كتب ليوناردو افريتز مقالًا فى موقع بوستن رفيو الأمريكى بعنوان «التجربة البرازيلية فى الديمقراطية المباشرة «يتحدث فيه عن تجربه جديدة ومميزة انتهجتها البرازيل ومن الممكن بعرضها أن تستفاد منها الديمقراطيات الأخرى».
بدأ ليوناردو مقاله بالإشارة إلى حادثة فارقة فى التاريخ البرازيلى الحديث، كانت السبب وراء انتهاج البرازيل لتلك التجربة الجديدة. ويشرح أنه فى يونيو 2005، نالت فضيحة كبيرة من إدارة الرئيس البرازيلى لويس لولا سيلفا، فقد تم اتهام حزب الرئيس البرازيلى (حزب العمال) بدفع رشاوى لأعضاء البرلمان لمساندة التشريعات التى يرغب الحزب فى إمرارها. ولكن الادعاء بشأن شراء الأصوات لم يتم اثباته، وكذلك لم يطل الاتهام بصورة مباشرة الرئيس لولا، الذى أدار هذه الفضيحة بحكمة تجنبًا لتبعاتها. ويقول ليوناردو انه بلا شك تلك الفضيحة كشفت عن المشاكل العميقة فى البنية الديمقراطية وفى تشكيل البرلمان البرازيلى.
ويرجع افريتز بالتاريخ قليلًا إلى الوراء فيحكى انه فى عام 1988 فى البرازيل، تم إصدار دستور جديد. والذى بالموافقة عليه تم قبول مبدأ الرجوع الى الديمقراطية. وهكذا السلطوية التى استمرت أكثر من عقدين انتهت. ويتساءل هل انتهت تلك السلطوية بالكامل؟ ويقول مجيبًا نفسه انه لابد أولًا أن ننظر إلى أى مدى استطاعت البرازيل تغيير تقليد الإقصاء السياسى وهو التقليد الذى ظل راسخًا لفترة كبيرة من الزمان. فهو يرى ان فى الوقت الذى احتوى فيه الدستور على اربعين مادة لتعزيز المشاركة الشعبية، لم يختلف كثيرًا الشكل التنظيمى للنظام السياسى البرازيلى. صحيح ان الرئيس ينتخب عن طريق تصويت شعبى يحصد اغلبيته، ولكن البرلمان يظل ضعيف ومجزأ مثلما كان حاله فى ظل الحكم السلطوى. فالرئيس المنتخب من قبل تأييد الاغلبية يجد صعوبة فى الحصول على دعم البرلمان. فى الانتخابات الخمس الأخيرة، لم يحصل حزب الرئيس على اكثر من 20% من مقاعد البرلمان.
•••
يكمل افريتز فيقول إن فرناندو هنريك كوردوسو، الذى كان رئيسًا للبرازيل من 1995 حتى 2003، ابتكر طريقة للحكم فى هذا السياق. فعلى الرغم من عدم حصوله على أغلبية مسيطرة فى البرلمان، كان يستطيع تمرير تشريعاته خلاله، حيث طبق تحالف واسع بين حزبه ومجموعة من الاحزاب الأخرى. هذا النظام انخرط فى استراتيجية توزيع الحقائب الوزارية بين الاحزاب المكونة للإتلاف حتى يضمن تكوينه. ويقول إن نتيجة تلك الاستراتيجية كانت أن 70.7% هى معدل موافقة البرلمان على مشاريع القوانين المقدمة من السلطة التنفيذية، وهو ما ينافس معدل البرلمان الإنجليزى. ومن المعروف أن النظام السياسى الإنجليزى هو نظام برلمانى ثنائى القطبية توكل مهمة تشكيل الحكومة فيه إلى زعيم الحزب الحاصل على الأغلبية، مما يعنى صعوبة ان يرفض نواب الحزب الحاكم قرار حكومتهم.
يصل بعد ذلك افريتز بنا إلى حين أصبح لولا الرئيس فى 2003، وهنا يرى الكاتب ان استراتيجية توزيع الوزارات على أعضاء تحالف لم تفلح، خصوصًا فيما يخص الحقائب الوزارية ذات الطابع الاجتماعى، مثل الإسكان والتعليم والتأمينات الاجتماعية. ويشرح أن ذلك إلى أن حزب العمال أصبحت لديه روابط قوية مع حركات اجتماعية تركز على تلك الأمور. نتيجة لذلك تعثرت جهود لولا لتمرير سياساته فى البرلمان. ويقول ليوناردو إن من هنا بدأت الفضيحة، حيث أعتقد مؤيدوه أن شراء التأييد السياسى فى البرلمان هو الحل الأسهل للفوز فى المجال التشريعى. ولكن لولا تجاوب مع حالة الهيجان التى لحقت الفضيحة بتبنيه طريقة جديدة لتقوية الديمقراطية المباشرة فى البرازيل.
يكمل الكاتب فيقول إن لولا تفاعل مع الفضيحة بطريقتين. الأولى تغييره لصفوة حزب العمال، حيث جاء بأعضاء بعيدون عن مركز حزب العمال فى ساو باولو. فجاء بـ«ديلا روسف» و«تراسو خنرو» و«فرناندو هداد» و«خاكس وانجر» فى مواقع القيادة فى الحزب. هؤلاء أعادوا تكوين حكومة لولا، واصبحت لهم سيطرة على مقاليد الحكم: روسف الان أول رئيسة للبرازيل، وخنرو ووانجر حكام ولايات، وهداد انتخب حديثًا عمدة لساو باولو. أما الطريقة الثانية فهى إعطاؤه لشعبه طريقة للحكم الديمقراطى المباشر عن طريق ما يسمى المؤتمرات الشعبية. ويشرح فرناندو أن المؤتمر الشعبى فى البرازيل يهدف إلى بناء توافق فى الآراء فى مجال محدد. تلك المؤتمرات كانت موجودة فى البرازيل منذ 1940، عندما قام الرئيس جنتولنو فارجاس بتمويل أول مؤتمر شعبى فى مجال الصحة. أما حكومة لولا فقد جعلت من المؤتمرات الشعبية شىء اساسى فى ادارة شؤون البلاد. فقد عقد حوالى 115 مؤتمرا شعبيا منذ 1941، 74 منهم عقدوا خلال الثمانية سنين، مدة ولاية الرئيس لولا. فى عهد لولا المؤتمرات الشعبية كانت تبدا بمبادرة من واحدة من الوزارات لمناقشة قرار إدارى معين. وبعد تشاور المواطنين والمسئولين فى مستوى المدينة ثم الولاية ثم المستوى القومى، يتم إصدار التوصيات للحكومة الفدرالية. أيضًا قرارات المؤتمرات يمكن ان تصبح شرعية بعد توقيعها من قبل الرئيس.
ويقول فى العشرة سنوات الأخيرة، حوالى 6 ملايين برازيلى بالغ (6.5% من السكان البرازيليين) شاركوا فى المؤتمرات الشعبية. المشاركة فى تلك المؤتمرات تأتى بأصوات أولئك الذين تم اقصائهم تاريخيًا من قبل النظام السياسى البرازيلى. تواجد النساء والفقراء، والمواطنين الاقل تعليمُا فى تلك المؤتمرات، هو امل كبير للخروج من الطرق التقليدية البرازيلية فى إقصاء هؤلاء.
•••
ويتساءل فى النهاية عن مدى فاعلية تلك المؤتمرات؟ ما هى انعكاساتها على السياسات الحكومية؟ البرازيل تحاول جاهدة إنشاء ما يسمى «نظام قومى للمشاركة»، فى المستقبل يمكن أن يكون هذا النظام قادرًا على ربط المواطن بدوائر صنع القرار على المستوى المحلى، وعلى مستوى الولايات وعلى المستوى الفدرالى. الان بالفعل المؤتمرات الشعبية لديها تأثير على إنتاج التشريعات الجديدة فى البرلمان. يعد قبول قرارات تلك المؤتمرات الخاصة بالسياسات الاجتماعية اسهل من قبول مثيلاتها المدعومة حكوميًا.
للاطلاع على المقال الأصلى، الرجاء زيارة الرابط التالى:
www.bostonreview.net/BR38.1/leonardo_avritzer_brazil_direct_democracy.php