مرت أخبار العنف فى المدارس أثناء امتحان الشهادة الإعدادية، ثم الدبلومات الفنية، والتى وصل بعضها إلى القتل، ثم طلب حماية أحد طلاب الثانوية العامة خوفا من الثأر، دون أن ينتفض المجتمع، حكومة وشعبا، وإعلاما أيضا، وكأن ما حدث من الأمور المعتادة، أو بدأنا نعتاد عليها، وهذا هو الخطر فى هذه القصة.
طبعا ما حدث مجرد حالات فردية، ونسبتها فى غاية الضآلة قياسا بمجمل عدد التلاميذ، وأيضا بالقياس بحالة العنف الذى استشرى فى المجتمع فى أعقاب ثورة يناير، خاصة أن مشاهد العنف باتت تقليدية أمام المواطن يشاهدها كثيرا سواء حية بجوار منزله أو عمله أو فى الطريق بينهما، أو على شاشات التليفزيون بشكل شبه دورى، لكن هذا لا يعنى أبدا أننا نوافق على ذلك أو نرتاح لضآلة النسبة، أو نترك ذلك للزمن أن يعالجه ويداويه من دون تدخل الجميع.
السؤال الذى يجب أن يشغلنا فى هذه القصة، لماذا يحدث ذلك من تلاميذ مدارس، لم يتجاوز أكبرهم الثامنة عشرة من العمر، ولماذا يتحول التلاميذ إلى قتلة بهذه السهولة، ولماذا نقبل أن يكون التلاميذ ضحايا بهذه السهولة أيضا، وهل فعلا اندثر تماما الدور التربوى لمدارسنا؟ وهل المدرس قليل الحيلة فى مواجهة تلاميذه سواء داخل قاعات الدرس أو خارجها؟ هل استطاع السادة المدرسون إنشاء منظومة تعليمية موازية.
صار من الصعب القضاء عليها؟ وفوق كل ذلك بتنا جميعا ندفع ثمن غياب التلاميذ عن المدارس وعن سيطرة المعلمين، وبعيدا عن انضباط طابور الصباح ووطنية تحية العلم، وأجواء الإذاعة المدرسية والإشادة بالمتوفقين والمتميزيين، وردع العقاب للمخالفين وغير المنضبطين؟
إن ما حدث للمؤسسة التعليمية وحده كان فى حاجة إلى ثورة، لكن على ما يبدو أن الثورة لم تصل إليها بعد، وليعلم الكافة أن نسبة لا يستهان بها من أبنائنا التلاميذ يصلون للمرحلة الإعدادية دون أن يجيدوا القراءة والكتابة، وبعضهم لا يعرف كيف يكتب اسمه.
وهذا ليس من باب المجاز أو من قبيل المبالغة، لكنه تقرير للواقع الأليم الذى نتج عن إهمال التعليم لسنوات طويلة، لذا أصبح من الطبيعى أن ينشغل هؤلاء التلاميذ، بالمشاجرات مع الآخرين، ومن ثم التعارك مع المجتمع وانتهاج الإجرام سلوكا لمواجهة مصاعب الحياة فى ظل غياب أى فرص حقيقية متاحة للتدريب والتعليم من أجل الحصول على مهنة.
التعليم قضية قومية، ويجب أن تأتى فى مقدمة اهتمامات الدولة، فلا يمكن لنا ان نصدق أن هناك نهضة، من دون نهضة التعليم، ولا يمكن أن نتفاءل بالمستقبل وتلاميذ المدارس يمارسون إجراما حتى القتل ويدرسون تسع سنوات ولا يقدرون على كتابة أسمائهم، والأخطر أن كل ذلك حاصل ولا يلتفت إليه المجتمع، ويمر وكأن ذلك من بديهيات الحياة التى يجب ألا تستوقفنا.