السبت 25 نوفمبر 2017 3:48 ص القاهرة القاهرة 17°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد تصريحات وزير المالية.. هل ترى أن زيادة أسعار السجائر تؤدي لخفض معدلات التدخين؟

من فقراء مصر إلى الصين: أغيثونا

نشر فى : الجمعة 15 سبتمبر 2017 - 10:20 م | آخر تحديث : الإثنين 18 سبتمبر 2017 - 8:35 م

والله ولعبت يا زهر وتبدلت الأحوال.. يود كل مسؤول في مصر أن تحقق تلك الأغنية الأمنية لكل مصري رقيق الحال بين عشية وضحاها. ويعزز أمانيه بإرث من الأدبيات الاقتصادية الغربية التي تعد بأن سنوات من النمو المرتفع المتواصل كفيل بتبديل الأحوال. ولكن، طال المطال.

 

يعرف المسؤولون جيدا أين يتركز الفقراء. في أي القرى في الريف وفي أي الشياخات في الحضر. ورغم البرامج المخصصة لرفع مستوى معيشة أولئك الفقراء، لا ينفك عددهم في الزيادة. وهكذا زاد الفقر بشكل متواصل منذ بداية القرن الواحد والعشرين، وعلى مدى عقدين. أدت السياسات الاقتصادية والاجتماعية إلى تضاعف نسبة الفقر من ١٦٪ من السكان إلى أكثر من ثلث السكان. أي أن واحدا من كل ثلاثة مصريين صار يجد بالكاد الحد الأدنى من الطعام والشراب والكساء اللازم لبقائه على قيد الحياة. ومن المتوقع أن يبلغ هذا الحد ٧٠٠-٨٠٠ جنيه في الشهر، بدلا من ٤٨٠ قبل التعويم. وإذا ما توسعنا في تعريف الفقر قليلا، ليشمل تكلفة الصحة والتعليم والمواصلات، تزداد نسبة الفقراء إلى ما يزيد عن نصف المصريين. ٤٥ مليون مصري ينتظرون أن يلعب الزهر. فلماذا تفشل سياسات محاربة الفقر في محاربة الفقر؟

 

على مبعدة من مصر، في الصين، هناك أيضا ٤٥ مليون مواطن ينتظرون. مثل فقراء مصر، يتركز معظمهم في جيوب قليلة في الريف. في عدد معلوم من القرى. في مصر، يقع نصف القرى الفقيرة في الصعيد، ونصفهم في محافظتين أو ثلاثة. مثل فقراء مصر، هم محرومون من الطعام الكاف والشراب الصحي، ومن الطرق ومن المدارس ومن الرعاية الصحية ومن فرص العمل. ولكن على خلاف مصر، في الصين، هذه هي الخطوة الأخيرة في مشوار الألف ميل.

 

 بدأت الصين من عام ١٩٧٨ في تبني سياسة الحد من الفقر. كان وقتها نسبة الفقراء في الصين تبلغ ٨٠٪ من السكان. قبل هذا التاريخ، كانت الصين تملك -مثل مصر اليوم- برامج هنا وهناك للدعم النقدي والعيني، أقل من أن تغني من جوع، أو تكفل حياة أفضل. أما بعد هذا التاريخ، فكانت البداية بتحسين دخول المزارعين بفضل العقود التي كفلتها لهم الدولة.

 

وفي عام ١٩٨٦، أنشأت الصين لرسم ومتابعة هذه السياسة المتكاملة لجنة متخصصة برسم السياسات ومتابعتها ولتقييمها وتعديلها. فكانت القفزة الثانية في تقليص عدد الفقراء.

 

واليوم بعد أقل من أربعة عقود استطاعت الصين رفع عدد يقدر بين ٤٠٠ مليون و٨٠٠ مليون نسمة  فوق خط الفقر المدقع (التقدير الأعلى هو الرقم الصيني الرسمي، وهو يمثل حوالي عشرة أضعاف تعداد السكان في مصر). ولم يتبق لديها سوى ٤٥- ٧٠ مليون فقير تتعهد بأن تحسن أحوالهم خلال الأعوام الثلاثة القادمة (أو مائة مليون نسمة بحساب البنك الدولي).

 

تتكلم الصين عن المعدمين، أي ما يسميه الاقتصاديون الفقر المدقع (أي أولئك الذين يعيشون في الصين على ما يشتريه مبلغ ١.٩ دولار بأسعار أمريكا، وفقا لتعريف البنك الدولي، ولكننا في مصر نتحفظ على حساب نسبة الفقر باستخدام نفس المعيار منذ حوالي عشرين عاما، ونرتضي معيار فقر الاحتياجات الأساسية، فلا نتمكن من مقارنة وضعنا الحقيقي بالدول الأخرى).

 

النمو الرأسمالي أم دور الدولة؟

 

الملاحظة الأولى: لم تكتف الصين بترديد مقولة الاقتصاد الرأسمالي الكلاسيكي أن النمو المرتفع المتواصل من شأنه أن يقلص أعداد الفقراء عبر الأثر الناتج عن آلية تساقط ثمار النموtrickledown .

فقد نمت الصين خلال العقود الأربعة الماضية بمتوسط نمو قدره حوالي ١٠٪، لتصعد من الترتيب السادس عالميا إلى موقع الوصيف، أي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وهو ما كان ينبغي أن يكفل في حد ذاته تقليص الفقر. وهذا ما يردده بالفعل بعض منتقدي التجربة الصينية: أن الصينيين قضوا على الفقر بأنفسهم، عن طريق ترك بلداتهم الفقيرة والالتحاق بالمدن التي نمت وتطورت بفضل القطاع الخاص.

وأرى أنه لو لم تهتم الصين بالحد من الفقر كمحور رئيسي في استراتيجية التقدم، لتصاعدت نسبته، ولما تمكنت أصلا من تحقيق النمو المرتفع. ولنا في مصر عبرة، فقد أدى عدم الاهتمام بالحد من الفقر إلى نتيجتين: أولا عدم القدرة على النمو المتواصل المرتفع. حيث يتسم النمو بأنه عبارة عن دورات من النمو الذي لا يتجاوز خمسة سنوات يعقبها ركود. وثانيا: يتزايد الفقر حتى في سنوات النمو، بالرغم من انخفاض البطالة خلال تلك السنوات.

ويشير تقرير حديث أعدته منظمة الأمم المتحدة عن التمويل المستدام لسياسات الحد من الفقر في الصين كيف عمدت إلى سياسات متكاملة عمادها دور الدولة وإعادة توزيع الموارد التي تحصلها من الضرائب لتمويل خطة القضاء على الفقر.

 

الملاحظة الثانية: بدلا من البكاء على عدد السكان الكبير ووسم الفقراء بالكسالى والجهلة والطماعين، شرعت الدولة في مواجهة الحقيقة: تفشي الفقر هو بسبب تقصير من الدولة تجاه تلك المناطق. وبمعنى أدق: ضعف تكافؤ الفرص الذي يجب على الدولة أن تكفله. والدليل على ذلك تركزه في مناطق جغرافية بعينها، هي كلها محرومة من الوحدات الصحية ومن المدارس ومن الطرق التي تربطها بالمراكز الأفضل حالا، ومن فرص العمل اللائقة.

أما في مصر، فقد تركنا آلية التساقط تعمل عملها.. فسقطت.

 

ولنا في قرية أبو حميد مثالا: تقع القرية في محافظة الجيزة.. خطوتان من القاهرة ومن ٦ أكتوبر. وليس بها مدرسة إعدادية أو ثانوية ولا معاهد متوسطة أو عليا، ولا وحدة رعاية صحية، وتفصلها عن الخدمات في القرى المجاورة ترعة عريضة لا جسر فوقها. وتتفشى الأمية بين ٨٠٪ من سكانها. يعمل كثير من شبابها بالقاهرة الكبرى باليومية وسيداتها يعملن في تحضير أطنان البامية  لكبرى الشركات التي تتولى تصديرها أو بيعها في السوق المحلية. ولكن لم يحسن قرب أبي حميد من العاصمة وخيراتها ونموها من أقدارها.

 

كانت القرية هي الأفقر ضمن قرى مصر عام ٢٠٠٧، وبقيت ضمن قائمة أفقر القرى في مصر بعد عشرة سنوات، وإن احتلت المرتبة الأولى قرية أخرى من الصعيد، تدهور حالها سريعا خلال الأعوام الماضية.

وتعاني الصين من نفس المعضلة. إذ أن الفقر شديد الحركية عبر الزمن، بحيث لا تستطيع البيانات استيعاب تغيراته السريعة. ويسمى هذا الوضع اقتصاديا باتساع دائرة من هم في وضع هش vulnerable. أي أولئك الذين لا تعتبرهم البيانات الرسمية فقراء، ولكنهم يقفون على حافة خط الفقر، لو اضطرت عائلة لزيادة إنفاقها بجنيه أو اثنين في الشهر (جراء رفع أجرة المواصلات مثلا)، لسقطت تحت خط الفقر. وهكذا، يقول منتقدون آخرون للتجربة الصينية أن خطتهم لا تعمل على استيعاب الأعداد الجديدة التي تنضم إلى الفقراء (جراء نمط النمو الرأسمالي).

إلا أن التقرير الأممي يوضح أن أعداد الفقراء في الصين قد تضاعفت بالفعل خلال الفترة ٢٠٠١- ٢٠١٠، وهو ما تضمنته المرحلة الحالية من تخفيض الفقر. كما قد توفر الملاحظة الثالثة أسبابا لصعوبة وقوع المواطنين في الفقر بعد انتشالهم.

 

 

سمكة أم شبكة؟

 

الملاحظة الثالثة: تعددت وتكاملت وسائل رفع الفقر ضمن الخطة، بحسب احتياجات الدولة التنموية وبحسب حاجات السكان.

وهكذا، إذا نظرنا إلى صناديق تمويل سياسات الحد من الفقر، نجد أنها تتكون أساسا من خمسة مكونات: برامج لتحسين نوعية التعليم الإجباري (مثل مدارس متعددة للتعليم العام والفني في أبي حميد)، وبرامج لتأهيل المواطنين وتدريبهم على الصناعات التي تقوم على المنتجات الزراعية لأن الفقر يتركز في الريف، وتأهيلهم للوظائف المطلوبة في المناطق الصناعية الأكثر تقدما (مثل برامج تأهيل عمال البناء في أبي حميد). قروض معفاة من الفوائد لإنشاء تلك الصناعات (مثل ورش تجهيز وتغليف للبامية)، وتحسين الرعاية الصحية والبنية التحتية والطرق المؤدية إلى المناطق الفقيرة، وأخيرا، مساعدة نقدية لمن لا يستطيعون الحصول على دخل لائق على الرغم من توفير كل ما سبق، وبعد إعفاء المزارعين من الضرائب.

وهكذا، تعمل الصين بمثلها القائل أعط الفقير شبكة ليصطاد بدلا من إعطائه سمكة. ثم أخيرا، لمن لم يستطع، وفرت له السمكة.

 

الملاحظة الرابعة: أن تكلفة برامج سياسات الحد من الفقر غير مكلفة إذا ما قورنت ببرامج أخرى، مثل تحديث البنية التحتية في الحضر أو بين المراكز الحضرية. يبلغ متوسط الضرائب في الصين ٣٠٪ من إجمالي الدخل القومي. ويبلغ حجم الإيرادات العامة ما يوازي حوالي ٢ تريليون دولار سنويا. لا يتم تخصيص موارد للصناديق المختلفة لمحاربة الفقر سوى مبالغ قليلة جدا (لا تتجاوز الآحاد في المائة من تلك الإيرادات).

 

الملاحظة الخامسة: تعتمد الصين على مركزية التخطيط، في حين تنوع مصادر التمويل إلى جانب إيرادات الدولة (الأموال الخيرية، وتبرعات القطاع الخاص والمعونات (خاصة من اليابان والاتحاد الأوربي). ولكن يلفت النظر في الصين شديدة المركزية أن هناك موارد وفيرة للدولة تجمع وتنفق على المستوى المحلي، ضمن الخطة المركزية. وتمول تلك الموارد بشكل كفء (بشهادة برنامج الأمم المتحدة للتنمية) الصناديق المحلية للحد من الفقر. (في مصر ٩٧٪ من الموارد يتم إعادة تسليمها من المحافظات إلى العاصمة، ولا تشكل الموارد المحلية سوى أقل من ١٠٪ من اجمالي موارد الدولة). كما أن جزءا هاما من خطط القضاء على الفقر يقوم على توفير الموارد والتأمين للتعاونيات. سواء تلك التي تقوم بالإنتاج الزراعي، والتصنيع القائم عليه، أو التعاونيات التي تقدم خدمات مثل الصحة.

 

تلهث الصين كي ترفع مائة مليون فوق خط الفقر المدقع. وفرت للبنك الدولي البيانات بالجودة المطلوبة منذ عام ١٩٨١. وضعت سياسة موحدة، تطورت على أربعة مراحل، فشلت وأخفقت، ولكنها لم تنف ذلك أو تخفيه، وتبقى لها خطوة أخيرة. نعم، هي الخطوة الأصعب. خاصة وأنها تواجه ما تواجهه الدول الكبرى، من أزمة الاقتصاد الرأسمالي العالمي التي تتفاقم من عشر سنوات، النموذج الذي ينتج الفقر واللامساواه، بل وأزمات الركود المتكررة. لكن ذلك لا يمنع من أن نتأمل في تجربة القضاء على الفقر المدقع، ومن أن يحلم فقراء مصر من أن يناشدوا نظراءهم في الصين "اغيثونا معكم".

سلمى حسين باحثة أولى بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية وصحفية متخصصة في الاقتصاد منذ 17 عاما. شغلت منصب رئيسة قسم الاقتصاد باﻷهرام إبدو. حاصلة على الماجستير في السياسات العامة (بالجامعة الأمريكية). شاركت في تأسيس عدة إصدارات مثل جريدة البديل المستقلة وموقع أهرام أو لاين باللغة اﻹنجليزية والذي عملت فيه كرئيسة قسم الاقتصاد ونائب مدير تحرير. صدر لها في 2014 كتاب «دليل كل صحفي: كيف تجد ما يهمك في الموازنة العامة».
التعليقات