فى التاسعة من صباح الأربعاء الماضى، وصلت إلى قصر الاتحادية بدعوة كريمة من مؤسسة الرئاسة لحضور لقاء رئيس الجمهورية مع ممثلى فئات المجتمع المختلفة تحت عنوان لقاء «الأسرة المصرية».
قبل اللقاء مع الرئيس التقى المدعوون وعددهم ١٠٧ أشخاص برئيس الوزراء ووزير الدفاع ووزير الخارجية واللواء خالد فوزى رئيس جهاز المخابرات العامة ومحمد فائق رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان والدكتور مفيد شهاب الخبير القانونى الدولى البارز واللواء محسن حمدى.
خلال اللقاءات قابلت العديد من كبار المسئولين وبعضهم وجه لى عتابًا شديدًا، لأننى انتقدت الحكومة فى إدارتها لملف المفاوضات التى سبقت التوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية والتى انتهت إلى إقرار الحكومة المصرية بسيادة المملكة على جزيرتى تيران وصنافير.
أحد المسئولين قال إن الحكومة أعلنت بوضوح فى إعلان القاهرة عقب زيارة محمد بن سلمان ولى العهد السعودى فى يوليو الماضى عن الاتفاق على بدء حسم قضية ترسيم حدود البلدين، وأنه ليس منطقيًا أن يكون هذا الأمر علنيًا، لأنه فى هذه الحالة كان الجدل الدائر الآن سيستمر ثمانية أشهر، وبالتالى فإن وجهة نظر الحكومة أن دورها تنفيذى أى التوصل إلى اتفاق، وبعدها يبدأ المجتمع فى المناقشة ثم يحسم البرلمان الجدل بعد الاطلاع على كل التفاصيل.
هى وجهة نظر تستحق الاحترام، لكنها ليست بالضرورة تستحق القبول والتسليم الفورى، لسبب بسيط، هو أن الخسارة التى تكبدتها الحكومة والمجتمع جراء هذه القضية كبيرة جدًا، وستكون مأساة إذا لم تكن الحكومة قد أدركت ذلك.
فى السياسة الأمور لا تقاس دائمًا بالصح المجرد أو الخطأ المجرد، بل بالنتائج على الأرض وكيفية توظيف العناصر المختلفة للوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة.
حينما استمعت إلى مداخلات كبار المسئولين صباح الأربعاء الماضى من وزراء ورئيس حكومة ورئيس الجمهورية، اتضحت لى بعض النقاط الغامضة فيما يخص قضية الجذر، وهى بالمناسبة ليست كلها ذات طبيعة قانونية، لأن هذه القضية تتداخل فيها عناصر كثيرة.
مرة أخرى وربما ليست أخيرة، المشكلة الأساسية كانت طريقة تعامل الحكومة مع الأمر، ووصل إلى البعض قناعة ــ حتى لو كانت خاطئة ــ خلاصتها أن الحكوة تريد التغطية على شىء ما، وهو الأمر الذى تكرر فى قضايا أخرى كثيرة فى الفترة الماضية.
من حق الحكومة والأجهزة ورئيس الجمهورية أن يشتكوا من بعض مظاهر الإعلام المنفلت والعشوائى وغير المهنى، طبقًا لما سمعناه من الرئيس.
قال لى مسئول كبير عقب اللقاء إن الإعلام هو المتهم الرئيسى أيضًا فى قضية ريجينى.
حسنًا: والسؤال موجه إلى الحكومة هذه المرة، وهل قدمتم أنتم أى معلومات صحيحة، والإعلام تقاعس عن نشرها؟
كل بيانات وزارة الداخلية عن قضية ريجينى تم «نشرها وفردها وبروزتها» فى غالبية الصحف والمواقع الإلكترونية والفضائيات.
لكن ماذا كان سيفعل الإعلام مع البيانات والتسريبات الغامضة والغريبة التى كانت تأتيه من مصادر مختلفة؟!
الشاهد الزور الذى قال إنه رأى ريجينى يتشاجر مع آخر أوروبى أمام القنصلية الإيطالية، ثم تبين أنه كاذب لم يخترعه الإعلام. وقصة عصابة الخمسة التى قتلتها الشرطة، لم يخترعها الإعلام أيضًا.
هناك مسئولية مؤكدة وكارثية لدكاكين إعلامية تصدر وتبث من «بير السلم» وأحيانًا من مؤسسات كبرى تسىء للدولة وللحكومة أكثر كثيرًا مما يفعل أعداؤها.. فلماذا لا نبدأ فى التخلص من هذه البؤر الإجرامية؟!.
الحل من وجهة نظرى سهل وبسيط للقضاء على أى خلل فى المنظومة الإعلامية، وهو المسارعة بإصدار قانون الإعلام الموحد بمجالسه وهيئاته المختلفة، ثم إصدار قانون تداول المعلومات. والخطوة الأهم هى تفعيل القانون وتطبيقه على الجميع، وليس على شخص دون آخر. أظن أنه لو حدث ذلك فسيتم حل أكثر من تسعين فى المائة من مشاكل الإعلام فى مصر، بل إن «صحافة بير السلم» ستموت وقتها بالسكتة القلبية أو الدماغية أو كليهما!
نعم هناك متربصون بالحكومة والدولة، وهناك متطرفون وظلاميون وإرهابيون، وتحديدات خطيرة تواجه مصر. لكن السؤال هو: لماذا ترتكب الحكومة أخطاء مجانية كى تساعدهم؟!