الأربعاء 16 يناير 2019 11:15 ص القاهرة القاهرة 14°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في صفقة انضمام حسين الشحات للأهلي؟

حوار الخير والشر

نشر فى : الثلاثاء 8 يناير 2019 - 11:40 م | آخر تحديث : الثلاثاء 8 يناير 2019 - 11:40 م

بينهما لم يوجد ما صنع الحداد ولا ما صنع النجار. عندى تعرفت الواحدة على الأخرى. عرفتهما تعشقان الحوار فى كل درجاته الحرارية، وبخاصة أسخنه. تختار كل منهما فى الحوار الجانب فى القضية الذى يناسب طبيعتها وميولها وتجاربها الشخصية. تستمعان باهتمام لآراء المستمعين والمشاهدين وفى ردودهما لا تنفعلان. لا تطلبان من الحضور أكثر من احترام الخصوصيات، خصوصيات الضيوف وخصوصيات الغائبين وخصوصيات طرفى الحوار. أما أنا فمطلوب منى أن أكون موجودا وإن قبلت أدرت الحوار حسب فهمى لوظيفة إدارة الحوار. أفهمها على النحو التالى: تقديم القضية محل الحوار، التنبيه إلى تجاوز الوقت، قمع المتطرف والجاهل من طالبى المشاركة بسؤال أو تعليق، تبريد الغرفة إن ارتفعت حرارتها تعاطفا أو غضبا وتدفئتها إن تجمدت سكونا أو برودة.
عالم البشر ملآن بأهل الخير وأهل الشر. انشغلت شخصيا فى أوقات متفرقة من حياتى بالبحث عن مصادر الخير والشر فى حياة البشر. حدث ذات مرحلة من مراحل عديدة فى مسيرة النضوج العقلى أن انخرطت فى فصل أطل منه أو بعده على الفلسفة. تعلمت فيه الشىء البسيط، فالفلسفة حقل لا أول له ولا آخر وحصاده من نوع كنوز لا تشبع ولا تفنى. أذكر أننى قبل أن أنضم إلى فصل الفلسفة ذهبت إلى المعلم وكان مهاجرا من أصل رومانى لأطلب الانضمام. سألنى عن دوافعى وقد تجاوزت فى نظره سن الطالب العادى. أجبته أننى وقد قررت التوسع ثم التعمق فى دراسة العلاقات الدولية لم أجد مناصا من التعرف أولا على مصادر كل هذا الشر الذى يخيم على علاقات الناس بعضها بالبعض الآخر وعلاقات الدول والحروب الناشبة فيها وفيما بينها. أرشدنى أهل الخير، هكذا أضفت، إلى حقل الفلسفة فالنبع فيه كما يقولون لا ينضب ولن أندم. أيها المعلم، ها أنا أمامك وطلب انضمامى فوق مكتبك ينتظر توقيعك بالموافقة. أجلسنى وانطلق يسأل بعد أن وضع بين يدى نوعا من وعاء راح يفرغ فيه شرابا فى لون القهوة ودفئها.
بعد ساعة تحولت خلالها من طالب علم إلى كتاب مفتوح. سكت معلم الفلسفة. دام السكوت طويلا، ربما أطول من دقيقة، وعيناه لا تفارقان وجهى وأصابعه تداعب لحيته الأنيقة وخصلة من شعر رأسه لم تتوقف عن التراقص. أخيرا خرجت الكلمات فى حروف ناعمة ولكن بنبرة فيها حسم وعزم. إذهب فأنت منضم ولو بعد حين وبشرط. عد بعد شهرين وفى يدك بحث من ثلاثين صفحة عنوانه الطبيعة البشرية فى المسيحية والإسلام، تعرض خلاصاته على زملائك فى الفصل ونقرر معا فى نهاية المناقشة شكل انضمامك والدرجة التى يستحقها البحث ومستقبل علاقتك بحقل الفلسفة.
أطلت فى تقديم موضوع حوار الليلة ولكن بغرض. أردت التأكيد على حقيقة أن للموضوع مكانة متقدمة منذ القدم فى علوم الفلسفة والأديان، وأن الأجيال لا تزال تتحاور حول إن كان الأصل فى سلوكيات البشر الخير أم الشر. نولد بطبيعتنا والشر معنا أم نولد أحرارا منه ولكنه يقف مع الخير فى انتظارنا ليبدآ معا صراعا لا ينتهى إلا مع نهايتنا. أعرف عنك يا وفاء اعتقادك أن الشر طبيعة من طبائع البشر، وأعرف عنك يا رفاء اعتقادك أن الخير والشر خياران تصنعهما تجربة حياة. خياران يتناوبان على عقل الإنسان وغرائزه وعواطفه لحظة اتخاذ قرار ليختار بينهما بمطلق إرادته الحرة.
***
بدأت وفاء. «أشكر للسيد مدير الحوار إعطائى فرصة أن أكون أولى المتحدثتين ففى تقديمه هذه الجولة من الحوار قدمنى قبل أن يقدم غريمتى. فهمت من بادرته أنه فضلنى عليها واختارنى لأفتتح الحوار. لن أعود، كما عاد مدير الحوار إلى الماضى البعيد لأنقب فيه عن نقطة البدء فى علاقتى بالموضوع، وأقصد به الشر كطبيعة بشر. المدير راح بعيدا فى جانب من سيرته الذاتية لأنه يكبرنى بعقود عديدة وكان لا بد أن يستذكر فى حديثه سنوات شبابه عندما عاد إلى الجامعة ليستزيد علما. أنا لم أكن فى حاجة لأستاذ فلسفة يكلفنى ببحث حتى أتعلم من البحث حكاية أصل الشر عند الإنسان. كان يكفينى وأنا لم أبلغ بعد الخامسة عشر من عمرى، أى قبل سنوات قليلة، أن أراقب ابن اختى البالغ من العمر وقتها ثلاث سنوات وهو يكشف عن شر متأصل فيه ويأتى أفعالا لم يشاهد أحدا من عائلته يمارسها أمامه.
أنا نفسى. أسمعهم فى البيت الذى نشأت فيه يتندرون بسيرتى فى مرحلة الطفولة. أمى كانت تحكى عنى كيف كنت أؤلف حكايات وهمية يظهر فيها شقيقى الأكبر بعامين طفلا شريرا يعذب شقيقته «الوديعة» كلما غابت أمهما خارج البيت. سمعتهم يتحدثون عن قدراتى وأفكارى التخريبية، عن صحون تتكسر ومفارش مائدة تجر جرا بما عليها وبدون سبب واضح لأهل البيت والخدم وعن دمى تفقأ عيونها وتمزق ثيابها، عن صراخ بدون دموع أو جوع وسلوكيات لاحظوها واستمروا يراقبونها سنوات أمام دهشة الأطباء وعجزهم».
***
تطلعت رفاء ناحيتى وأشارت بأصبعها فأومأت برأسى. قالت «عزيزتى وفاء، اسمحى لى بالمقاطعة وقد استأذنت من المدير فى الكلام فأذن. أولا أهنئك على صراحتك. لا يا آنسة وفاء أنت لست ــ كما تلمحين، نموذجا لإنسان تؤكد بعض تصرفاته الزعم بأن بنى البشر يولدون ومع كل منهم نصيبه من الشر، إن صح التعبير. لا يجوز أن نترجم الرمزية فى قصة حواء وآدم حقيقة مقدسة فى فهمنا للطبيعة البشرية. لا يجوز أن نقنع أنفسنا بأن إقدامنا على الاعتراف بالذنب مبرر كاف لأن نحمل على أكتافنا وداخل قلوبنا وعقولنا طول حياتنا الاقتناع بأن الشر صار من طبيعتنا منذ أن لبى الإنسان الأول غواية الحية وقضم التفاحة.
أبدأ معك من حيث انتهيت. طفلة تخرب وتدمر وتكره ليست دليلا كافيا وضروريا لاقتنع بأنها فى الأصل شريرة. أكاد أجزم أن هذه الطفلة إما أنها كانت شاهدة بعد ولادتها على ممارسات عنف أو كره تبنتها هى نفسها أو أنها، وكما يقول علماء نفس الأجنة، تسرب إليها وهى جنين فى بطن أمها، مؤثرات أثرت فى الأم الحامل وفى الجنين الذى يتكون فى رحمها.
***
بحماسة معهودة فيها تدخلت وفاء قائلة: «أشكرك يا سيدى على إتاحة الفرصة للرد على رفاء. نعم، لا داعى للاقتراب من الأسطورة. دعينا نتحدث معا عن الحال الراهنة. سمعت منذ أيام رجلا يردد اتهام السوشيال ميديا بأنها وراء اغلب مشكلات البشر الحالية. يقول الرجل: «أنا لست أنا، أنا أكتب لبشر لا آراهم ولا يروننى. أوقع على ما أكتب باسم مستعار. أكتب كذبا. استخدم فيما أكتب كلمات عنيفة. صرت أشد ميلا لرصد التطورات السيئة. أعتقد أنه مرت علينا سنين عديدة لم أكتب خلالها عن إنسان أو مجتمع أو مجموعة من البشر تمارس الأخلاق الحميدة. يا رفاء، إذا كانت السوشيال ميديا مصدر شر فدعينا لا ننسى أن بشرا ابتدعوها وبشرا يستخدمونها».
«يا رفاء، هل تنكرين أن رجلا واحدا يدعى دونالد ترامب استطاع، حسب تعبير الأستاذ دام ماكادامز عالم النفس الأمريكى، أن يؤثر بعمق فى توجهات جيل كامل من قادة الرأى ورجال السياسة فى عديد دول العالم. ستقولين إن كثيرين فى التاريخ أثروا بعمق فى أجيال وأجيال لأرد عليك بأن أحدا لم يكذب ويعلم الكذب ويمارس الأبشع ويجمع حول خطابه المفعم بالكره المريدين بالملايين مثلما فعل ترامب. يقال إن العالم فى ظل ترامب أسوأ خلقا. أليس هذا دليلا على أنه من طبيعة البشر الارتياح إلى ترامب وما يمثله».
***
استأذنت رفاء لتقول: «يا وفاء أرجوك التوقف عن التلاعب بالكلمات لتثبيت ما تؤمنين به فى أذهان الحاضرين. ما تنقلين عن ترامب صحيح وكذلك حديثك عن دوره وتأثيره فى عالم اليوم. ولكنى أختلف معك حين تعتبرين ما يفعله ترامب وإقبال بعض الناس عليه دليلا على أن الشر عاد ليولد يوم ولد دونالد ترامب وكل مريديه من بنى البشر. الحقيقة كما أراها هى أن ترامب وتغريداته أدوات شر وكذلك الجانب الأسود والجوانب «المجهلة» لنا حتى الآن فى السوشيال ميديا. أدوات لم تولد مع الإنسان وبرىء منها الإنسان عند مولده ولكنه إن اختار طريق الكذب والكره والتعصب فقد اختار بإرادته الشر شريكا لحياته. أنظرى كيف يتصيدون الأخبار السيئة وعناصر القلق والتوتر. أنظرى أيضا كيف يتحولون من بشر عاديين طيبى المعشر إلى وحوش تفترس الكلمة وتنهش السلوك. ثم اسألى نفسك هل لهذا التحول علاقة بما تسميه الشر كطبيعة بشر».
***
ردت وفاء: «نعم. التحول نحو فساد أكثر وعنف أشد وكره أعمق ما كان ليقع لو لم يكن الشر متأصلا فى النفوس. يا صديقتى كيف تفسرين أن هناك بشرا يعيبون على النساء اغتصابهن، وبشرا يعيبون على الفقراء فقرهم وعوزهم، وعلى مرضى الأيدز مرضهم. بماذا تفسرين شماتة تلاميذ فى زميل لهم يجرى عقابه لخطأ ارتكبه وتجاهل الناس لأبرياء محكومين ظلما أو قمعا أو ترهيبا. بماذا تبررين عتابك لى على تصرف غير لائق وأنت بالكاد انتهيت من ارتكابه. ما حكمك على مجموعة من الناس تعتنق الكارما، تقبل بحكم القدر وتخاف التغيير إلى الأحسن».
«عزيزتى رفاء، إجاباتى على هذه الأسئلة لو أنت التى وجهتها لى يلخصها موقفى الصريح. ما كانت لتوجد هذه الأنواع من البشر تؤثر فى حاضرنا ومستقبلنا لو لم يكن الشر من طبيعتها وأساس تكوينها».
***
انتفضت رفاء فيما يشبه الغضب وقالت بصوت خفيض يكاد لا يسمعه الجالسون فى الطرف المقابل من الغرفة «العزيزة وفاء. أرفض موقفك وما ينبنى عليه. أؤكد مرة أخرى إيمانى بأن الإنسان حر فيما يختار وأنه فى ظل ظروف عادية وطيبة وعادلة لن يختار الشر».

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.