السبت 25 نوفمبر 2017 3:57 ص القاهرة القاهرة 17°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد تصريحات وزير المالية.. هل ترى أن زيادة أسعار السجائر تؤدي لخفض معدلات التدخين؟

جولة فى العناوين.. عن تناقضات اللحظة الراهنة فى مصر

نشر فى : الجمعة 13 أكتوبر 2017 - 9:35 م | آخر تحديث : الجمعة 13 أكتوبر 2017 - 9:35 م
فتح وحماس توقعان اتفاق المصالحة فى القاهرة، رئيس الجمهورية يفتتح العاصمة الإدارية الجديدة، القبض على الصحفى سليمان الحكيم وهدم منزله بالاسماعيلية، فرض حالة الطوارئ مرة أخرى، انسحاب مرشح الصين باليونسكو قبل التصويت فى الجولة الرابعة لصالح المرشحة مشيرة خطاب؛ كانت تلك أبرز عناوين المواقع الإلكترونية للصحف المصرية حول الساعة السادسة مساء الخميس الماضى (12 أكتوبر 2017) وهى مجتمعة تعبر بصدق عن تناقضات الواقع الراهن فى مصر.

من جهة، يحسب للأجهزة الرسمية المعنية بالملف الفلسطينى نجاحها فى الوصول بالمصالحة بين حركتى فتح وحماس إلى توقيع اتفاق القاهرة الذى تعد بنوده بإنهاء ثنائية «رام الله–غزة» القائمة منذ 2007. أضر التنازع بين السلطة الوطنية برئاسة محمود عباس فى رام الله وبين حكومة حماس فى غزة بالشعب الفلسطينى فى عموم الأرض المحتلة، وعانى منه أهل غزة أكثر من غيرهم لأن الحصار الظالم (ظالم بالحسابات الإنسانية وبحسابات القانون الدولي) المفروض على القطاع امتد دون انقطاع خلال العشر سنوات الماضية ومازال قائما. كذلك أضعف التنازع بين رام الله وغزة بشدة من الأوراق الفلسطينية فى إدارة الصراع مع سلطة الاحتلال الإسرائيلى (إن عبر عمليات التفاوض أو من خلال المقاومة)، وحال دون حضور بوصلة استراتيجية واضحة ومحل توافق وطنى توجه نضال الفلسطينيين من أجل انتزاع حق تقرير المصير. وفى ظروف التنازع بين رام الله وغزة وغير بعيد عن تقلبات الأوضاع الداخلية فى مصر منذ 2013، تأزمت العلاقة بين الحكومة المصرية وبين حماس وحلفائها من الفصائل الفلسطينية الأخرى وتعطلت قنوات الحوار بين القاهرة وغزة على نحو أضر بالمصالح المصرية والفلسطينية على حد السواء.

توقيع اتفاق القاهرة، شأنه شأن النجاح قبل أسابيع قليلة فى تشكيل حكومة الوفاق الفلسطينى برعاية مصرية، يحسب سياسيا للأجهزة الرسمية ويتسق مع حماية مصالح مصر الوطنية ويعيد الاعتبار لدورها كفاعل أساسى فى قضية إقليمية كبرى هى القضية الفلسطينية. بالمثل، يخدم دور مصر إقليميا وعالميا أن تبدو الحكومة والأجهزة الرسمية فى موقع القدرة على تنفيذ مشروعات كبرى كالعاصمة الإدارية الجديدة، وأن تتمكن الدبلوماسية المصرية من إدارة حملة ترشح السيدة مشيرة خطاب لرئاسة منظمة اليونسكو بجدية وتنافسية حافظتا على فرص المرشحة المصرية القائمة بعد جولات من التصويت وانسحابات عديدة لمرشحى دول أخرى (تكتب هذه الكلمات بعد أن انتهت الجولة الثالثة لتصويت الدول الأعضاء فى اليونسكو، ولم تزل فرص السيدة خطاب حاضرة).

***

فى المقابل، تتناقض «العقلانية الهادئة» التى أدارت بها الأجهزة الرسمية ملف «المصالحة الفلسطينية» مع أفعال وممارسات نفس الأجهزة داخل مصر. لإتمام المصالحة، كان لزاما على القاهرة الانفتاح على فتح وحماس دون تمييز والاستماع إلى وجهات النظر المتعارضة للحركتين فى حوار غير مشروط والبحث عن القواسم المشتركة بهدف بناء توافق وطنى يعيد إلى الفلسطينيين فى الأرض المحتلة «الحكومة الواحدة» القادرة على تحسين أوضاعهم المعيشية و«البوصلة الاستراتيجية الواحدة» اللازمة لإدارة الصراع مع المحتل الإسرائيلى. أما داخل مصر، فإن الأجهزة الرسمية تصر على مواصلة فرض إرادتها المنفردة على المواطن والمجتمع والدولة وعلى رفض الانفتاح على من يعبرون بسلمية عن آراء متحفظة أو معارضة للتوجهات والسياسات الحكومية. بل إن التعبير الحر عن الرأى بات يستدعى إنزال صنوف من العقاب بالمتمسكين به، والمعارضة السلمية للحكومة أضحت «جريمة» تستأهل فى الحد الأدنى التشكيك والتشويه والتخوين وتنفذها وسائل الإعلام (العامة والخاصة) المدارة أمنيا وفى الحد الأقصى التعقب والعقاب وتنفذهما مؤسسات «إنفاذ القانون»، وكل مطالبة بحوار شامل يعيد بناء التوافق الوطنى ويجنب البلاد أخطار الانزلاق إلى المزيد من العنف والتطرف صارت ينظر إليها «كمؤامرة مأجورين» يريدون الإضرار بمصر ومصالحها.

***

هكذا افتتحت العاصمة الإدارية الجديدة دون حوار مجتمعى حقيقى سبق شروع الحكومة والأجهزة الرسمية فى التخطيط والإعداد للمشروع الكبير، أو صاحب تنفيذه خلال السنوات الماضية، أو جاء مع افتتاحه الذى لم يشهد غير الإشادة الحكومية. ولأن وسائل الإعلام فى مصر أصبحت تحتكر من قبل الرأى الرسمى الواحد وتعجز عن تناول أمر كالعاصمة الإدارية الجديدة فى سياق تداول حر للمعلومات والحقائق وتشجيع لتعدد الآراء، يسلب عموم المواطنين الحق فى معرفة تفاصيل وحسابات مشروع أنفقت عليه مليارات من المال العام ويحرمون من القدرة على التقييم الموضوعى لنتائجه التنموية المتوقعة وسط الاكتفاء بالإشادة الحكومية والمبالغات الإعلامية. لا أزعم أن المردود التنموى سيغيب عن العاصمة الإدارية الجديدة، ولا أريد أن أجزم أن ملياراتها كان يتعين أن توجه إلى مجالات أخرى. فأنا شأنى شأن غيرى من المصريات والمصريين لا أعرف التفاصيل أو الحسابات، وحرمانى من معرفتها (والمعرفة حق للمواطن) يعنى تجهيلى وغياب قدرتى على التقييم الموضوعى ويعرضنى لبناء الرأى وفقا للأهواء (من مع الحكومة يظل معها، ومن يقف ضدها يستمر ضدها)، ومسئولية حرمانى من المعرفة تقع على عاتق الحكومة والأجهزة الرسمية. لذلك عندما يذكر رئيس الجمهورية أنه فيما خص العاصمة الإدارية الجديدة «يقبل النقد بشرط» الإلمام بالمعلومات والحقائق، فإنه فى السياق المباشر يغيب مسئولية حكومته والأجهزة الرسمية (وهو يشرف عليها) عن عدم إتاحة تلك المعلومات والحقائق لعموم المواطنين لكى يستندوا إليها فى بناء الرأى وكذلك مسئوليتها عن منع تبلور نقاش جاد وتعددى حول العاصمة الإدارية كان له أن يمكننا من التقييم الموضوعى للمشروع ونتائجه المتوقعة. وفى السياق الأوسع، لا يحق لرئيس الجمهورية وضع شروط «لقبول النقد»، لأن الأصل فى الدولة الحديثة هو قبول موظفى العموم (ورئيس الجمهورية هو الموظف العام الأول فى البلاد) للنقد والتعامل معه بجدية (بالمعنى السياسى) حين يكون بناء وعدم الالتفات له (وعدم الالتفات ليس كالتشكيك أو التشويه أو التخوين أو التعقب) حين يجافى الموضوعية.

***

وبذات الفرض للإرادة المنفردة، جدد رئيس الجمهورية إعلان حالة الطوارئ بعد أيام قليلة على انقضائها. وعلى الفور، انبرت أصوات أعضاء فى البرلمان للدفاع عن «تجديد الطوارئ» دون انتظار للنقاش وبناء الرأى داخل أروقة البرلمان وفقا لما ينص عليه الدستور. وعلى الفور، انبرت أصوات «أصحاب المساحات» فى وسائل الإعلام العامة والخاصة لتبرير «تجديد الطوارئ» وتبنى الرأى الرسمى الواحد دون انفتاح على الآراء المغايرة التى تحذر من تداعيات الطوارئ على حكم القانون وصون حقوق وحريات الناس (تشكيل محاكم أمن الدولة العليا طوارئ مثالا) وترى إمكانية للمزج بين مواصلة الجهود الأمنية والتنموية للقضاء على الإرهاب وبين حماية المواطن والمجتمع والدولة من حالة الطوارئ الممتدة (وتلك خبرناها طوال عقود حكم الرئيس الأسبق مبارك). وإذا كان ترشح السيدة مشيرة خطاب لرئاسة اليونسكو يعيد شيئا من البريق العالمى لدور مصر، مثلما تعيد له المصالحة الفلسطينية البريق الإقليمى، فإن الترشح للمنصب الأرفع فى المنظمة الأممية المعنية بالتربية والعلوم والثقافة والذى أتمنى للسيدة خطاب نيله يتعارض مع تعقب الأجهزة الرسمية لمن يعبرون بسلمية عن تحفظهم أو معارضتهم للتوجهات والسياسات الحكومية. سلب حرية الصحفى سليمان الحكيم، ومن قبله عديد المواطنات والمواطنين المتمسكين بالتعبير الحر عن الرأى وشأن ذلك السلب هنا هو شأن ممارسات قمعية أخرى كإغلاق بعض المكتبات وبعض دور النشر وإنزال العقاب بأصحابها، يقف فى موقع التناقض مع ترشح مصر لرئاسة منظمة أممية لا تقوم للقيم التى تتبناها فى مجالات التربية والعلوم والثقافة قائمة دون حرية الفكر وحرية التعبير عن الرأى.

أعيدوا حساباتكم.
عمرو حمزاوي أستاذ مساعد العلوم السياسة بجامعة القاهرة وعضو سابق في مجلس الشعب درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات