الإثنين 24 سبتمبر 2018 2:55 ص القاهرة القاهرة 25.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

أى (إسلام) ورث الميادين؟

نشر فى : الأربعاء 4 يناير 2012 - 9:35 ص | آخر تحديث : الأربعاء 4 يناير 2012 - 9:35 ص

أخيرا: صار الشارع فى المدن العربية والبلدات والأرياف، للناس.. كل الناس، العمال البسطاء والمثقفين، أصحاب المهن والموظفين، أبناء البيوتات والرعاع، الأطباء والمهندسين والمحامين والذين على باب الله.

 

لم يعد الشارع للشرطة والفراغ المزدحم بالعابرين ومواكب السلطان.

 

فجأة صار الشارع مصدر القرار.

 

ولكن هؤلاء الذين نزلوا إليه، على حين غرة وبغير اتفاق مسبق، لم يكونوا يحلمون، بل كانوا يريدون التغيير مع نقص فى الثقة بأنهم قادرون على اتخاذ مثل هذا القرار وتنفيذه.

 

 فهم ليسوا واحدا، وليس اجتماعهم دليل اتفاق على ما بعد لقاء المصادفة. لا بد من أن يتعارفوا. لا بد من أن يناقض بعضهم بعضا لاكتشاف المشترك والمختلف عليه وحدود الاختلاف.. فلا هم يأتون من ماض سياسى واحد، ولا فى أذهانهم صورة محددة للخطوة التالية، والأخطر أن الوقت لم يتح لهم فرصة النقاش تمهيدا للاتفاق حول المستقبل. ثم إن البعض منهم يختزن تجربة طويلة كان لها منطلقها الفكرى وكان لها سياقها العملى فى مواجهة نظام السلطان، بالمهادنة والمواجهة، بالسجن والنفى والاسترضاء بالنيابة والمشاركة الهامشية.. فى حين أن البعض الآخر يأتى مثقلا بقراءاته وأحلامه للقفز إلى الذرى الديمقراطية بإرادة «الميدان» معززا بإسناد الديمقراطيات الكونية بزعامة الإدارة الأمريكية.

 

من قبل، وفى الماضى القريب، كانوا ينزلون إلى الشارع بالعاطفة، مرة، وبالأمر مرة ثانية: تنزلهم فلسطين فى تظاهرة غضب على تقاعس أنظمة السلاطين وجبنها وعجزها عن مواجهة الاجتياحات الإسرائيلية التى تخطت القدس والضفة والقطاع إلى عواصمهم ذاتها، بل وإلى ما خلف العواصم وفوق الدولة..

 

أما المرة الثانية فحين ينزلهم السلطان فى تظاهرة تأييد له ضد «الآخرين»، دولا أو أنظمة متآمرة، أو جهات مشبوهة ربما كانوا «هم» تلك الجهات، فيها أو معها، فى ذهن السلطان!

 

●●●

 

إلى أين من هنا؟!

 

ذلك كان السؤال المفجر، بعد أن افتدى النظام نفسه برأسه!

 

أما أهل النظام فقد صادروا الميدان: ها قد نجحتم فأسقطتم الطاغية! مبروك! أنجزتم مهمتكم المباركة، فارتاحوا ودعونا نستنقذ الدولة! الدولة ضرورة حياة بل هى مصدر الحياة. سنحمى نحن الدولة، واذهبوا فاتفقوا على نظامكم العتيد!

 

أفرغ الشارع من أهله فى العديد من العواصم العربية، فاحتله الجدل:

 

فى ثلاث من أربع دول عربية نجحت فيها انتفاضة «الميدان» فى إسقاط النظام، ضاع «النصر» وسط الزحام، وحل محله القلق والضياع وعدم وضوح صورة النظام البديل، وبالتالى افتقاد القدرة على إقامته بالسرعة المطلوبة وبالحزم الضرورى. 

 

وحدها تونس تبدو وكأنها تخطت المأزق مؤقتا ربما لأن نظام بن على قد اختار أن يخرج إلى ثروته، خصوصا بعد ما  خذله الجيش الذى تبدى أن «قيادته» الفعلية كانت فى «الخارج» أكثر مما كانت فى قصر قرطاج.

 

ثم إن «ورثة» بن على الذين عادوا من المنافى البعيدة كانوا قد وجدوا الوقت لتنظيم صفوفهم فى ظل رعاية لم تتأخر فى الإعلان عن ذاتها، ولا هم ترددوا فى الإعلان عن برنامجهم من قلب واشنطن، مقدمين نسخة معدلة من برنامج الإخوان المسلمين فى طبعة غربية منقحة ومزيدة، تطمئن باريس أولا ومن خلفها الغرب كله، عبر تركيا أردوغان وقطر الشيخ حمد وبركاته المؤكدة بالحقائب السمينة!

 

ولعل مما ساعد النظام الجديد على الخروج إلى النور، بهدوء نسبى، أن تونس «دولة هامشية»، وان نظام بورقيبة قد نجح فى ابتداع «خلطة» مدنية ترضى المزاج الغربى من دون أن تشكل خروجا على أصول الإسلام.

 

هذا فضلا عن أن نظام بن على قد سقط بسرعة قياسية وقبل أن تتفكك المؤسسات أو تنهار، وظل الجيش حارسا للانتظام العام، وهكذا بقيت «الدولة» حاضرة، وأمكن إنجاز انتخابات النظام الجديد بالحرس القديم ذاته مع تبديل فى «الرءوس» مشفوعا بتعهدات صارمة بان تبقى تونس ما كانته، وان تستمر «السياحة» المصدر الأول والاهم للدخل القومى برضا أهل الشرع والقيمين على الدين الحنيف، وقد غدوا الآن فى مركز القرار.

 

بالمقابل فإن محاولة استنقاذ «النظام» بإسقاط رأسه قد تكررت فى مصر، فتمت إزاحة حسنى مبارك، بأقل الخسائر الممكنة، ثم فتح الباب أمام استنزاف «الميدان» بمسلسل من التدابير الهادفة إلى إرجاء «القرار» فى انتظار أن تستعد القوى المؤهلة لقيادة المرحلة الانتقالية... لخوض الانتخابات!

 

أثيرت قضايا شائكة بغير حصر، وطال الجدل حول دور الجيش وعلاقة الجيش بالميدان، والدستور وهل يكون اولا أو تسبقه انتخابات مجلس الشعب والشورى وانتخابات الرئاسة، بل إن الدستور ذاته صار موضع حوار طرشان. وتاهت الحكومات البِلا صلاحيات فى غمار الجدل. أسقط رأس الأولى وجىء برأس مستعار، ثم بثالث مستعاد من الماضى.

 

فى هذه الأثناء، وبرعاية واضحة من الجيش، كان «الميدان» ينقسم:

 

«ميدان الإيمان» ممثلا بالإخوان المسلمين وعلى يمينهم السلفيون و«ميدان الآخرين» الذين يصعب توحيدهم على برنامج لسلطة لا تزال «ممسوكة» ممن لا يرغبون بتسليمها إلى من لا يعرفون أو ــ بالتحديد ــ إلى من لا يثقون بقدراتهم فضلا عن توجهاتهم المتناقضة، سياسيا وفكريا واجتماعيا.

 

هكذا، وببساطة، انتقل الجيش من موقع البديل المؤقت والحكم فى انتظار كلمة الشعب حول النظام الذى يريد إلى مقرر فى شأن «خليفته» فى قيادة البلاد، وبالتالى إلى قوة دعم علنية لتيار بالذات، كان يعرف أنه الوحيد المؤهل لجنى ثمار الانتخابات، لأنه ينفرد بعراقة وجوده ثم أنه منظم جيدا وصاحب الخبرة الطويلة سياسيا وكل ذلك بين الكفاءات التى مكنته من الاستمرار على قيد الحياة، برغم الحروب المنظمة ضده، على اختلاف العهود.

 

أما فى ليبيا حيث كانت «الكتائب المسلحة» هى جيش السلطان وأولاده فقد تعذر استخدام الجيش كقيادة عبور إلى التغيير، تحمى «النظام» بخلع رأسه لتبرر دوامه... وهكذا كان لا بد من حل بديل يستنقذ الانتفاضة الشعبية المهددة من داخلها بقدر ما هى موضع هجوم صاعق بالنار من خارجها، كاد يصل إلى منطلقها فى بنغازى قبل أن توحد صفوفها.

 

وحين تورطت الانتفاضة فى لعبة الاستعراض العسكرى كان طبيعيا أن تتفجر مسألة القيادة ولمن تكون: لطلائع الثوار من أهل البيضاء وفيهم البراعصة الذين لهم ثأر قديم على ثورة القذافى لأنه أسقط سلطتهم ( الملك إدريس) ام لبنغازى عاصمة الشرق؟..

 

كان لا بد من إنقاذ سريع لا يتوفر فى الداخل، ولا فى المحيط.. وهكذا تبرعت جامعة الدول العربية بالفتوى، فكان اللجوء إلى مجلس الأمن، ولكل من دوله «ثأر بايت» على القذافى، وكان تفويض الحلف الأطلسى بأن ينجز المهمة، ولا يهم أن يصل أعداد الضحايا إلى أكثر من ستين ألفا، وأن تدمر المطارات وفيها الطائرات الحربية الحديثة والثكنات وقواعد الصواريخ وطوابير الدبابات والمدفعية الثقيلة.

 

لا بأس غدا يشترى النفط سلاحا أكثر حداثة وأعظم فاعلية، فالغرب جاهز الآن لان يحل محل الاتحاد السوفييتى ومعسكره الذى اختفى من الوجود.

 

لمن القيادة الآن؟! للمجلس الانتقالى ام للحكومة المؤقتة ام لمجلس زعماء القبائل؟ وأين موقع الإسلاميين؟! ثم أين نذهب بثوار مصراته الذين ينسبون لأنفسهم حسم المعركة عبر الاستيلاء على سرت، بعد مقاومة شرسة امتدت لأسابيع وانتهت بمصرع الطاغية فى ظروف ملتبسة وبطريقة مستنكرة؟. وأين الإسلاميون الذين قفزوا، فجأة إلى المسرح وبعضهم آت من «القاعدة» عبر واشنطن، وبعضهم الآخر من لندن، وبعضهم الثالث جاء من الدوحة التى باتت مركزا كونيا لحضانة الثورات ورعايتها بالمال والسلاح والفضائية الأقوى من حزب.

 

●●●

 

هكذا نجد أنفسنا أمام أصناف من التشكيلات الإسلامية، بعضها يأتى من ماضى الاضطهاد بعد عبور «المطهر» الأمريكى، وبعضها الآخر، السلفى، وهو مستجد ويأتى من الماضى ومن قبل أن يصير «الإسلام» رسالة الإيمان الموجهة إلى الناس كافة.

 

وفى ظل الشعار الدينى تزداد معركة التغيير صعوبة وتعقيدا، لا سيما فى المشرق العربى التى تعذر على امتداد ألف سنة أو يزيد أن تمحى الذكريات أو تطمس الصفحات السوداء حاملة للوقائع الدموية الخطيرة التى كادت تذهب بالدين وهو فى فجره بعد.. فوقائع الاقتتال فى موقعة الجمل ثم فى صفين والمذبحة، من بعد، فى كربلاء لا تزال طرية، والأرض ما زالت تحمل الشهادات والسجلات الناطقة التى تستعصى على النسيان.

 

من هنا يتشعب الحديث عن سوريا ومستقبل النظام فيها وينحدر فجأة إلى مخاطر الحرب الأهلية ذات الشعار الطائفى الصريح، والتى ستكون إذا ما تم تفجيرها مذبحة هائلة تمتد لتشمل المشرق العربى جميعا، العراق ولبنان إضافة إلى سوريا، مع الارتدادات المتوقعة والتى يمكن أن تجد لها أصداء قوية فى البحرين وفى اليمن، وربما لامست المملكة العائمة على الذهب الأسود ومعها الكيانات الصغيرة القائمة على آبار النفط والغاز.

 

ومعروف أن جراح لبنان لما تلتئم بعد، بعد أن عاش أو فرضت عليه وعلى شعب فلسطين ومقاومته المسلحة معاهدات الصلح المنفرد مع العدو الإسرائيلى أن يعيشا دهرا من الحرب الأهلية متعددة الشعارات والجبهات والأهداف.

 

وها إن العراق المثخن بالجراح الآن يحتفل بالجلاء الطوعى لقوات الاحتلال الاميركى التى اجتاحه فى ربيع العام 2003، فلم يقاتله الطاغية كما ينبغى أن يقاتل، لأنه كان قد استهلك قدرات شعبه فى حروب عبثية، مرات خارج حدوده، ومرات أكثر داخل حدوده وضد شعبه بالذات.

 

لكن عراق ما بعد الاحتلال لم يعرف قيادة وطنية جامعة تعيد توحيد شعبه الذى اغرق فى مسلسل من الفتن التى ضربت وحدته الوطنية.

 

يمكن القول باختصار: إن الاحتلال الذى ورث الطغيان قد أورث العراق للفتنة الأهلية...

 

●●●

 

السؤال: أى إسلام هو المؤهل والقادر على بناء المستقبل العربى فى مختلف ديار هذه الأمة، التى تعيش فى قلب الخوف بينما انتفاضتها تملأ الميادين وتسقط الرؤساء، فى حين تجدد أنظمة الماضى ذاتها بالشعار ذى الوهج الدينى مستحضرة مخاطر حروب أهلية لا تنتهى.

 

اللهم إذا استعاد الميدان جماهيره ومشى إلى التغيير وبرنامجه فى يده، لا تشغله عنه أية مساومة مع الماضى.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات