الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 2:08 م القاهرة القاهرة 28.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

رفقًا بالدستور يا أسيادنا

نشر فى : الأربعاء 13 ديسمبر 2017 - 9:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 13 ديسمبر 2017 - 9:15 م
مرة أخرى تتحرش السلطة التنفيذية بالدستور ومبادئه المستقرة، وتسعى إلى تعديل تشريعى جديد يضاف إلى قائمة القوانين سيئة السمعة والقصد، التى ابتلتنا بها هذه السلطة ومعها السلطة التشريعية التى غالبا ما تزايد على الأولى فى السعى إلى إصدار كل ما يتعارض مع الدستور والحقوق والحريات الأساسية.
فقد أحالت الحكومة إلى مجلس النواب اقتراحا بتعديل المادة 268 من قانون الإجراءات الجنائية التى تنظم مبدأ علانية المحاكمات باعتبارها ركنا أساسيا من أركان المحاكمة العادلة.
يقول نص الاقتراح الحكومى المعروض الآن على لجنة الشئون التشريعية والدستورية فى مجلس النواب:
«حظر نقل وقائع الجلسات أو بثها بأى طريقة كانت إلا بموافقة كتابية من رئيس الدائرة»، أى أن التغطية الإعلامية لجلسات المحاكم أصبحت محظورة إلا أن يرى القاضى غير ذلك، يتساوى فى هذا الحظر جنح المخالفات المرورية وجرائم التجسس والخيانة العظمى، مع أن الأصل فى المحاكمات هو العلانية، وبالطبع لا علانية حقيقية بدون إعلام.
ولا يمكن لعاقل أن يراهن على مجلس النواب من أجل التصدى لهذا الانحراف التشريعى لأن كل التجارب السابقة تقول إن البرلمان يقر، بل ويزايد على كل ما تريده السلطة التنفيذية من تشريعات مقيدة للحريات ومخالفة للدستور، بدءا من قانون الجمعيات الأهلية الذى لم تصدر لائحته التنفيذية ولم يتم تطبيقه حتى الآن، لأن الحكومة عاجزة عن إقناع العالم بأنه يحترم حقوق الإنسان وحرية المجتمع المدنى، وصولا إلى إقرار اتفاق التنازل عن جزيرتى تيران وصنافير للسعودية، مرورا بقانون «رؤساء الهيئات القضائية» وقانون «رؤساء الأجهزة الرقابية» وغير ذلك الكثير.
الحقيقة أن هذا المستوى فى انحراف الفكر التشريعى لدى السلطة القائمة فى البلاد الآن هو «التطور الطبيعى للحاجة الساقعة» كما تقول العبارة الساخرة، الدارجة، حيث بددت السلطة كل ما حققه المجتمع من مكاسب على صعيد الحقوق والحريات والحكم الرشيد، بدءا بانتخاب القيادات الجامعية وصولا إلى بث جلسات البرلمان. فبعد أن كنا نتابع جلسات محاكمة مبارك ورجاله فى جرائم الفساد وقتل المتظاهرين على الهواء مباشرة، وبعد أن كان الشعب يتابع أداء نوابه فى برلمان 2012 على الهواء مباشرة، وصلنا إلى درجة اقتراح «حظر نقل وقائع الجلسات أو بثها بأى طريقة كانت إلا بموافقة كتابية من رئيس الدائرة»، وسبقه حظر بث جلسات مجلس النواب، مهما كانت خطورة القضايا التى يناقشها، وكأن هذا البرلمان وما يجرى فيه عورة يجب ألا يراها الشعب.
ولا أدل على مدى انحراف الفكر التشريعى لصاحب التعديل المقترح من منطوق حكم محكمة النقض الصادر عام 1931 الذى يقول: «ليست المحكمة ملزمة بإجابة طلب جعل الجلسة سرية مادام لم يكن هناك سبب يستوجب ذلك فى القانون»، أى أن العلانية هى الأصل وهى حق للمجتمع لا يجب حرمانه منه إلا فى حالات معينة يحددها القانون. 
إن حظر التغطية الإعلامية لجلسات المحاكم يجعلها سرية حتى لو تم السماح لبضعة أشخاص بالحضور فى القاعة، وهذا الحظر سيفتح بابا واسعا أمام التشكيك فى عدالة ونزاهة إجراءات المحاكمات، سواء بالحق أو بالباطل، لا سيما أن تغطية جلسات المحاكم هى الأصل فى مصر والعالم منذ عرفت البشرية الصحافة وعرفت المحاكم الحديثة، فكيف يأتى من يفكر فى جعل الحظر والمنع هو الأصل؟
إن إقرار هذا التعديل التشريعى المنحرف عن الدستور وعن المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، سيكون إضافة جديدة لملف مصر الأسود فى مجال حرية الإعلام وحرية تداول المعلومات وإساءة لمنظومة العدالة فى مصر أمام العالم، وكأن صورة مصر تحتاج إلى المزيد من التشويه، بعد أن أصبحت تحتل المركز 161 من بين 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة، وأصبح ملفها الحقوقى ضيفا دائما على اجتماعات المجلس الدولى لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
التعليقات