الأربعاء 19 سبتمبر 2018 3:56 م القاهرة القاهرة 36.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في رأيك من الأحق بلقب أفضل لاعب في العالم؟

علامات نظام عالمى ينهار

نشر فى : الأربعاء 8 فبراير 2017 - 9:05 م | آخر تحديث : الأربعاء 8 فبراير 2017 - 9:05 م
«عالمهم ينهار وعالمنا ينشأ»، هذه العبارة وردت فى خطاب لأحد مستشارى زعيمة الجبهة القومية، الحزب اليمينى الصاعد بسرعة وبقوة فى النظام السياسى الفرنسى. من يعرف فلوريان فيليبور وخلفيته الديجولية وميوله الشخصية والأخلاقية لن يجد العبارة مبهمة. لن تكون أيضا مبهمة لمن استطاع خلال الأسابيع القليلة الماضية ملاحقة حدثين كان لهما فى السياسة الدولية وقع البراكين الثائرة، هما خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى فيما عرف بالبريكسيت ووصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية وفى ركابه، أو ربما تحت قيادة، أشخاص عقدوا العزم منذ عقد أو أكثر على تدمير القائم فى أمريكا والعالم وإقامة جديد محله.

***
يتردد بين أكاديميين وسياسيين مخضرمين تعليق وسؤال. يعلقون بأن أمريكا قادت فى الأربعينيات من القرن الماضى حلفا غربيا دمرت به نظاما عالميا وأقامت نظاما جديدا ليحل محل القديم. لم يأت النظام الجديد من فراغ بل نتيجة تخطيط واستعدادات فائقة. أما السؤال فيتعلق بالأدوات والقيم التى استخدمتها أمريكا لتدمير القديم وإقامة الجديد. جوهر السؤال يدور حول حقيقة أن النظام القديم دمر نفسه بحرب عالمية وأن النظام الجديد ما كان ليقوم بدون نشوب حرب عالمية وانهزام قوى وأفكار وقيم النظام القديم. من الضرورى والمهم الاعتراف بأن النظام الجديد لم يستغن عن فكرة الدولة القومية الموروثة عن النظام القديم. استعان بها بل جعلها أساس بناء المؤسسات الدولية التى أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية. أصر على تبنيها بناة النظام الدولى الجديد رغم علمهم الأكيد أنها كانت، مع أفكار أخرى، وراء نشوب الحرب. لذلك وضعوا نصب أعينهم إقامة ضمانات تمنع الدول المنتصرة والدول حديثة النشأة من المبالغة فى تمجيد الذات الوطنية والعرقية والطائفية.

الثابت فى تاريخ العلاقات الدولية فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية أن النظام الدولى الذى قام فى أعقاب الحرب ما كان ليقوم بدون قيادة الولايات المتحدة وبدون تعهدات وضمانات قوية ومتشعبة التزمتها. تعهدت أمريكا بأن تقود حلفا يجمع دول الغرب لصنع توازن قوة مع الاتحاد السوفييتى يحقق بدوره أمن أوروبا الغربية. تعهدت أيضا أن تسعى فى ظل النظام الدولى الجديد لإنهاء الاستعمار التقليدى باعتبار مسئوليته عن نشوب حروب ونزاعات بين الدول الكبرى. تعهدت أن يقوم النظام الدولى الجديد على مبادئ وقيم الغرب وفى مقدمها، الرأسمالية وحرية التجارة والديمقراطية وسيادة أحكام القانون، وأن تكون أمريكا مركز هذا النظام مطمئنة إلى معدلات نموها الاقتصادى وقوتها العسكرية وقدرتها على تشكيل أحلاف. واقع الأمر أنها بالفعل نجحت على امتداد ما يقارب السبعين عاما فى الاحتفاظ بمكانها كمركز للنظام الدولى غير قابل للتبديل. واقع الأمر أيضا هو أن أوروبا الغربية احتفظت على امتداد السبعين عاما بدورها كساحة لهذا النظام، كانت هى الأخرى ساحة غير قابلة للتغيير.

***
كان ممكنا خلال المراحل الأخيرة من الحرب العالمية الثانية أن يقرأ الأكاديميون بعض ملامح النظام الدولى الجارى إعداده. كانت هناك ورش عمل تشتغل ودراسات تعد على عجل وتصريحات مدروسة للرئيس روزفلت ولرئيس وزراء بريطانيا، وكانت ترتيبات معينة توضع فى اجتماعات قادة الحلف المناوئ لدول المحور. كانت الخطط ترسم لإدارة كل من اليابان وألمانيا. اليوم كثيرون يعتقدون أنهم قادرون على استشراف بعض ملامح المرحلة القادمة فى العلاقات الدولية وبعض ما يسعى لتحقيقه رجال ونساء فى أمريكا وبريطانيا وروسيا وقادة حركات قومية ويمينية متطرفة فى فرنسا وألمانيا والنمسا وهولندا وزعماء تيارات شعبوية أخرى فى إسبانيا وإيطاليا واليونان.

***
من قراءة سريعة لتصريحات وخطب وتغريدات الرئيس دونالد ترامب وحده، ومن دراسة متعمقة شيئا ما فى كتابات ستيفين بانون كبير الاستراتيجيين فى البيت الأبيض وكتابات متطرفين آخرين يحيطون بمركز السلطة فى واشنطن، توصل الكثيرون إلى تصورات لمستقبل علاقة أمريكا بالعالم الخارجى وأسس هذه العلاقة. تصوروا مثلا أن قيادة النظام الدولى الجديد سوف تكون ممثلة للعرق الأبيض وللمسيحيين. كشف عن هذا ترامب نفسه والصحوة المفاجئة لكنائس بروتستانية متطرفة فى الولايات الكاحدة ومساندتها القوية لنظام ترامب وأفكاره.. ما يعنينا فى هذا الشأن هو أن الدول ذات الأغلبية الملونة وتخضع لحكومات شعبوية أو لرجال أقوياء سوف يخصص لها مكانة القوى التابعة. هى متهمة بتصدير الإرهاب والتخلف والإعداد لحرب صليبية تدمر الحضارة اليهودية المسيحية. يؤكد هذا التصور النعرة الاستعمارية الصريحة بل والصارخة أحيانا فى خطاب ترامب السياسى وبخاصة ترديده لعبارات عنصرية عند الحديث عن العراق. سمعناه يدعو جيوشه لاحتلال العراق وليبيا والاستيلاء على نفطهما.
قرأنا أيضا ما قاله فى نوفمبر الماضى ستيفين بانون، العقل المهيمن فى إدارة ترامب، «نحن فى حالة حرب، واضح جدا أننا على الطريق نحو حرب أخرى فى الشرق الأوسط». وقال «إن الاسلام هو أكثر الأديان راديكالية». وفى مناسبة أسبق قال «إن المسيحية أينما كانت مهددة» وإن «الصينيين يخافون من المسيحية أكثر من أى شيء آخر». وقال فى فبراير الماضى «هناك إسلام ساع للتوسع، ودولة فى الصين أيضا توسعية. كلاهما متكبر ومغرور وكلاهما بدأ الزحف وكلاهما يعتقد أن حضارتنا بدأت فى الانحسار».

***
سمعت تصورا آخر لا يقل أهمية. سمعت أننا قد نشهد خلال العام الراهن تحولات مصيرية فى أوروبا. مرة أخرى تؤكد هذه القارة حرصها على الاحتفاظ بمكانتها ساحة رئيسة فى مرحلة الانتقال من نظام دولى إلى نظام دولى آخر. يتنازع الآن على تفكيك أوروبا روسيا من جهة وإدارة الرئيس ترامب من جهة أخرى. اجتمعت إرادة الطرفين عل «تفسيخ» أوروبا. بوتين لا يخفى اعتناقه هذا الهدف والرئيس ترامب كان واضحا وصريحا خلال الحملة الانتخابية فى دعمه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى. لو صح هذا التصور لن يكون صعبا وضع تصور ملحق تظهر فيه ألمانيا كقوة وحيدة قادرة على الوقوف ضد القوتين الأعظم، أمريكا وروسيا، لتمنعهما من تفكيك أوروبا اعتمادا على إثارة النعرات القومية الضيقة. يبقى أن نتصور كيف يمكن أن تحقق ألمانيا هدفها فى المحافظة على وحدة القارة وأى الأساليب ستستعمل، بالحرب، كما يراهن البعض، أم بالدبلوماسية الاقتصادية وبالعمل على استعادة بريطانيا من براثن قوة جهنمية فى واشنطن.

***
لا أستبعد تصورا مغاليا فى التطرف. يتصورون أن تنفذ الجماعة الحاكمة فى واشنطن ما تؤمن به وهو مزيج من الخرافات والمعتقدات الدينية والأوامر الإلهية وجنون العظمة العرقية. بناء على هذا الإيمان يمكن أن نتوقع عمليات تدمير لمؤسسات دستورية وحقوقية قائمة بحجة أن النظام الجديد يجب أن يقوم «على نظافة». أقدر أن إجراءات من هذا النوع فى دولة متقدمة تكنولوجيا وبشعب مسيس يمكن أن تؤدى إلى انفجارات فى الداخل ضد هذه الإجراءات الاستثنائية وإلى اشتباكات حدودية مع دولتين كانتا حتى الأمس حليفتين وهما الآن متأهبتان للتعامل مع نظام أمريكى «غير عاقل» حسب رأى صديق مكسيكى.

***
التاريخ يخبرنا أن شخصا مثل ترامب يقود نظاما متعصبا حاملا لنوايا تخريبية سينتهى به الأمر إن عاجلا أم آجلا معلنا شن حرب ضد عدو كبير، والعدو الذى يجرى صنعه الآن هو واحد من اثنين: الصين والإسلام الراديكالى. كلاهما إن قررا الاستجابة لنداء الحرب الصادر من هذا المعتوه الذى يحكم أمريكا سوف نجدهما يسرعان بتكثيف استعداداتهما لحرب عالمية، أكثر الظن أنها ستكون الحرب الموعودة التى سوف تتحمل عبء الانتقال الباهظ التكلفة من نظام دولى إلى نظام دولى جديد أو إلى لا نظام.

 

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.