غالبا ما يردّد التونسيون مازحين أن البلاد انتقلت «من عشرة ملايين مدرّب كرة قدم إلى عشرة ملايين محلّل سياسى». وبالفعل، تُعَدّ حرّية التعبير من أبرز الإنجازات التى حقّقتها الثورة التونسية. لكن فى أبريل 2012، أثارت سلسلة من التعيينات التى أجراها رئيس الوزراء حمادى الجبالى مخاوف بشأن مستقبل حرية التعبير والإعلام. والمناصب التى شملتها هذه التعيينات هى مدير عام الإذاعة الوطنية، ومدير عام التلفزة الوطنية، ومدير عام «دار الصباح»، وهى مؤسّسة إعلامية تابعة للدولة تُصدِر صحيفتين كبريين، الصباح وLe Temps. واقع الحال هو أن جميع الأشخاص الذين عُيِّنوا فى هذه المناصب، وهم محمد المدب وإيمان بحرون ولطفى التواتى على التوالى، يُعتبَرون من فلول النظام القديم. ويرى المراقبون فى هذه التعيينات تهديدا للصحافة المستقلّة الوليدة والهشّة، ولحرية التعبير فى شكل عام ــ كما أنها أثارت بصورة خاصّة الخوف من العودة إلى الماضى.
وقد ردّت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين بالدعوة إلى إضراب وطنى فى 17 أكتوبر الماضى احتجاجا على هذه التعيينات ودفاعا عن حرّية الصحافة فى شكل عام. نظّم الصحفيون فى الإذاعة الوطنية اعتصامات عدّة، فيما ينفّذ زملاؤهم فى دار الصباح اعتصاما مفتوحا فضلا على تنظيمهم إضرابَين عن الطعام فى أكتوبر الماضى، الأمر الذى اضطُرّ الحكومة إلى الدخول فى مفاوضات أدّت إلى التوصّل إلى تسوية: أقيل لطفى التواتى من منصبه، وتمّت تلبية مطالب أخرى أصغر نطاقا رفعها الصحافيون، منها الحصول على عقود عمل وزيادة الأجور. لكن مستقبل القطاع ودور الإعلام فى تونس بعد الثورة لا يزالان موضع سجال شديد.
●●●
عكَس النقاش حول حرّية الصحافة والتعيينات الأخيرة الجدل السياسى الأوسع بين الحكومة والأحزاب المعارِضة. فقد وجدت شرائح واسعة من المعارضة فى التعيينات إثباتا إضافيا على أن الحكومة ــ التى تسيطر عليها حركة «النهضة» ــ تسعى إلى وضع المؤسّسات الإعلامية فى البلاد تحت جناحَيها، مايُعزّز حجّة المعارضين بأن النهضة على وجه الخصوص تستخدم نفس أساليب النظام القديم لكبح حرّية الإعلام وتعطيل الانتقال الديمقراطى فى البلاد. أما النهضة فتقول إن الإعلام مُختَرَق، ولا يزال تحت سيطرة مَن كانوا يتعاطفون قبل وقت غير بعيد مع بن على ويؤيّدون نظامه. وتعتبر الحكومة أن هذه المعركة العلنية هى وسيلة يستخدمها الصحفيون ــ ولاسيما مَن كانوا يعملون بحرّية فى ظل نظام بن على ــ لاستعادة المصداقية لدى الرأى العام التونسى.
حقّقت الثورة مكاسب مهمّة فى الحدّ من الرقابة، لكنّها تركت الإعلام أيضا من دون إطار قانونى واضح. اقترحت الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال التى أُنشِئت فى مارس 2011، وتتألّف من صحفيين وخبراء فى قوانين الإعلام، إطارا لقانون إعلام جديد أُقِرّ فى نوفمبر 2011 كى يحلّ مكان المنظومة الإعلامية التى كانت مُطبَّقة فى عهد بن على. صحيح أن هذين المرسومَين ــ المرسوم 115 (حول الإعلام المكتوب وحرية التعبير) والمرسوم 116 (الإعلام المرئى والمسموع) ــ تشوبهما ثغرات كثيرة، إلا أن المراقبين رحّبوا بهما معتبرين أنهما يشكّلان نقطة انطلاق جيّدة. وأوصت الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال أيضا بإنشاء هيئة تنظيمية مستقلّة تُعرَف بـ«الهيئة العليا للسمعى البصرى» لتقديم المشورة للحكومة حول تعيين المديرين فى القطاع السمعى البصرى العام، ومنح التراخيص، والإشراف على الممارسات والمعايير الصحفية. لكن هذه الهيئة لم ترَ النور بعد. وفى يوليو 2012، استقالت الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتّصال مُعلِّلة قرارها بعدم استعداد الحكومة لتنفيذ المرسومَين 115 و116، وغياب الإرادة السياسية لدعم الأجندة الأوسع نطاقا لإصلاح الإعلام التى قدّمتها الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتّصال ودعمتها الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة.
●●●
ليس هناك الكثير من المؤشرات الفعلية بأن الحكومة مزمعة على تجريد وسائل الإعلام من استقلاليّتها، لكن من الواضح تماما أنه ليست هناك إرادة سياسية لتطبيق الإصلاحات الإعلامية الموعودة، ولاسيما فى القطاع العام. لقد صوّتت الحكومة الانتقالية برئاسة الباجى قائد السبسى على المرسومَين 115 و116، ووقّعهما الرئيس المؤقّت آنذاك، فؤاد المبزع، فى مطلع نوفمبر 2011. لكن الترويكا، كما يُعرَف محليا الائتلافُ الحالى المؤلَّف من «النهضة» و«التكتّل» و«المؤتمر من أجل الجمهورية»، والذى يرأس أوّل حكومة تونسية مُنتَخَبة شرعيا بعد الثورة، تجاهلت هذَين المرسومين إلى حدّ كبير. فعلى الرغم من قبولهما والتصديق عليهما من وجهة نظر قانونية، لم يوضَع بعد إطار مناسب لتطبيقهما بعد انقضاء نحو عام على إقرارهما. غالبا مايُطبّق القضاة القانون الجنائى فى محاكمة الصحفيين ووسائل الإعلام، فى حين أنه يجب تطبيق القانون الجديد الذى ينصّ على إجراءات خاصّة بالصحفيين.
فى أعقاب الإضراب العام الذى حشد مشاركة واسعة ودعما كبيرا، أعلنت الحكومة أن قوانين الإعلام ستدخل حيّز التنفيذ على الفور. وبدأ التداول خلف الكواليس بأسماء مرشّحين محتملين لمنصب رئيس الهيئة العليا للسمعى البصرى، لكن الحكومة لم تعلن بعد عن جدول زمنى واضح لإنشائها. لا تزال الشكوك تساور زياد الهانى، عضو مجلس الإدارة فى النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين واتحاد الصحفيين الأفارقة مشدِّدا على أنه «عندما تسلّم بن على السلطة فى عام 1987، وعدنا بكل هذه الأمور أيضا. لكن طالما أن القوانين لم توضع موضع التنفيذ، لا أؤمن بالوعود الحكومية».
●●●
تبدى منظمة «مراسلون بلا حدود»، التى فتحت مكتبا لها فى العاصمة تونس فى أكتوبر 2011، قلقها من غياب إطار قضائى واضح ومن استهداف الصحفيين. فقد مَثُل العديد من الصحفيين ورؤساء التحرير أمام المحاكم بتهمة الإخلال بالنظام العام خلال السنة المنصرمة. وقد أحصت المنظّمة غير الحكومية 130 اعتداء على حرّية الصحافة منذ مطلع العام الحالى، ومعظمها عبارة عن أعمال عنف جسدية ضد الصحفيين. وتقول أوليفيا غرى، رئيسة مكتب تونس فى منظمة «مراسلون بلا حدود»: «هذه الأرقام مقلقة، ولاسيما أنه لم تُنفَّذ أى عقوبات فى هذه القضايا». وقد أعربت عن سرورها لأن الدستور الجديد لن يتضمّن مادّة تُجرِّم التجديف، كما أعلن رئيس المجلس الوطنى التأسيسى مصطفى بن جعفر. فعلّقت قائلة: «يلبّى إعلان جعفر أحد المطالب الأساسية التى نقلناها أخيرا إلى السلطات التونسية. بموجب المعايير الدولية السائدة حاليا، من غير المقبول استخدام تشريع يحظّر التجديف بهدف تقييد حرية التعبير». لكن لم يُنشَر بعد نص نهائى لمشروع الدستور الذى سيصوّت عليه المجلس التأسيسى، ويخشى المعارِضون أن تظهر الإشارة إلى التجديف من جديد فى النسخة الختامية.
خلال الاعتصام فى دار الصباح، لفت الفيلسوف يوسف الصديق، وهو شخصية عامّة معروفة ومعلّق سياسى، إلى أنه جاء لدعم زملائه الشباب فى إضرابهم عن الطعام. أُوقِف الصديق عن كتابة مقاله الأسبوعى فى صحيفة Le Temps الصادرة عن دار الصباح بعد انتقاده تعيين التواتى، لكنه لا يزال يؤمن باستقلالية الإعلام التونسى. ويقول الصديق: «نواجه حركة ديالكتيكية قوامها الثورة والثورة المضادّة. خير دليل على أن الثورة حقيقية هو أننى تمكّنت من أن أطلب من وزير الداخلية التنحّى عبر القناة التليفزيونية الرسمية وفى وقت الذروة، وأننا نجلس هنا ونتكلّم بصورة علنية من دون تعريض أنفسنا إلى الخطر».
●●●
لن يتراجع التونسيون عن التعبير عن آرائهم بحرّية، لكن القطاع الإعلامى لم يشهد بعد تحوّلا حقيقيا. يجب أن تبدأ الخطوة الأولى بتطبيق قانون الإعلام الجديد لضمان درجة معيّنة من الاستقلالية والشروع فى عملية انتقالية تقود مؤسّسات الدولة نحو النهوض فعليا بمسئوليات الخدمة العامة.