الجمعة 14 ديسمبر 2018 10:49 م القاهرة القاهرة 16.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يساعد توثيق عقود الزواج إلكترونياً في التصدي لظاهرة زواج القاصرات؟

«the post».. أربعُ قراءاتٍ لفيلمٍ عظيم!

نشر فى : الخميس 8 فبراير 2018 - 10:00 م | آخر تحديث : الخميس 8 فبراير 2018 - 10:00 م

هناك أربعة مفاتيح تستحقها قراءة الفيلم الأمريكى «the post» للمخرج ستيفن سبيلبرج، مداخل أربعة متكاملة نفصلها هنا بغرض التحليل ليس إلا، ولكنها فى الواقع كتلة واحدة متماسكة، مثلما هو الحال فى بناء أى فيلم عظيم.

سياسيا: نحن بالطبع أمام فيلم سياسى بامتياز، ليس فقط لأنه يستدعى الماضى من أجل الحاضر، حيث الانحياز واضح جدا للصحافة فى مقابل عدوانية وتربص أى إدارة للبيت الأبيض ضدها (وترامب المثال الحاضر)، وليس لأن الحكاية ترتبط بتحليل توازن القوى والسلطات فى النظام الأمريكى فحسب، ولكن لأن رؤية الفيلم ناضجة جدا فيما يتعلق بحرب فيتنام.

إذ يرى الفيلم أن الحرب الحقيقية لم تكن هناك على أرض المعركة، التى يبدأ بها الفيلم فى مشهد وحيد، ولكنه يأخذنا بعد ذلك إلى ميدان الحرب الحقيقى فى كواليس السياسة والصحافة فى واشنطن، وحسم هذه الحرب فى واشنطن هو الذى أنهى حرب فيتنام، وليس أى شىء آخر.

ويطرح الفيلم رؤية عميقة ناضجة أخرى؛ هى أنه على الرغم من قوة السلطات مثل البيت الأبيض والقضاء والكونجرس والصحافة، التى يوجه الفيلم تحية حارة لدورها، فإن السلطة الحقيقية فى الفيلم هى للرأى العام أو للشعب، الصراع كله سببه أن أحد الأطراف يريد أن يمنع الحقيقة من الوصول للشعب، والطرف الثانى يريد كشفها للناس، وينتصر القضاء لفكرة أن يعرف الناس، والناس هم من سيضغطون للتغيير، ولذلك يحضر الشعب فى صورة متظاهرين ضد الحرب، وهناك دلالة رمزية مدهشة فى مشهد قيام فتاة لا نعرف اسمها، بترك جزء من الوثائق الخطيرة عن فيتنام، لصحفى لا تعرف اسمه من «واشنطن بوست»، كأنها هدية من الشعب إلى الصحافة كمهنة عموما، وكأن الفتاة تقول للصحفى: «شوف شغلك»، ويرد الصحفيون عمليا فى النهاية: «قد فعلنا.. الحقيقة كاملة أمامكم.. غيروا».

صحفيا: يربط الفيلم سلطة الصحافة بقدرتها على الرقابة، فإذا لم تكن عينا مفتوحة، تفهم دورها، وتنتزع حقها، وتخدم المحكومين لا الحكام، ستفقد تأثيرها، ولن يساندها أحد، والعكس صحيح، المعركة فى الفيلم تبدأ بمنافسة بين «الواشنطن بوست» و«النيويورك تايمز» من أجل السبق الصحفى، ولكنها تتحول إلى تحالف بين كل الصحف من أجل الحرية، وفى سبيل حق «القارئ/ الشعب» فى معرفة الحقيقة، ومن أذكى تفاصيل الفيلم أن الصحيفتين الكبيرتين بلا حواجز مع الناس، الأشخاص يدخلون بسهولة لمقابلة المحررين، شارع الصحافة يفتح على الشارع، مثلما يفتح باب ناشرة الصحيفة على السلطة.

من زاوية الثقافة الأمريكية فإن قيما مثل «العائلة» («واشنطن بوست» جريدة تملكها عائلة وهى ميراث ورثته كاى جراهام ولكنها ستصنع منها عائلة موازية)، و«الدفاع عن الوطن» (النشر أصلا لإنقاذ الوطن وأبنائه من الموت المجانى فى فيتنام)؛ تمتزج هنا ببراعة بفكرة نجاح المشروع الخاص (طرح أسهم الجريدة فى البورصة هدفه اقتصادى بحت، والدفاع عن حرية الصحافة يفيد البيزنس فى النهاية ولا يضره)، وكلها أفكار محورية ترى هوليوود أنها صنعت أمريكا.. ثم هل لاحظت معى أن شعار «كاتى جراهام» وهو «الجودة تحقق الربح» سيتحقق على المستوى الاقتصادى العملى، ولن يكون مجرد كلام نظرى أجوف؟

الثقافة الأمريكية تكافئ أبطال الحرية بالنجاح الاقتصادى أيضا، ونشر الحقيقة ليس فكرة مجردة، ولكنه مفيد براجماتيا: إنه ينقذ أرواح البشر، ويحول الصحفى إلى إمبراطور، والصحف إلى شركات لها وزن فى البورصة.
يقوم الجانب الفنى أخيرا بمزج هذه الزوايا معا فى وحدة واحدة: الصراع فى كل الاتجاهات، وهو متصاعد، داخل الشخصيات وخارجها: حيرة الناشرة واضحة بين الصداقة، ومهام دورها، ومخاوفها من تبديد ميراثها العظيم، وحيرة رئيس التحرير واضحة بين نشر الحقيقة، وأحكام القانون.

وعلى الرغم من أن الفيلم يقوم على الحوار، فإن سبيلبرج وفريقه المدهش الدائم صنعوا معادلا بصريا وموسيقيا ممتازا، الكاميرا لا تصور كاى جراهام وبن برادلى ولكنها تحتضنهم، وتساندهم لكى يتخذوا القرار الصعب، وتنتقل الصورة، مع تطور الأحداث، من لقطة غائمة لكاى فى مرحلة الحفاظ على علاقتها بدوائر صنع القرار، إلى حركة كاميرا ترتفع إلى أعلى فى انتصار، بعد أن أعطت كاى الأمر بالنشر، وفى مشهد أخير داخل المطبعة، يتضاءل حجم كاى وبن مقارنة بسيور ماكينات الطباعة، إنهما مجرد جزء صغير من صناعة عظيمة هى صناعة الحقيقة، ولكن نجاح سبيلبرج الأهم تحقق بالطبع فى قيادة اثنين من أبرز مشخصاتية هوليوود هما «توم هانكس» و«ميريل ستريب» فى دورين فى منتهى الصعوبة، لكل منهما مشاهد منفصلة ممتازة، ومشاهدهما معا مبارة تستحق تحليلا خاصا، الصعوبة هنا هى أن كاى ثلاث شخصيات معا: ناشرة، وربة أسرة، وسيدة مجتمع، وبن برادى ثلاث شخصيات معا: صحفى محترف، ومدير أو مايسترو، وصديق للسيدة التى يعمل عندها، والشخصيتان تقولان كلاما كبيرا وخطيرا، ولكن من خلال مواقف إنسانية بسيطة جدا.

ليست مصادفة أبدا أن يقتحم بن منزل كاى أكثر من مرة بدون موعد، لدرجة أنها تقترح عليه أن يأخذ مفتاح البيت، عمليا فقد اندمجت الجريدة فى بيت الناشرة، ودخلت الوثائق إلى منزل رئيس التحرير، بيت سيدة ثرية، صنع بيتا أكبر هو الجريدة، وبيتا أكبر هو الشركة الناجحة فى البورصة، وقد نجحت أخيرا هذه البيوت/ homes فى إعادة الجنود إلى بيتهم الأكبر/ home.. إلى الوطن.. ويا عينى على السينما العظيمة.

التعليقات