الإثنين 15 أكتوبر 2018 4:05 م القاهرة القاهرة 30.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع عودة رحلات الطيران الروسي إلى مطاري شرم الشيخ والغردقة قريباً؟

ما بعد القرارات الاقتصادية الأخيرة.. محاولة للتفكير الهادئ

نشر فى : الإثنين 7 نوفمبر 2016 - 10:30 م | آخر تحديث : الإثنين 7 نوفمبر 2016 - 10:30 م
على الرغم من التصريحات والتلميحات التى سبقتها، فإن حزمة القرارات الاقتصادية الصادرة الأسبوع الماضى وقعت على الناس وقع الصاعقة، ربما لأنها فاقت التوقعات حجما وعمقا، أو لأنها ترجمت حجم التدهور الذى أصاب الاقتصاد القومى خلال السنوات الماضية، وعبرت عن واقع اقتصادى جديد علينا جميعا أن نتعامل معه، كل من موقعه ووفقا لظروفه، ولهذا حديث آخر.

سؤالان ترددا كثيرا خلال الأيام الماضية: هل كانت هذه القرارات حتمية وضرورية كما أكدت الحكومة؟ أم كانت هناك بدائل مختلفة للتعامل مع الأزمة الراهنة أقل قسوة على محدودى ومتوسطى الدخل؟ فى تقديرى أن الإجابة عن السؤالين تحتاج إلى التفرقة بين ما كان ممكنا فى اللحظة الراهنة، وما كان متاحا من قبل، وما ينبغى عمله مستقبلا.

بالنسبة لقرار تحرير (أو بالأحرى توحيد) سعر الصرف، فقد كان ضروريا فى اللحظة الراهنة لأن استمرار وجود سعرين للعملة مع اتساع الفارق بينهما كان وضعا مدمرا للاقتصاد، إذ تسبب فى زيادة غير مبررة للأسعار، وشلل فى الاستثمار، وعجز المصانع عن استيراد احتياجاتها من المواد الخام والمعدات وقطع الغيار، وتراجع الإنتاج، وبدء تسريح العمالة، واتجاه القطاع المنزلى إلى المضاربة على الدولار. هذا وضع خطير وما كان يمكن له أن يستمر، بل إن كان لوم يقع على الدولة فهو بسبب تأخرها فى التعامل معه. واستمرار الوضع السابق لم يكن فى مصلحة أصحاب الأعمال والشركات، ولا مصلحة الطبقة الوسطى ولا العمال ولا الفلاحين ولا الفقراء، لأن حالة الفوضى فى الأسعار كانت ضارة بالجميع. وأخيرا فإن توحيد سعر الصرف عند مستواه الحقيقى لم يكن ــ بلغة القانون ــ إجراء منشئا بل كاشفا، بمعنى أنه لم يتسبب بذاته فى ارتفاع الأسعار، بل عبر عن الانخفاض الحقيقى الذى أصاب سعر عملتنا الوطنية وترجم بشكل رسمى واقعنا الاقتصادى.

وأما عن زيادة سعر الطاقة، فأمرها مختلف، لأنه وإن كان عبء دعم الطاقة على الموازنة العامة ثقيلا ومعروفا، وبلا شك بحاجة لتخفيض حاسم، فإن الخيارات هنا كانت ولا تزال متعددة. بمعنى آخر فإن كانت زيادة سعر الطاقة حتمية وضرورية، إلا ان توقيت تطبيقها، وحجم الزيادة، وتوزيعها بين أنواع الوقود، كلها اختيارات بيد الحكومة. كذلك فإن الحكومة بيدها أن تتخذ من الإجراءات ما يحقق قدرا من التوازن والعدالة فى توزيع العبء الناجم عنها بالتدخل لمساندة الأنشطة الزراعية والصناعية وخدمات النقل العام المتأثرة بتلك الزيادة بما يحقق قدرا من الحماية لأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة ويحد من الارتفاعات المتوقعة فى الأسعار.
وأخيرا فإن وسائل الإعلام تتناقل هذه الأيام أخبارا عن التفكير فى زيادات أخرى لأسعار بعض السلع والخدمات لا أعلم حتى لحظة كتابة هذه السطور مصيرها، وعلى رأسها النقل العام والمترو. وهذه زيادات غير مطلوبة الآن على الإطلاق. هناك اتجاه فى التفكير الاقتصادى ينادى بضرورة اتخاذ الإجراءات القاسية دفعة واحدة حتى «نفوق ونخلص». ولكن هذا التطرّف فى الدفع بكل زيادات الأسعار مرة واحدة يتجاهل أننا نتعامل مع ناس حقيقيين ومصروفات فعلية وواقع يعيشه الناس وليس مجرد معادلات وإحصاءات، وبالتالى فلا مانع من التدرج فى تصحيح الأسعار والتعاون مع الناس وتهيئتها لذلك والتأكد من اتخاذ الإجراءات الحمائية المناسبة.
نحن إذن لسنا أمام قرار واحد حتمى وضرورى كان ينبغى اتخاذه أو يأتى الطوفان، بل أمام مجموعة من القرارات بعضها ــ فى رأيى الخاص ــ كان يلزم الإسراع باتخاذه فورا والبعض الآخر كان يلزم الاستعداد لآثاره بأكثر مما هو حاصل بالفعل.

ولكن الواقع الذى يجب أن يتذكره من يدافعون عن القرارات الأخيرة ومن يعترضون عليها أن هذا الوضع كله لم يكن حتميا، بل جاء نتيجة سياسات اقتصادية محددة تبنتها الدولة خلال العامين الماضيين، دفعت إلى زيادة عجز الموازنة والدين العام إلى مستويات خطيرة، ونضوب الاحتياطى النقدى، وتراجع معدلات الاستثمار والإنتاجية والتصدير. هذه هى المشكلة الأصلية التى ندفع ثمنها اليوم ارتفاعا فى الأسعار وتراجعا فى قيمة العملة الوطنية وندرة فى فرص العمل. ومرة أخرى فان الغرض من هذا التعليق ليس مجرد الانتقاد ولا إثبات خطأ أو صحة مواقف سابقة ولا الجدل النظرى، بل التذكرة بأصل الأزمة وأسبابها كى نتجاوزها ولا نقع فيها مرة أخرى، وكى لا نصب كل غضبنا على إجراءات تسعى لمعالجة الآثار ونتجاهل أصل الموضوع. ومن هذا المنطلق فيلزم مراجعة أولويات الإنفاق الحكومى وبخاصة المشروعات القومية العملاقة، وضوابط تدخل الدولة فى النشاط الاقتصادى، والإصلاح المطلوب لمناخ الاستثمار بعيدا عن الإعفاءات والاستثناءات، والسياسة الضريبية للحد من التهرب، والإصلاح السياسى الذى بدونه لن ينصلح الأداء الاقتصادى.

الغريب أن هناك من يقيسون مدى نجاح القرارات الأخيرة بمعيار واحد هو أن الشعب قبلها ولم يثر عليها ولا ينوى القيام بذلك فى ١١/١١. وهذا غريب لأن دلالته ليست صحة السياسة الاقتصادية بل صبر الناس ورغبتهم فى الخروج من الأزمة بأى شكل واستعدادهم لتحمل المزيد من أجل الاستقرار والتنمية. وهذا بالتأكيد لا يعنى الاستمرار فى ذات السياسات التى دفعتنا إلى الوضع الراهن، بل احترام هذا الصبر وهذه التضحيات واتباع سياسات مختلفة يشارك الشعب والبرلمان والمجتمع فى تحديدها.
زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.