يوم أسره. يقال إنه فى هذا اليوم هتف قبل إطلاق النار عليه صارخا بملء صوته «اليوم أموت مع وطنى». ولكن يسجل مؤرخون  أنه هتف «أموت من أجل وطنى».  تردد أيضا أنه صرح قبل أيام من مصرعه لرفاقه بأنه «سوف يدفن تحت جبال من الخزى والعار»،  ولكن يوما سيأتى «أنهض فيه من هاوية التشهير وأحتل مكانى الصحيح فى التاريخ».

 

•••

 

    منذ أن صدر قرار المجموعة الإقليمية ضد باراجواى قبل أيام عادت الأجراس فى أسونسيون العاصمة تدق نهارا وليلا، والشعب فى شوارعها وأزقتها يحمل صور المارشال لوبيز الذى حارب قبل مائة وخمسين عاما امبراطورية البرازيل وحليفتيها، وعاش حتى آخر يوم فى حياته معتقدا أنه وبلاده مستهدفان ليموتا معا. يموت الزعيم ويموت معه الشعب والوطن. فالتاريخ،  وبالذات تاريخ الأمريكتين، شاهد على أوطان ماتت وأمم اندثرت.

 

•••

 

تنبأ الزعيم بأنه عندما يموت سيموت معه الشعب والوطن. مات الزعيم.. ومات معظم الشعب، ولكن عاش الوطن.

جميل مطر كاتب ومحلل سياسي