الجمعة 21 سبتمبر 2018 11:00 ص القاهرة القاهرة 28.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

الحب والبيزنس

نشر فى : الثلاثاء 14 فبراير 2017 - 10:05 م | آخر تحديث : الثلاثاء 14 فبراير 2017 - 10:05 م
كنت شابا يعتقد مثل كثيرين أن النظرة الأولى تكفى وحدها لإشعال فتيل علاقة حب. غنينا لها وكتبنا عنها أحلى القصص وعشنا بفضلها حبا بعد حب كان الظن أن كل حب منها هو الأصدق والأبقى لنكتشف بعد قليل أو كثير أنه كان حلما إن لم يكن وهما. عرفنا مع الوقت ومن تجارب عركتنا أن الحب حكاية مختلفة عن الحكايات التى صاغتها خيالاتنا ونحن صغار. عرفنا أنه مثل أى علاقة أخرى بين شخصين تحتاج لتنجح إلى توافر شروط عديدة، ولكنه العلاقة الوحيدة التى لا يمكن أن تستمر يوما آخر إذا فقدت فجأة عنصر الثقة أو لم تحقق لصاحبيها راحة البال وسلام الروح.

***

راحة البال وسلام الروح. عرف بأمرهما أو سمع بهما أو قرأ عنهما مدير إقليمى لإحدى الشركات الكبرى لصناعة السيارات. بلغه أيضا، كما بلغ الكثيرين من قبله ومن بعده، نبأ أنه بالحب يصنع الإنسان المعجزات. تصور الرجل، وربما عن حق، أن المصافحة اليدوية يمكن أن تجعل طرفى علاقة ينفران من بعضهما أو يزدادان تعلقا ببعضهما البعض. أراد أن يزيد المبيعات فكلف أستاذا يحاضر فى علم النفس بجامعة مانشستر بتخطيط دراسة ميدانية عن الشروط الواجب توافرها لتؤدى المصافحة اليدوية بين البائع والمشترى وظيفتها على أحسن وجه. كان المدير واضحا فى رسالة التكليف. يريد أن تكون المصافحة اليدوية أداة لتحقيق راحة بال المشترى تماما كما هى فى الحب دليل تعارف ومصدر ثقة.

***

لم تكن مصادفة اختيار المدير الأستاذ جوفرى لأداء هذه المهمة فهو المتخصص لفترة فى دراسة سلوكيات الأفراد الغاطسين فى علاقة حب. كان يؤمن، كما آمنت أنا شخصيا فى وقت من الأوقات، بأنه من الحب يمكن أن نشتق أصدق المشاعر ونقتبس أعظم السلوكيات والأخلاقيات ونردد أحلى الكلمات ونكتب أعذب شعر ونصوغ أجمل الألحان أو نستمتع بها. بدأ الأستاذ تنفيذ الدراسة بأن راح يختلط بالعشرات من مختلف الأعمار ويستمع إلى مئات الطلبة والطالبات فى الجامعة التى يدرس فيها وجامعات أخرى. اقترب خصيصا من أفراد عديدين يعيشون علاقة حب قبل أن يقدم خلاصة دراسته وتوصياته لما يجب أن تتحلى به وتلتزم المصافحة باليد.

***

كانت نصائح الأستاذ جوفرى واضحة وصريحة وعديدة كذلك. نصح بأن تصافح بيدك بينما عينك لا تفارق عين من تصافح. لا تزوغ ببصرك إلى جهة أخرى أو شخص آخر. هى لحظة بناء الثقة فلا تدعها تفلت لأنها لو افلتت فلن تستعيدها لك مصافحة أخرى. الطرف الآخر، وبخاصة إن كان امرأة، لن يغفر لك ما حييتما استدراج يده أو يدها بينما عينك مهتمة بشخص أو شىء آخر. أما النظرة فيجب أن تكون فوق مستوى الشبهات، لا هى من النوع الشره والهاتك للأستار ولا هى من النوع البارد فلا تكون أو تكونى كالناظر إلى فضاء لا حياة فيه ولا جمال.

***

شبان كثيرون يعتقدون أن المبالغة فى الانبهار حقا أو تهويلا بجمال ومحاسن الطرف الآخر أثناء المصافحة اليدوية يقصر المسافة بين الطرفين. يسود أيضا بين بعض الرجال اعتقاد بضرورة إغراق المرأة فى الثناء وامتداح محاسنها فى أول لقاء وأول مصافحة. تقول الدراسة إن المبالغة فى الانبهار والخروج عن واجبات اللياقة فى اختيار الكلمات ومواقع المحاسن وعدم مراعاة وجود أطراف أخرى متصنتة ومراقبة، كلها وغيرها قد تفسد المصافحة اليدوية. ما لا يعرفه أكثر الشبان، وفى ظنى كثير من الرجال أيضا، هو أن المرأة صغيرة كانت أم أكبر قد تسعد بكلمة واحدة ولكن صادقة أكثر مما تطرب لقصيدة غزل.

***

جرت العادة على أن ترافق المصافحة اليدوية ابتسامة يتبادلها طرفا المصافحة. ما لا يدركه أكثر المصافحين أن ليست أى ابتسامة بالضرورة ناجعة. هناك الابتسامة البلاستيكية التى تسىء أكثر ما تفيد. وهناك الابتسامة التى نرسمها أحيانا على جانب واحد من جانبى الفم، هذه أيضا ضررها أكثر من نفعها. الابتسامة التى تشيع البهجة وتنشر الثقة وتدفئ القلب هى تلك التى تساهم فيها العينان والخدان والفم كاملا. هى تلك التى تتفاعل تلقائيا مع المصافحة اليدوية فيقدمان معا نفحة عطرة من الرضاء النفسى وتعبران معا عن سعادة مشتركة باللقاء ويلمحان معا إلى رغبة فى التواصل.

***

يحذر الأستاذ، وأشاركه فى توجيه التحذير للصغار خصوصا قبل الكبار، من مد يد رطبة أو مبتلة أو لزجة أو، وهو الأسوأ، يد تقطر حبات من العرق لتصافح، أو لتصافحين، بها يدا أخرى ممدودة للمصافحة. يحذر أيضا وأشاركه التحذير، من القبض بحزم وقوة على اليد الممدودة والإبقاء عليها معتقلة لفترة أطول من اللازم. حذار من أن تصافح، أو تصافحى، الغرباء بيد رخوة لا تقول شيئا. رجاء للمرأة، لا تسحبى اليد بشكل مفاجئ قبل إتمام المصافحة، عملا بالقاعدة الأخلاقية التى تفترض أن المصافحة اليدوية بريئة من كل نوايا سيئة حتى يثبت العكس فلا تكون المبادر ولا تكونى المبادرة بإعلان سوء الظن وإثارة الشكوك فى نوايا صاحبة أو صاحب اليد الأخرى.

***

نصيحة غالية. لا تذهب بيدك بعيدا فى طلب اليد الأخرى فتقترب أكثر من اللازم من جسم من تنوى مصافحته، أو مصافحتها. وبالعكس لا تبقى يدك مغلولة إلى جسمك فتجبر اليد الأخرى على الاقتراب من جسمك إلى مسافة تتسبب فى إحراج صاحب أو صاحبة اليد. تذكر دائما أن المرأة تفضل أن تعقد لقاءاتها المبكرة بطرف ارتاحت إليه على أرض تخالها محايدة ومواقع تريدها متوسطة. تذكرى أنت أيضا أن الرجل أسرع من المرأة فى توهم أغراض لدى الطرف الآخر وأسرع فى التقاط مؤشرات تقترب مما يدور فى مخيلته. أما المرأة ففى الغالب تكون أكثر حذرا وبطئا وواقعية.

***

قالوا إن اللجوء لعادة المصافحة باليد بدأ مع خوف الأولين من أن يكون الآخر حاملا لسلاح يخفيه وراء ظهره. قيل أيضا إن المصافحة باليد جاءت لتحل محل القبلة، سواء القبلة بالفم أم قبلة الاسكيمو بالأنف، وهى المتداولة بين الرجال فى بعض البلاد العربية وبخاصة بلاد الخليج. يذهب كثير من علماء الأجناس إلى أن الأصل فى القبلة هو الرغبة فى التعرف على الطرف الآخر من خلال الشم حين كانت رائحة الجسد الطريق الآمن والسريع للتعرف على هوية الغريب. الرائحة كانت بصمة القدماء باعتبار أن اثنين لا يشتركان فى رائحة واحدة، هذا على الأقل ما تتداوله كتابات قديمة وتشير إليه الكاتبة Sheril Kirshenbaum.

فى كتابها «علم التقبيل». تقول شيريل إن الناس لم تتوقف عن ممارسة عادة التعرف على الآخر عن طريق الشم إلا عندما نطقوا وصارت لهم لغة يتعارفون بواسطتها.

***

رغم فصاحتنا وطلاقتنا فى الكلام وإجادتنا فنون الخطاب العاطفى تبقى الرائحة إلى يومنا هذا بين العناصر الأهم فى التقارب والتنافر فى الحب. نعرف، الصغار قبل الكبار، أن رائحة دموع المرأة كافية وحدها لإطفاء جذوة رجل يحب، وأن المرأة لا يمكن أن تنسى رائحة رجل مهما طال فراقهما أعواما كانت أم عقودا.
جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.