الجمعة 15 ديسمبر 2017 7:59 م القاهرة القاهرة 19.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

الاشتراطات الأساسية لدخول الاستثمارات الأجنبية المباشرة

نشر فى : الإثنين 4 ديسمبر 2017 - 10:15 م | آخر تحديث : الإثنين 4 ديسمبر 2017 - 10:15 م
بعد أن تم إصدار قانون الاستثمار (القانون رقم 72 لسنة 2017) ثم إصدار اللائحة التنفيذية للقانون بمقتضى قرار رئيس الوزراء (رقم 2310 لسنة 2017)، صار يراودنا سؤال ويخالجنا شك عميق. وإن السؤال الذى يراودنا، والشك الذى يخالجنا، يدوران حول مدى مراوغ يلخصه الإشكال المتعلق بإمكان ومدى تدفق الاستثمار الخاص المباشر من الخارج، من أجل المساهمة الفعالة فى عملية التنمية الشاملة.

فى هذا المقام، يمكن تعريف «الاستثمارات الأجنبية الخاصة المباشرة» ــ تعريفا إجرائيا معينا ــ بأنها تمثل رءوس الأموال المتحركة من أطراف القطاع الخاص الخارجية، فى صورة مساهمات كلية أو مساهمات جزئية، بحد أدنى معين، فى رأس المال السهمى لشركات أو مشروعات إنتاجية فى بلاد أخرى، سلعية كانت أو خدمية، وبحيث تكون هذه الشركات أو المشروعات مملوكة كليا أو جزئيا للشريك الأجنبى. 

ويتميز الاستثمار المباشر، بهذا المعنى، عن الاستثمار غير المباشر والذى يطلق عليه «استثمارات الحوافظ المالية» ومكانها البورصات وأسواق المال، سواء فى «سوق الإصدار» أو «سوق التداول» لأنصبة متفاوتة من رءوس أموال الشركات محل التعامل، بهدف تحقيق العائد المالى من خلال تدوير رأس المال، ولو من خلال المضاربات، محليا وعالميا، فيما يطلق عليه رأس المال الطائر أو الهائم. 

بهذا المعنى يعتبر الاستثمار الأجنبى الخاص المباشر، بالذات، ناقلا قويا لكل من رأس المال والتكنولوجيا، ومشاركا مفتَرَضا فى بناء القدرات الإنتاجية للبلاد التى يدخل إليها، وإن كان ذلك بدرجات وأشكال متباينة تباينا شديدا. 

فلماذا تأتى الاستثمارات، أو لا تأتى، إلى بلد معين أو منطقة ما؟ بعبارة أخرى، ما الشروط التى تحكم عملية تدفق الاستثمارات الأجنبية الخاصة المباشرة، وخاصة بالتطبيق على جمهورية مصر العربية؟ 

***
للإجابة على هذا السؤال، نجد ــ من وجهة نظرنا ــ أربع مجموعات من الشروط:
المجموعة الأولى شروط استراتيجية ــ سياسية: إن الاستثمارات الخاصة المملوكة للشركات عابرة الجنسيات أو غيرها، ترتبط عموما بالاتجاهات الأساسية للدول التى تنتمى إليها، من حيث نظرتها إلى «المصلحة القومية» فى مرحلة ما وفى منطقة ما من العالم. بهذا المعنى مثلا، تدفقت الاستثمارات الأمريكية والغربية بكثافة إلى «جمهورية الصين الشعبية»، الصين الأم، منذ الثمانينيات من القرن المنصرم، وإلى عدد من بلدان شرق آسيا منذ السبعينيات. وقبل ذلك، تدفقت الاستثمارات إلى اليابان منذ الخمسينيات، اتساقا مع الاتجاه الاستراتيجى الحاكم للسياسات الأمريكية والغربية الهادفة إلى محاصرة النفوذ السوفيتى (والصينى قبل الثمانينيات) ولاحتواء احتمالات نهوض الحركة الوطنية ذات الأفق الاشتراكى والمعادية للأمريكيين، وذلك بدعوى «محاصرة الشيوعية». أما فى المنطقة العربية وخاصة بالنسبة لمصر، فإن هناك قرارا استراتيجيا، أو ما يشبه ذلك، لدى الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية السائرة فى فلكها، بعدم السماح بظهور قوة عربية كبرى تشكل تهديدا جديا لإسرائيل، وجودا وحدودا. 

أما المجموعة الثانية من الشروط: فهى تتعلق بما يسمى بالمناخ الاستثمارى أو البيئة الاستثمارية الكلية فى البلد المستقبِل للاستثمارات الخارجية.

ويتعلق ذلك بمدى سهولة أداء الأعمال « Doing Business» وفق تعريف البنك الدولى، من حيث إمكانية الدخول السهل لإقامة المشروعات، وتحقيق وتحويل الأرباح، بدءا من الموافقات والتراخيص والحصول على الأراضى والمرافق اللازمة، وتوفر البنية الأساسية وخاصة فى مجال الطاقة والنقل والمواصلات والاتصالات الحديثة. وقد تمت الإشارة بالفعل إلى كل ذلك فى قانون الاستثمار ولائحته التنفيذية الأخيرة.

أما المجموعة الثالثة من الشروط: فهى الشروط الاقتصادية، وتتعلق بعوامل العرض والطلب. فأما العرض فيتحصل فى القدرة على الوصول إلى مدخلات الإنتاج من السلع الوسيطة والمستلزمات، والمواد الخام، والسلع الرأسمالية ممثلة فى الآلات والمعدات الإنتاجية، بالإضافة إلى توفر قوة العمل المدربة والمؤهلة مهنيا ومهاريا بالمواصفات العصرية، ومزودة بأخلاقيات وثقافة العمل ولو فى حدودها الضرورية، وكذا الأجور المناسبة من وجهة نظر المستثمر الأجنبى.

ومن الملاحظ تردد المستثمر الأجنبى الراغب فى إقامة مشروعات إنتاجية كبيرة فى حالة الاقتصادات التى تخيم عليها سحب الركود والتأخر التكنولوجى النسبى، نظرا لعدم القدرة على تشكيل الظهير المحلى القوى المساند للشريك الأجنبى الجاد، إنْ وُجِد. 

ودع عنك، بعد كل ما سبق، أن قوة العمالة المصرية تأثرت سلبا عبر العقود الأخيرة من جراء تدهور منظومة التعليم العام والجامعى، والتعليم التقنى والتدريب المهنى، مع هجرة بعض من أكثر الأقسام تأهيلا للعمل فى الخارج، مما أفقد السوق المحلية جزءا من ميزة التمتع بقوة العمل المطلوبة للمشروعات الجديدة فى مختلف القطاعات. 

أما عن عوامل الطلب فإنها تتصل بطبيعة الأسواق، حجما وتركيبا. وهنا نلاحظ أن المشروعات الإنتاجية إما أن تنتج للسوق المحلية أو للتصدير؛ فإذا نظرت إلى السوق المحلية فإن السوق المصرية (سوق أسعار) وليست (سوق جودة ونوعية)، ولذلك يتردد المستثمر الأجنبى فى الدفع برأسماله وما يملك من تكنولوجيا فى سوق تنظر للسعر قبل الجودة، ومن جهة ثانية فإن حجم السوق لا يقاس فى حقيقته بمجرد عدد السكان، ولكن أساسا بمستوى «متوسط نصيب الفرد من الدخل القومى».. فحيثما يكون متوسط الدخل مرتفعا، يفترض أن تكون القدرات الشرائية للمستهلكين عالية بما يحفز على توسع الطلب كقوة دافعة للإنتاج. وهنا ــ مرة أخرى ــ نجد أن السوق المصرية قد لا تكون جاذبة للعديد من المستثمرين من زاوية قوى الطلب، وسبق أن رأينا أمرا مشابها من حيث قوى العرض.

أما المجموعة الرابعة من الشروط، فإنها تتصل بما دلت عليه التجارب والخبرات الدولية الموثقة، من أن الاستثمار الأجنبى المباشر لا يأتى إلى البلدان «المحتاجة إليه» أو «الراغبة فيه» بالضرورة، ولكن إلى البلدان «القادرة عليه» بالفعل، إذا صح هذا التعبير. أو أن الاستثمار لا يأتى عموما، وبشكل موسع ومعمق، إذا كان الاقتصاد دون الحد الأدنى من القوة النسبية، بالمعايير العصرية.

بعبارة أخرى، إن الاستثمارات الأجنبية لا تفضل القدوم إلى بلد معين بوتيرة مرتفعة، إلا إذا ضمنت وجود استثمارات محلية مسانِدة قوية، من خلال قطاع للأعمال، عام وخاص، قادر على المشاركة الفعالة فى النشاط الإنتاجى.

***

خلاصة الأمر، أن مسألة قدوم الاستثمار الأجنبى إلى مصر ليست بالسهولة التى يتصورها البعض، وأن من الضرورى مواجهة جذور المشكلات التى أشرنا إليها فيما يتعلق بالشروط الأربعة السابقة، قبل التطوع بتقديم حوافز من كل نوع، بدءا من التيسيرات والإعفاءات الضريبية ــ المشروطة على كل حال بالعمل فى مناطق معينة فى البلاد ــ مرورا بتعديل تشريع «التراخيص الصناعية» لتسهيل الحصول عليها فى وقت قياسى، وانتهاء بما يسمى «الشباك الواحد»..إلخ، ولو تم كل ذلك وفق قانون «تساهلى» ولائحة «متقنة».

لا بد إذن من إعادة بناء الشرط السياسى ــ الاستراتيجى فى ظروف جديدة، والمزيد من تحسين ما يسمى بمعايير «أداء الأعمال»، ومواجهة القيود المعيقة من باطن ظروف العرض والطلب بمعناها الواسع، وأخيرا: انتهاج سياسات اقتصادية قادرة على تحقيق التعافى بتجاوز مزيج الركود والتضخم حاليا، أو «الركود التضخمى» الراهن، فى مدى زمنى مناسب. 
فهل نفعلها حقا..؟
محمد عبدالشفيع عيسى  استاذ في معهد التخطيط القومي _القاهرة
التعليقات