الجمعة 21 سبتمبر 2018 10:39 م القاهرة القاهرة 26.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

سؤال المصير

نشر فى : الإثنين 14 يوليو 2014 - 5:35 ص | آخر تحديث : الإثنين 14 يوليو 2014 - 5:35 ص

فى كل عدوان إشارة إلى آخر يليه

قبل ثمانية أعوام بالضبط اجتاحت الآليات الإسرائيلية الجنوب اللبنانى باستعراضات قوة تصورت أنها فى نزهة قتال تحقق أهدافها تحت أضواء الكاميرات غير أنها فوجئت بمقاومة نوعية لم تتحسبها تدريبا وتسليحا فاقت معلوماتها الاستخباراتية.

ثبت فى أحراش الجنوب أن هناك حدودا للقوة يفضى تجاوزها إلى هزائم ميدانية مهينة.

وطأة الإهانة نالت بقسوة من معنويات الجيش الإسرائيلى وتواترت الشهادات تؤكد عمق جراحها ورغم ذلك فإن الجيش نفسه دخل تجربة مماثلة فى غزة بعد عامين لقى فيها إهانة أخرى.

فى موقعتى «الجنوب اللبنانى» و«غزة» عامى (٢٠٠٦) و(٢٠٠٨) بدا العالم العربى مترنحا نظمه شاخت وسياساته رهنت فى البيت الأبيض وكل شىء ينذر بسقوط قريب.

فى المرتين كان هناك غطاء عربى رسمى للعدوان وغضب شعبى مضاد واكتسبت المقاومة رمزيتها فى عالمها العربى قبل أن تتراجع أوزانها الكبيرة بأخطاء كامنة فى بنيتها السياسية.

وفى المرتين تصدر تفكير عسكرى جديد ميادين القتال يعتمد فى وقت واحد على فنون حرب العصابات التى لا تقدر عليها الجيوش النظامية وتقنيات صاروخية متقدمة نسبيا فى مواجهة فارق القوة والتسليح.. وكان ذلك تطورا جوهريا استدعى إسرائيليا بناء منظومة دفاع أكثر تقدما للتصدى لأى هجوم صاروخى محتمل أطلق عليها «القبة الحديدية».

بشىء من التلخيص الميدانى للمواجهات الجديدة فإن تلك «القبضة» صدت بعض الصواريخ وأفلت بعضها الآخر واصلا إلى أهدافه الحساسة فى العمق الإسرائيلى، وكان ذلك كافيا وزيادة لإثبات خرافة نظرية «الأمن المطلق».

التفكير الإسرائيلى يميل تاريخيا وتقليديا إلى تبنى هذه النظرية والعمل بمقتضاها رغم أنه تأكد دوما أن الأمن المطلق خرافة مطلقة.

فى تزكية الخرافة الأمنية اعتمدت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على بطش القوة ولغة القتل وهدم البيوت وارتكاب جرائم ضد الإنسانية وثقتها تقارير أممية فى عدوانى جنوب لبنان وغزة المتتاليين دون خشية عقاب أو مساءلة وفق القانون الدولى.

يستهدف العدوان الإسرائيلى الجديد على غزة ضمن ما يستهدفه تأكيد أن بوسع الدولة العبرية استخدام الحد الأقصى من القوة فى الوقت الذى تحدده وللأسباب التى تراها لتحقيق أمنها المطلق دون أدنى تحسب أو اعتبار لأى أطراف أخرى.

بترجمة سياسية فاستخدام القوة على هذا النحو الواسع أهدافه محلية لاكتساب نقاط سياسية قبل أى حسابات واعتبارات أخرى، فـ«حماس» لم تكن تمثل تهديدا جديا لإسرائيل بعد «اتفاقية التهدئة»، التى عقدت برعاية الرئيس المصرى الأسبق «محمد مرسى»، وهى الاتفاقية التى استدعت بنودها ترحيبا أمريكيا ودوليا لا نظير لحماسه. ورغم أية ذرائع فإن مستويات العنف غير مبررة على أى نحو إلا أن تكون بلطجة القوة هى التبرير نفسه. وإذا كان الهدف قطع الطريق على الوحدة الفلسطينية المحتملة فحكومة الوفاق الوطنى حتى هذه اللحظة أقرب إلى المشروع العام لا الإنجاز المحقق.

غزة مازالت تحكمها «حماس» والوحدة شبه رمزية والقرارات الرئيسية فى المواجهات الجارية تصدرها الحركة لا الحكومة.

إسرائيل تدرك الحقائق ولا تخشى حكومة الوفاق لذاتها، فالمعادلات السياسية على حالها السابق وإنما تخشى الشعب الفلسطينى نفسه وأن تفضى أزماته إلى إعادة اعتبار فكرة «وحدة الشعب والقضية». هذه الوحدة جوهر العمل الفلسطينى على مدى عقود طويلة قبل أن تفضى «أوسلو» وما بعدها إلى سلام بلا أرض ومقاومة بلا أفق واحترابات داخلية مهلكة.

فى الأغلب فإن الحكومة الإسرائيلية تصورت أن اللحظة مواتية لتصفية حسابات وترتيب أوضاع قبل أن تستبين الصورة الأخيرة لبراكين النار فى المشرق العربى.

فكرة المفاوضات مستبعدة الآن سواء شاركت «حماس» فى الحكومة أو أخرجت منها وكل شىء معلق على نتائج ما يحدث فى المشرق المشتعل.

المستقبل المصرى نفسه معلق على تلك البراكين ونتائجها.

إسرائيل تكاد أن تستغرقها نشوة اللحظة، فالعالم العربى يحترق مشرقه ودوله مرشحة للتقسيم وفق خرائط جديدة كأن هناك اتفاقية «سايكس بيكو» جديدة بعد نحو مائة عام على توقيعها.

براكين المشرق العربى تفضى عمليا فى أكثر السيناريوهات ترجيحا إلى تمكين إسرائيل من قيادة المنطقة على أطلال دولها الحالية، فالعراق الدولة العربية الأكبر والأهم فيه توشك أن تنقسم إلى ثلاث دويلات شيعية تلتحق استراتيجيا بإيران وسنية من المرجح أن تكون مركزا للجماعات التكفيرية وكردية تؤسس لدولة أكبر تضم أكراد تركيا وإيران وسوريا.

كل دويلة مشروع صدام إقليمى أو مذهبى وعواقبه مرعبة.

وسوريا التى توصف تقليديا بقلب العالم العربى تكاد تتمزق تحت وطأة حرب إقليمية بالوكالة تسود مدنها وقراها. المعارضة المدعومة أمريكيا تقوضت بصورة شبه كاملة وباتت مدعاه لسخريات علنية من الرئيس»باراك أوباما» نفسه. نجح نظام «بشار الأسد» فى توطيد حضوره السياسى والعسكرى ويكاد يتلخص الصراع المسلح بين الجيش السورى النظامى وقوات «داعش» التى سيطرت على مساحات مؤثرة من الأراضى السورية ونجحت فى إزالة الحدود مع العراق وإعلان الدولة الإسلامية التى ليس من بين أهدافها مقاتلة إسرائيل، حسبما أعلنت بنفسها.

هذا وضع انقلابى فى قواعد اللعبة سياسة وسلاحا ومصيرا.

وبغض النظر عن نظريات المؤامرة فإن إسرائيل الرابح الأكبر فيما يجرى بالمشرق العربى ومصلحتها تقتضى أن تبتعد عن مشاهده المشتعلة بالنار فحضورها يدعو إلى طرح التساؤلات وإحراج الأصدقاء والأعوان.

لماذا أطالت إذن على المشاهد المشتعلة بألعاب نيران أخرى فى غزة؟

ببساطة لأنها لا ترى أمامها عالما عربيا تخشاه، تستطيع أن تضرب وتؤكد أن قوتها حاضرة دون كلفة سياسية فأقصى ما تتوقعه نداءات تناشدها التوقف عن العدوان واجتماعات عاجلة لوزراء الخارجية العرب لا تتخطى بياناته ما هو شائع ومعتاد ومتكرر ودون أن يخامرها شك فى دعم أمريكى وأوروبى مضمون ومفتوح يضفى شرعية دولية على عملياتها ويدين الضحايا دون توقف أمام أن أغلبيتهم الساحقة مدنيون دكت الطائرات بيوتهم.

شىء من الاستهتار المعلن بالعالم العربى ومصر فى أوله، فهى الدولة العربية الأكبر والأهم وغزة قضية مصرية بأية معايير لها صلة بمصالحها العليا وأمنها القومى.

من هذه الزاوية فإن العدوان على غزة اختبار رئيسى للرئيس المصرى «عبدالفتاح السيسى» والرهانات عليه فى أن يعود بمصر إلى شىء من أدوارها.

فى الاعتداءات السابقة كان الرهان الإسرائيلى على «وحدة المصالح» التى تجمعها مع نظم عربية، أن تضرب دون توقع ردات فعل أو أن تأتى خافتة وفى بعض الحالات توفر الغطاء العربى للعدوان. هذه المرة أسوأ فالعالم العربى لا يخشى غضبه ولا يرتجى رضاه، كأنه حذف تماما من فوق خرائطه السياسية.

رغم كل ظروفها الصعبة فالعين العربية على مصر والقضية الفلسطينية رغم تراجعها بقسوة تظل ميزان المنطقة الذى يضبط المواقف ويحكم عليها.

بجملة أخرى فمصر فى نطاق النيران المشتعلة ومصيرها يتقرر فى المشرق العربى وخرائطه الجديدة المحتملة والعدوان على غزة إشارة إلى نوع المصير.