الجمعة 21 سبتمبر 2018 12:56 م القاهرة القاهرة 31.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

الانعزال عن الواقع

نشر فى : الثلاثاء 16 أغسطس 2016 - 9:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 16 أغسطس 2016 - 9:10 م
للأزمة الاقتصادية المستحكمة وفواتيرها الاجتماعية الباهظة أولوية لا تنازعها فيها أية أزمة مصرية أخرى.

هذه حقيقة تستند إلى ارتفاع معدلات القلق العام خشية التدهور الفادح فى مستويات المعيشة غير أن عزلها عن سياق الأزمات الأخرى تحليق فى مطلق الأرقام.

كل أزمة تؤثر بالسلب فى الأخرى كأنها حزام واحد قد أحكم وثاقه، فتراجع الاستثمار الاقتصادى لا ينفصل عن تغييب الاستثمار فى الموقع الاستراتيجى.

حتى لا ننسى فإن الدعم الخليجى بعد تحولات (٣٠) يونيو يعود إلى الاستثمار الاستراتيجى فى الدور المصرى والرهان أن يؤثر من جديد فى توازنات الإقليم.

عندما تراجعت الرهانات بدأت الرسائل العكسية.

وعندما لم تتسق النتائج مع رهانات الكرملين على التحولات نفسها بدأ فى إعادة حساباته وشرع فى ضغوط نالت من السياحة فى شرم الشيخ بما أثر بالسلب على ما كان يدخل مصر من عملات أجنبية.

بعد سقوط الطائرة فوق سيناء أبدى دبلوماسى روسى أمام شخصيات مصرية التقاها إحباطًا مزدوجًا، الأول من عدم جاهزية الجيش السورى بأثر حروب المدن والشوارع للحسم الميدانى رغم الغطاء الجوى الذى وفرته موسكو.. والثانى، من مستوى التقدم فى التفاهمات المصرية ــ الروسية فى الأزمة السورية التى تتصدر أولويات الكرملين والانكفاء الزائد فى الملفات الإقليمية الأخرى.

أسوأ خيار أمام أية دولة أن تتوقف فى منتصف الطريق، فلا تأخذ قوة الزخم إلى مداها وتخسر ثقة حلفائها قبل خشية خصومها.

لابد أن نذكر أنفسنا بأن صندوق النقد الدولى ليس جمعية خيرية ومفاوضاته ليست محض اقتصادية.

بالنظر إلى مصالح القوى الدولية المتنفذة فيه فإن استبعاد الحساب السياسى خطأ جوهرى فى تقدير مستويات الضغوط المحتملة.

عندما تكون مأزومًا بقسوة فلا أحد سوف يمنحك هدايا مجانية، فلكل شىء ثمن سياسى.

فى دعم وزير الخارجية الأمريكى «جون كيرى»، قبل أى مباحثات رسمية مع بعثة الصندوق، حسابات استراتيجية تتجاوز التفاصيل الفنية، فلا أحد فى العالم يحتمل التبعات الاستراتيجية الخطيرة لانهيار الاقتصاد المصرى.

لا يعنى ذلك أن كل شىء سوف يمضى على طرق معبدة، بلا مطبات أو ضغوط.

بعض الضغوط تتعلق بالأدوار التى يتعين على مصر لعبها وفق ما يطلب منها لا بما تقتضيه مصالحها.

وبعض الضغوط تتعلق بمستقبل الحكم وتعديل موازين القوى الداخلية.

اللعبة بدأت الآن والضغوط سوف تأخذ مداها.

أول الضغوط المنتظرة فى مساومات الغرف المغلقة، قبل التوقيع النهائى على الاتفاق مع الصندوق، سد الفجوة التمويلية.

بحسب تقديرات خبراء البنك المركزى فلا يمكن المغامرة بتعويم الجنيه المصرى قبل رفع الاحتياطى الاستراتيجى من (١٥‪.‬٥) إلى (٢٥) مليار دولار على أقل تقدير وإلا فإنه سوف يتعرض لانهيار كامل.

وهو ما يتطلب تدبير من (٥ ـ ٦) مليارات دولار من مؤسسات دولية مثل البنك الدولى وبنك التنمية الإفريقى بالإضافة إلى ودائع من دول الخليج وسندات دولارية تعرض فى الأسواق العالمية قبل أى توقيع.

الكلام كله سوف يخضع إلى حسابات السياسة قبل لغة الاقتصاد.

السؤال الحقيقى ليس إذا ما كان الاتفاق مع الصندوق سيتم أم لا، بقدر ما هو: بأى ثمن سياسى؟

عندما تغيب السياسة فإن الانعزال عن الواقع كارثى حيث لا يمكن مواجهة الاستحقاقات الصعبة بلا تماسك داخلى ولا الرهان على تجاوزها بلا تصحيح جوهرى فى البيئة العامة التى سممت بالكامل.

فى التحسب لردات الفعل الغاضبة من الإجراءات المؤلمة المقبلة ارتفعت نبرة الكلام عن شبكة الحماية الاجتماعية دون أن يكون مقنعًا بكفايتها ولا اتساعها للطبقة الوسطى.

بالأرقام الرسمية فإن الفقر يشمل (٢٨٪) من المصريين.

نحن نتحدث عن فقر مدقع ينزع عن نحو ثلث المصريين أى حد أدنى للأدمية وحالات ينخفض فيها إنفاق الفرد الواحد دون الـ(١٠) جنيهات يوميًا.

هذه قنبلة موقوتة مرشحة للانفجار بأى وقت لدى أول احتجاج اجتماعى.

الطبقة الوسطى عقدة الموقف كله، فالأزمة الاقتصادية تدفع أغلب فاتورة إصلاحها ولا يمكن التعويل على مساندتها فى غياب أية استراتيجية واضحة لتخفيف معاناتها وإقناعها بأن هناك ضوءًا فى نهاية النفق.

بكلام آخر لا يمكن استبعاد أشباح انتفاضة الخبز فى يناير (١٩٧٧) عندما سدت الملايين الميادين والشوارع فى القاهرة والإسكندرية وعواصم محافظات أخرى بعد رفع أسعار بعض السلع الرئيسية وفق اتفاق مع صندوق النقد الدولى.

الرئيس الأسبق «أنور السادات» اضطر أمام غضب الرأى العام وعجز الأمن عن صده إلى إجراءين سريعين، أولهما ـ فرض حظر التجوال ونزول الجيش لضبط الأمن.. وثانيهما ـ إلغاء قرارات رفع الأسعار التى استدعت غضبًا اجتماعيًا هائلًا.

لعقود طويلة دأب الأمن على التحذير من اتخاذ مثل هذه القرارات.

لا يشك عاقل على ضرورة اتخاذ إجراءات جراحية فى بنية الاقتصاد المصرى لكن من يسدد فواتيرها.

إذا ما تحملها المواطن العادى وحده فإن الاضطرابات الاجتماعية مؤكدة والأثمان السياسية باهظة.

فى انتفاضة الخبز تقوضت شعبية «السادات» التى اكتسبها بعد حرب أكتوبر ونالت صورته شروخًا لم يكن ممكنًا ترميمها.

القصة كلها تحتاج إلى قراءتها من جديد فالشعوب تتعلم من تاريخها حتى لا تكرر الأخطاء نفسها.

ورغم أن الرئيس «السادات» وعد المصريين إثر المعاهدة المصرية ــ الإسرائيلية عام (١٩٧٩) بأن العام التالى هو «عام الرخاء» فإن ذلك لم يحدث أبدًا حتى الآن، فقد أهدرت الموارد بأثر الفساد المنهجى الذى نخر فى بنية الحكم.

لا يمكن أن نعزى الفشل الاقتصادى إلى الحروب التى دخلتها مصر أعوام (١٩٥٦) و(١٩٦٧) و(١٩٧٣) فضلاً عن اليمن والاستنزاف، فآخر حرب جرت وقائعها منذ (٤٣) عامًا.

دول أخرى تعرضت لنكبات وهزائم كألمانيا وفرنسا فى الحرب العالمية الثانية تجاوزت أثار ما جرى فى زمن قياسى.

ما يستحق الحوار حوله البحث فى الأسباب الحقيقية التى أفضت إلى الفشل الاقتصادى، أين الخلل بالضبط فى السياسات والأولويات؟

وأين أوجه الخلل الأخرى فى البنيان العام الهش؟

بقدر ما التماسك الوطنى ضرورى للخروج من اللحظة الصعبة فإن لكل شىء أصوله.

إذا لم يكن هناك إصلاح سياسى فلا أمل فى تجاوز الأزمة الاقتصادية بسلام.

وإذا لم يكن هناك تصحيح جوهرى فى الأدوار الإقليمية بما يتفق مع المصالح الاستراتيجية العليا والوزن المصرى فى إقليمه فلا أمل آخر فى مثل هذا التجاوز ببلد يبحث عنه بالكاد.