«الوضع اتغير يا برايز، الإسلاميون يقومون بمشاركة أو «تشيير» مقولات وخطب عبدالناصر، وثوار ٢٥ يناير «يشيرون» خطب مبارك، وأنصار ٣٠ يونيو يقومون بتشيير تغريدات الدكتور عمرو حمزواى!».
ربما يكون هذا القول الساخر أفضل ما قيل للتعبير عن جانب من الحالة العبثية، التى صاحبت الجدل بشأن قضية جزيرتى تيران وصنافير، التى أعلنت الحكومة المصرية مساء الجمعة الماضية أنهما تخصان السعودية، ووقعت اتفاقا بذلك مع المملكة ظهر اليوم نفسه.
أما برايز فهو أحد شخصيات الفيلم الكوميدى الشهير «فيلم ثقافى». هذا الفيلم تعرض لظلم كبير وتعامل معه كثيرون باعتباره فيلما سطحيا أو يتحدث عن أزمة الشباب والجنس، فى حين أنه من وجهة نظرى سلط الضوء على المجتمع المأزوم فى كل المجالات. برايز كان هو التقنى الذى يفترض معرفته بكيفية تشغيل جهاز الفيديو لعرض الشريط، وفى كل مرة كانت هناك مشكلة جديدة، وفى نهاية الفيلم يقول الأسطى برايز قولته الشهيرة التى لخصت كل شىء»، العيب فى السيستم يا،،،،،،،»، قاصدا شكل نظام تشغيل الفيديو غير المتناسق مع الشريط، ومضمونى المجتمع العاجز والمنافق الذى فشل فى التوافق أو استيعاب شبابه وتركهم فريسة للإحباط واليأس والكبت.
مرة أخرى ما زلنا نتحدث عن الشكل فيما يتعلق بقضية الجزيرتين تيران وصنافير، والقصة الساخرة التى بدأنا فيها وهى أقرب ما تكون إلى «القلش» تكشف مزيدا من العبث الذى صار يحكم معظم مناحى حياتنا.
من خلال متابعة رد الفعل على اتفاقية ترسيم الحدود، فقد كان واضحا أن البعض اتخذ موقفا بصورة «عميانى»، وعاطفية، وغير مستندة إلى أى منطق متماسك.
هذا الأمر ينطبق على الجميع، وليس على طرف دون آخر. المعارضون للحكومة رفضوا الاتفاقية فورا من دون معرفة أصل الموضوع، لأنهم أولاً معارضون للحكومة، وثانيا لأنهم يكرهون السعودية «لله فى الله»، وكذلك المؤيدون قبلوها فورا لأن الحكومة هى من وقعتها، ولأنهم يحبون السعودية عميانى!!
مساء الجمعة اتصلت بى إحدى الفضائيات فاعتذرت عن الحديث لأننى لم يكن عندى معلومات كافية، ولم أكن قد تحدثت إلى خبراء ثقاة، فغضب منى المعد. فى اليوم التالى سألنى أحد الزملاء عن رأيى فقلت له إننى وجدت معلومات متضاربة فى الجانبين، ولم أكون رأيا حتى الآن فاتهمنى بانخفاض منسوب الوطنية لأننى لم أعارض الاتفاق فورا!! وفى اليوم نفسه سألنى زميل آخر فى المعسكر المضاد فقلت له نفس الرأى فاتهمنى أيضا بالميوعة وعدم الحسم.
مرة أخرى وما زلنا فى الشكل دون المضمون فإن مؤيدى الحكومة سارعوا إلى تأييد الاتفاق دون أن يتأكوا أن هناك وثائق حقيقية تثبت موقفهم، والمعارضون فعلوا نفس الأمر اعتمادا على قصاصة هنا أو هناك، وبالطبع كان أنصار جماعة الإخوان وأنصارها الأكثر انتهازية على الإطلاق، حيث نسوا تماما أنهم «أمميون» ولا يؤمنون كثيرا بفكرة الوطن، وأنهم كانوا يتمسحون، وينافقون السعودية ليل نهار علها ترضى عنهم، وعندما أدركوا صعوبة ذلك انتفضوا، وفجأة صاروا يدافعون عن الحدود وعن الوطن الذى قال فيه أحد مرشديهم «طظ»!! الآن هم يتمسحون فى تصريح لعبدالناصر فى هذه القضية، والسؤال: ولماذا تعارضونه فى مواقف أخرى وتعتبرونه خائنا؟!
وحتى لا أكون ظالما فقد كانت هناك استثناءات أثبتت موضوعية أصحابها ومبديئتهم، من هؤلاء الدكتور عمرو حمزاوى الذى يعارض الحكومة بدأب لا يتزعزع، لكنه اتفق معها فى الموقف لأنه اقتنع بعد دراسة واطلاع، وفى الفريق الثانى كان حمدين صباحى، الذى عارض باحترام وموضوعية الاتفاق.
وما بين نموذجى حمزاوى وصباحى شهدنا العجب العجاب وشغل بهلونات وأراجوزات، بشكل يثير الغثيان، لكنه يكشف أن حدة الاستقطاب وصلت إلى أعلى مستوياتها ولا اما قريب فى انخفاضها.
لا أعرف كيف يقرر شخص تأييد قضية أو اتفاقية بهذه الأهمية أو معارضتها من دون أن يقرأ كل تفاصيلها وملابساتها وظروفها ويقارن بين الوقائع والأحداث المختلفة والمتناقضة؟!
المفترض أن هناك خبراء ثقاة ومتخصصين، هم الذين يفتون فى مثل هذه القضايا، وبعدها يمكننا تكوين آرائنا وانطباعاتنا، لكن الكارثة أن جموعا غفيرة تسير وراء أول رأى يصادف هواها. ومرة أخرى لا يمكن تبرئة الحكومة لأنها فاجأت الناس بالقضية، فأصيب الجميع بالصدمة.
هذا التفكير سوف يقودنا ــ لا قدر الله ــ إلى هلاك محقق إذا استمر سيرنا بنفس الوتيرة.