الإثنين 24 سبتمبر 2018 6:40 ص القاهرة القاهرة 24.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

دولة الدكتور رمضان

نشر فى : الإثنين 16 فبراير 2009 - 1:39 م | آخر تحديث : الإثنين 16 فبراير 2009 - 1:39 م

 ليس المهم فى سياق السطور التالية، أن يكون الدكتور رمضان أحمد صادق، المدير السابق لوحدة العناية المركزة بمستشفى الفوقيات بالفيوم، قد ارتكب كل المخالفات المذكورة فى تقرير لجنة التفتيش الموفدة من وزارة الصحة، أو ارتكب بعضها فقط، أو أنه لم يرتكبها قط، فنحن لسنا جهة اتهام أو إدانة أو تبرئة

ولكن المهم بالنسبة لنا هو ظاهرة الدكتور رمضان ــ كما شخصها التقرير ــ، واتصالها بظواهر مماثلة فى شتى مناحى حياتنا، وشتى أنحاء بلادنا، والأهمية المقصودة تحديدا تنبع من شعور ملح ــ أو ينبغى أن يكون ملحا ــ بأننا تأخرنا فى البحث عن الأسباب، والبدء فى العلاج، وقتا أطول من اللازم، وأكثر من المقبول بكثير، حسب تصريحات الدكتور جمال شعبان، رئىس لجنة التفتيش المذكورة، فإن الدكتور رمضان أحمد صادق ظل يدير وحدة العناية المركزة بالمستشفى لمدة 12 عاما، وأعفى من هذه المسئولية منذ شهرين، ولكنه لم يقبل هذا الوضع، فاستخدم نفوذه الهائل على كل أقسام المستشفى، ليسرب ملفات المرضى المتوفين، بالمخالفة للقانون ومواثيق الشرف، واحتفظ بكلمة السر الـ«Password» لتشغيل أجهزة الوحدة، وبقدرة قادر اختفت وسائل تشغيل جهاز رسم القلب «الالكتروز»، بتواطؤ أطقم التمريض والعمال مع رئيس الوحدة المقال... الخ.

ومضى شعبان: إن وكيل وزارة الصحة بالفيوم تردد فى إبعاد رمضان نهائيا حتى لا يفسر هذا القرار بأنه اعتراف بأن الوفيات التى حدثت فى وحدة العناية المركزة حدثت بسبب الإهمال، فتصدق رواية أو مؤامرة الدكتور رمضان، واختتم الدكتور شعبان تصريحاته وتقريره بالتوصية بتحرير المستشفى من قبضة «رمضان».

طبعا الحكاية والتصريحات لها بقية ألعن وأضل سبيلا، ولكن هذا القدر يكفى لبلورة الظاهرة التى نريد أن نمسك بها، ولا أقصد الفساد الإدارى والانحراف المهنى، ولكن أقصد ذلك التحلل البادى فى شتى مناحى حياتنا فى عملية الإدارة العامة للدولة، من حيث الأداء اليومى لواجب الوظيفة العامة، والمتابعة، والرقابة، والمحاسبة عقابا وثوابا، ومن قبل ذلك معايير الاختيار، والترقى.

قلنا إن ما يهمنا فى ظاهرة الدكتور رمضان، هو أنها حلقة فى سياق منفصل من ظواهر مماثلة، مع أنها قد تبدو للوهلة الأولى غير ذلك، فإذا أخذنا الأسبوع الماضى وحدة كعينة، فسوف نجد من هذه الظواهر إضراب الصيادلة، وإضراب سائقى الشاحنات، واستيلاء شركات استصلاح وهمية على 11 ألف فدان من أملاك الدولة فى محافظة السويس، وسيطرة السماسرة على مشروع «ابنى بيتك»، فضلا عن شبكة «البوشى» للاحتيال وغسيل الأموال، ومن قبل كارثة الدويقة، وبعدها تنازع محافظ القاهرة ونائبه على المسئولية، وما نقل من أن المحافظ اتهم نائبه بإخفاء تقارير «لا ىقل عددها عن مائة» عنه، وكانت كلها تنذر بالكارثة.

ما يجمع كل هذه الظواهر تحت عنوان واحد هو «دولة الدكتور رمضان» هو بطء وبلادة جهاز الدولة فى التعامل مع المشكلات، وفى أحيان كثيرة عجزه الكامل عن القيام بدوره الذى هو علة وجوده، أى تنفيذ واجبات الإدارة العامة، التى هى ترجمة تنظيمية وإجرائية لما سماه فيلسوف العقد الاجتماعى جان جاك روسو،الإرادة العامة، ولسوف تزداد الصورة ظلاما فوق ظلامها

عندما نتذكر أن المؤسسات السياسية السيادية مثل البرلمان تشكو هى نفسها من هذا العجز، وذلك البطء، وتلك البلادة، واذكروا فقط شكوى الدكتور فتحى سرور، رئيس مجلس الشعب بعد كارثة الدويقة من عدم استجابة الحكومة إلى تحذير المجلس إلى الكوارث المقبلة من المقطم عشرات المرات، واذكروا أيضا صرخة النائب ذى الضمير الحى حمدى الطحان، فى نفس المناسبة، حين قال: «لا احنا عارفين نراقب الحكومة ولا عارفين نعمل حاجة، أحسن نروح بيوتنا، ونسيب الشعب ينتخب اللى عايزهم».

ما الذى حدث وأوصل الدولة المصرية إلى هذه الدرجة السحيقة من العجز؟ ومرة أخرى أتحدث عن الإدارة العامة، وليس عن «السياسة» بمعناها الحرفى، وإن كانت الأولى تتأثر بالثانية لا محالة.

هناك تفسيران رائجان، الأول صاحبه المفكر والمؤرخ، والقاضى المستشار طارق البشرى، صاحب نظرية التفكيك المقصود للدولة المصرية، لأسباب سياسية عدا جهاز الأمن الداخلى، ويشمل هذا التفكيك الجهاز الإدارى، والمؤسسات الاقتصادية، إلخ..

التفسير الثانى قدمه الباحث الأمريكى بروس كى ـ رازرفورد فى كتاب أصدرته جامعة برنستون الأمريكية منذ أيام، ويقول فيه« إن المتتبع لمدى سطوة الدولة على جميع جوانب الحياة السياسية والاجتماعية للمصريين، يدرك أن هذه السطوة قد أصابها قدر كبير من الوهن بفعل الأزمة الاقتصادية، وإعادة هيكلة الاقتصاد، والاندماج فى الاقتصاد العالمى، ومن ثم فقدت الدولة سيطرتها التامة على مؤسسات مهمة مثل القطاع العام، كما أن الإطار الإيديولوجى الذى كان يحكم السلطة قد اعتراه التآكل».

الحقيقة أن كلا التفسيرين صحيح، ولكنهما لا يكفيان، فضلاً عن أنهما متشائمان، وينقصهما فى رأىى الاهتمام الواجب بعنصر الحجم السكانى للدولة، فما كان يصلح من نظام سياسى وإدارى لدولة عدد سكانها عشرون أو ثلاثون، أو حتى أربعىن مليوناً من البشر، لا يصلح مطلقاً لدولة يقترب عدد سكانها من 80 مليون نسمة، ولعله لا توجد دولة فى العالم يصل عدد سكانها إلى مثل عدد سكان مصر، وتحكم بالأسلوب المركزى المنحدر من العصور السحيقة والوسطى، بحيث يتقرر كل شىء فى المركز، الذى غالباً ما يدور هو نفسه حول القيادة السياسية بحكم ميراث طويل من العرف السائد سواء فى عصر ثورة يوليو، أو فى العصور السابقة عليها، بحيث يؤدى تراكم هذا العرف، ونشوء جماعات مصالح ونفوذ إلى شل يد وحدات الجهاز الإدارى الأصغر، وإفقادها الجرأة والمبادرة، خوفاً من المستوى الأعلى، أو انتظاراً لمباركة هذا المستوى الأعلى أو ضمان تأييده على الأقل فى مواجهة ما سيثور من مشكلات.

فى حالة مثل حالة الدكتور رمضان، قبل أن نسأل أين كانت وزارة الصحة كل تلك المدة؟ وهى مقصرة بلا ريب فى الفيوم، وغيرها، علينا أن نسأل وأين كانت مديرية الصحة، والمحافظون المتعاقبون، والمجالس المحلية؟ كيف شلت كل هذه المؤسسات؟ طبعاً هناك تراخ وقصور، ولكن السبب الأهم، هو أن نظام الإدارة المحلية عندنا عقيم، وفارغ المضمون، ولا يحقق مبدأ انتشار السلطة، وتوزيعها بين المركز والأقاليم، ولا يترك للناس حرية اختيار أصحاب السلطة فى المحليات، ولا حرية محاسبتهم، وإبعادهم

والمدهش أننا لا ندرى سبباً يجعل السلطة المركزية سعيدة بالمسئولين عن تقصير مدير مستشفى، أو رئيس حى، أو ناظر مدرسة فى هذه المحافظة أو تلك.. حتى تحتفظ بكل الخيوط والأوراق فى أيديها، كأن عصور أولياء النعم لم تنقض، وكأن عصر الشرعية الثورية لم يمت ويشبع موتاً.

عبد العظيم حماد رئيس تحرير جريدة الشروق السابق. كاتب صحفي مصري بارز ، وشغل عدة مناصب صحفية مرموقة على مدار تاريخه المهني.ولد عام 1950 ، وحصل على بكالوريوس العلوم السياسية ، وعمل كمحرر ومعلق سياسي منذ عام 1973 ، سواء في الإذاعة والتليفزيون أو في مجلة أكتوبر أو في جريدة الأهرام ، وكان مديرا لتحرير الأهرام الدولي في أوروبا ، وكبيرا لمراسلي الأهرام في منطقة وسط أوروبا ، وله مؤلفات وأبحاث وكتابان مترجمان ودراسات دولية متنوعة.
التعليقات