الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 10:48 م القاهرة القاهرة 21.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

عن التغيير الرئاسى فى واشنطن و«البيعة» العربية لترامب

نشر فى : الأربعاء 16 نوفمبر 2016 - 12:05 ص | آخر تحديث : الأربعاء 16 نوفمبر 2016 - 12:05 ص

سيمر وقت طويل قبل أن يستفيق العالم من هول الصدمة التى أحدثها الانتصار المباغت لدونالد ترامب وفوزه على منافسته هيلارى كلينتون برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.

انهارت نظريات فلسفية عريقة، وسقطت تقديرات رصينة، والتهم الفشل إحصائيات واستطلاعات رأى واسعة، وخذلت صناديق الاقتراع خبراء مميزين فى اتجاهات الرأى العام وتحولاته، واتسع نطاق الصدمة إلى خارج الولايات المتحدة الأمريكية بل لعلها كانت فى الخارج أشد مما كانت فى الداخل.. لكن أهل النظام العربى، وعلى اختلاف منابتهم وتوجهاتهم فإنهم قد استوعبوا الصدمة بسرعة قياسية، وتباروا فى السباق إلى تهنئة الفائز الذى لا يعرفهم ولا هم يعرفونه، دونالد ترامب، مقرين بأنه «السيد» و«صاحب الأمر» فبايعوه مؤكدين له الطاعة والولاء، متقدمين على جثث الأصدقاء القدامى وفى طليعتهم السيدة التى طالما بهرتهم بقسوتها وشدتها عليهم هيلارى كلينتون.
هم ليسوا معنيين بالأسباب التى أدت إلى هذا الانقلاب السياسى (والفكرى) والاجتماعى فى الولايات المتحدة الأمريكية، مبشرة بتحولات ونتائج قد تكون فى غاية الخطورة على مستوى العقائد والأفكار ومن ثم الأنظمة، فى العالم أجمع.. أنهم معنيون، فقط، بأن يقبل «السيد» الجديد «بيعتهم»، وأن يغفر لهم تسرعهم وانبهارهم «ببنت الأصول» و«الممثلة الشرعية للنظام القائد فى العالم»، زوجة الرئيس السابق الذى خانها فلم تخنه، والذى مشى خلفها تائبا مستغفرا فى ثياب الداعية والمروج والمزكى والناخب الأول، بيل كلينتون.
على أنهم معنيون ببعض «النتائج الجانبية» لدلالات فوز ترامب بالرئاسة الأمريكية، وأبرزها ما يؤكد أن رأس المال قد هزم ــ نهائيا ــ العقائد وأفكار التغيير من أجل مستقبل أفضل للإنسان. وهذا يعنى أن الرئيس الأمريكى الجديد هـو «بطلهم» و«حامى غدهم» مــن «الدهمــاء» ممثلة بجــماهير الفقــراء، أو «البروليتاريا»، التى استطاع استمالتها والاستقواء بها ضد مصالحها بخطابه الديماغوجى وحركاته البهلوانية.
لا تهمهم مباذل ترامب ولغة الشارع على لسانه مثل قوله عــن كريمتــه الكبرى «إنه كان سينام معها لو لم تكون ابنته» أو قوله عن الســعودية «إنها بقرة حلوب»، أو توصيفه المكسيكيين بأنهم قطعان.. إلخ..
ذلك كله كلام يذهب مع الهواء.. لذا لم يجد أهل النظام العربى صعوبة جدية فى ابتلاع مواقفهم المعلنة وعواطفهم الحارة تجاه السيدة هيلارى كلينتون وتمنياتهم لها بالنجاح، وعجلوا باستبدال عنوان من يتوجهون إليه بالتهنئة والتبريكات، حتى لا يحتسب عليهم التأخير نقصا فى الموالاة أو تمردا على العهد الجديد ورئيسه الذى اقتحم الميدان الانتخابى كمصارع ثيران: هم مع من يسكن البيت الأبيض ويتولى فيه الأختام، ويكون مصدر القرار ومرجعه الأخير.. وهم يعرفون أنهم أعجز من أن يستطيعوا التدخل فى «اللعبة الديمقراطية»، التى لا يعرفون قوانينها بل ولا يقرون بها أصلا.. فعندهم: البيعة أو السيف!
بل إن بعض هؤلاء من الحكام المذهبين ربما رأوا «صلة نسب» ما مع هذا الملياردير الذى جنى ثروته الهائلة من المضاربات العقارية.. فهم، مثله، أغنى من شعوبهم بما لا يقاس، بل إنهم يحتلون القمة بين أغنى أغنياء العالم، ولا يهم أن يكون «رعاياهم» فى أدنى السلم، فالرزق من عند الله هو الكريم الوهاب، وهو ولى النعم، يعطى من يشاء ويمنع عمن يشاء، وله الأمر من قبل ومن بعد..
يهمس أحد أولياء العهود فى أذن صديقه: « بل أنه أجدر منا بثروته الخرافية التى كسبها بالمغامرة والمخاطرة المحسوبة.. بينما نحن قد جاءتنا الثروة بلا مخاطرة، بل نحن جالسون على الأرائك بعيدا عن الناس الذين لا نراهم إلا فى المناسبات التاريخية: الوفاة، تولية ملك أو أمير أو حتى رئيس جديد، بالسيف أو بالتآمر أو بالوراثة معهما».

***

بعيدا عن مجريات الانتخابات الرئاسية الأمريكية التى يختلط فيها الجد بالمبتكر والمبتدع من أسباب الترويج والإعلان، فإن النتائج المدوية ممثلة بفوز هذا الملياردير الذى تمرد على «النخبة»، وهاجم النساء والسود وقاطعته «الانتلجنسيا» يطرح أسئلة جدية حول المستقبل، وفى العالم كله وليس فى الولايات المتحدة الأمريكية فقط..
من تلك الأسئلة:
• هل هزم رأس المال مرة أخيرة وإلى الأبد، العقائد، وبالذات الماركسية والاشتراكية وأفكار التغيير للأفضل، عموما؟ وانفتح الطريق، مجددا، وعلى مستوى العالم، للنظام الرأسمالى المعادى للإنسان؟!
• هل أن ما حصل فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية «يبشر» بعالم جديد مختلف كل الاختلاف عن العالم الذى عرفناه؟
• هل انتهى العصر الذى كان يضج بالعقائد وأفكار التنوير ورؤى التغيير، وانتصرت الرأسمالية المتوحشة على ذلك كله، ومعه البيرقراطية، وبلا مجهود استثنائى؟!
• وإذا كان رموز البورجوازية والاشتراكية (المعتدلة كما فى فرنسا) قد فجعوا بنتائج الانتخابات الرئاسية، وبدأوا يعيدون حساباتهم لكى يستطيعوا التعايش مع هذا «الرئيس المذهب»، الذى وصل إلى قيادة أقوى دولة فى العالم، خلافا للتقديرات والتوقعات والتمنيات.. فمن يستطيع رسم الخط البيانى لهذا الرئيس الذى جاء من خارج التوقع، والذى باغت العالم بمجموعة من المواقف المغايرة للمألوف..
• ماذا يعنى، على سبيل المثال، انفتاحه المبكر على روسيا بقيادة بوتين، الذى كان بين أوائل مهنئيه؟!
صحيح أن «الحرب» قد توقفت بين الولايات المتحدة كزعيم للمعسكر الرأسمالى على الاتحاد الروسى الذى ورث الاتحاد السوفياتى ناقصا الشيوعية وامبراطوريتها الكونية.. إلا أن المنافسة بين المعسكرين ما تزال على أشدها، وتشهد البلاد العربية (بشكل خاص) بعض أقسى منازلاتها الحربية (سوريا ثم العراق وصولا إلى اليمن).
إن الكلمات الأولى للرئيس الأمريكى الجديد توحى بعهد جديد وبعلاقات غير عدائية (إن هى لم تكن ودية) بين موسكو وواشنطن، تتجلى أبرز دلالاتها فى حديثه عن سوريا وعن الأسد فيها معبرا عن موقف جديد قد يجنح إلى التسويات فى كل من سوريا والعراق واليمن، وإن ظل متحفظا فى موقفه من إيران..
من العبث التساؤل عن « العرب « فى المعركة الرئاسية الأمريكية، فالأغنى والأعظم تورطا فى «الحروب ضد الأشقاء» كانوا فى المعسكر الآخر.. لكنهم كانوا دائما، وسيبقون، مع «الرئيس الأمريكى» ومع «الإدارة الأمريكية» ومع المخابرات المركزية الأمريكية.
.. ولو أنهم كانوا أكثر استقلالية بل أكثر احتراما لشعوبهم ولأنفسهم لما تهافتوا على السباق فى تهنئته، وانتظروا حتى يسمعوا «كلام الرئيس»، وليس كلام المرشح بكل ما يحفل به من ضروب المزايدة والمناقصة عبر منافسته، وقد كانوا فى موقع «التابعين» له.
فى أى حال، نحن أمام عصر جديد.. فالتغيير فى واشنطن ليس أمرا عاديا. والخائفون من هذا التغيير، بين الحكام العرب، أكثر من أن يحصوا.
لكن السؤال: من هى القوى القادرة والمؤهلة على قيادة التغيير المطلوب، بل المرتجى، فى مشارق الأرض العربى ومغاربها؟!

ينشر بالتزامن مع جريدة السفير اللبنانية

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات