الإثنين 11 ديسمبر 2017 3:25 م القاهرة القاهرة 23.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

فى حب المنقوشة

نشر فى : الخميس 16 نوفمبر 2017 - 9:25 م | آخر تحديث : الخميس 16 نوفمبر 2017 - 9:25 م
كنت أفكر فى مدخل للحديث عن لبنان الحبيب عندما تذكرت تحقيقا نشرته قبل أيام إحدى الصحف المصرية يحمل عنوان «فى حب المنقوشة» فقلت قولة أرشميدس الشهيرة: وجدتها وجدتها. فى علاقة كل من يعرف لبنان يوجد جانبان متكاملان، الجانب الأول يمت بصلة للتحليل السياسى الذى يمده هذا البلد الصغير بالكثير من ظواهره الجديرة بالتأمل، فكل من يريد أن يدرس الديمقراطية التوافقية أو الطائفية السياسية أو الحرب الأهلية فعليه بنموذج لبنان، وكل من يريد أن يتعمق فى علاقة الدولة الصغيرة بالدولة الكبيرة (سوريا) أو يتمعن فى الصراعات التى تدار بالوكالة أو فى حركات التحرر الوطنى وصعود الفاعلين من غير الدول ليس بوسعه أن يتجاهل نموذج لبنان. أما الجانب الآخر من العلاقة مع لبنان فإنه يمت بصلة لروح هذا البلد بناسه ومذاقه وفنه، بمقاهيه وأغانيه وثقافته وكذلك ب..... مناقيشه .

***
تتراءى لى المنقوشة اللبنانية كمرآة للمجتمع اللبنانى وليس كمجرد قطعة من العجين لها مذاق طيب بل طيب جدا، فهذه القطعة من العجين قد يعلو سطحها الأملس بعضُ من الزعتر المُرَطَب بزيت الزيتون أو قطع صغيرة جدا من الجبن الحلوم أو اللحم المفروم أو السبانخ أو طبقة رقيقة من الكِشك اللبنانى وهو يختلف عن الكِشك المصرى، قد تأخذ شكلا مستطيلا أو مربعا أو مستديرا، قد تكون مطوية أو منبسطة وقد يكبُر حجمها أو يصغر. هذا التنوع الشديد فى طَعم المنقوشة وقوامها يشبه التنوع اللبنانى فى التضاريس والناس والعادات والارتباطات.. إلخ. يتخذ فعل «نقش» فى اللغة العربية معانٍ كثيرة مدهشة منها تنقية الشىء والتنقيب عنه وتخشين الشىء أو ترطيبه ( أى المعنى وعكسه فى الوقت نفسه)، أما المعنى الأكثر شيوعا لهذا الفعل فإنه يرتبط بالزخرفة والرسوم الملونة والأشكال الجمالية. فهل اتخذت المنقوشة اللبنانية اسمها من فن الزخرفة الذى أبدعه الأجداد الفينيقيون ومازالت تشهد عليه آثارهم فى صور وصيدا وغيرهما؟ هل هذا التنوع الذى تجسده المنقوشة اللبنانية هو جزء من حوار السهل الممتنع فى لحظات الصفا بين الجبل والبحر والوادي؟ هل تخلقت المنقوشة من التفاعل والتمازج بين الألسنة والثقافات والأديان والمذاهب؟ لا تفشى المنقوشة سرها لأحد أبدا ولا تبوح به لمخلوق قط. جربنا هنا فى مصر أن نصنع المنقوشة اللبنانية.. جئنا بطهاة مهرة من لبنان.. افتتحنا مقاه ترفع شعار شجرة الأرز ويرفرف عليها العلم اللبنانى، لكن أبدا لم يكن للمنقوشة طعمها الذى نعرفه فى لبنان... مناقيش مصر ينقصها التنوع بالمعنى الواسع للكلمة.. ينقصها روح لبنان .

***
لكن كما تعكس المنقوشة تعددية المجتمع اللبنانى فإنها تُوَحِده، لا تحتاج أن تكون ثريا حتى تتذوق المناقيش وتستطيب طعمها فالشخص « المعتر» أو رقيق الحال فى اللهجة اللبنانية يشتريها أيضا، فهذا الصنف اللذيذ تجده على موائد علية القوم كما تجده فى أيدى عامة الشعب، ولكن ربما قد تختلف الوظيفة، ففى الفنادق الكبرى حيث تُخبَز المناقيش أحيانا أمام أنظار رواد الفندق فإنها تكون جزءا من المقبلات وفواتح الشهية التى يشتهر بها لبنان، لكن فى المطاعم الشعبية فإن منقوشة كبيرة قد تمثل وجبة مشبعة بحد ذاتها. لكن ترى ما هذا الحنين إلى مناقيش لبنان؟ أسرت إلى نفسى بهذا السؤال فرددتُ عليها بأن هذا من فرط الحنين إلى لبنان نفسه وهو يقف الآن منتصب القامة فيما رياح الخريف تزمجر من حوله، أحن إليه وأثق أن العاصفة سوف تمر.. لن يسمح اللبنانيون باقتلاع أشجار التفاح المزهرة وستغمر ثمارها الطازجة أسواقهم كالمعتاد، نعم ستهزها الرياح ذات اليمين وذات الشمال لكنها ستُعجل بقطوفها كما عجلت مريم العذراء بسقوط الرطَب إذ هزت إليها بجزع النخلة. ليست المرة الأولى التى يحيل اللبنانيون فيها عواصفهم إلى أشياء جميلة ولن تكون هذه المرة استثناء من ذلك. هل نعلم أن لبنان أطلق على إحدى عواصفه الثلجية اسم «زينة«؟ حدث هذا فعلا، وعندما سئل رئيس فرع الأرصاد الجوية وسام عبدالله فى عام ٢٠١٥ لماذا تطلقون على العاصفة اسم «زينة» ــ رد متفائلا «أردنا الإشارة إلى أن جبال لبنان ستتزين بالثلوج وقد وفت العاصفة بالوعود التى تكهنا بها فجاءت اسما على مسمى». استبشر اللبنانيون خيرا فصحت بشارتهم، صحيح أن الطقس أحن على لبنان من ساسته لكن السياسة ليست كل لبنان.

***

تكر الأيام الأخيرة من شهر تشرين الثانى تباعا فتتزاحم الأعياد على أبواب لبنان: المولد النبوى الشريف ومولد المسيح عليه السلام، يتساقط الثلج كالعادة فيضع إكليل البهجة الأبيض على قمة الجبل، تلف الزينة فروع الأشجار فتُذهب أضواؤها الأشباح الكامنة عند نواصى الطرقات، تمر معاطف الفراء فى ركاب الشادور والموتسيكلات المسقوفة بالبلاستيك بجوار المرسيدس الفارهة، تتوهج النيران وتشتعل فتُخرِج للجائعين صاجات المناقيش الشهية على كل لون.. شيئا فشيئا يبدأ فصل جديد فى حب المنقوشة وشيئا فشيئا يبدأ فصل جديد فى حب لبنان.

 

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات