الإثنين 19 نوفمبر 2018 12:22 م القاهرة القاهرة 23.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

الإخوان المسلمون أمام مسئوليتهم التاريخية

نشر فى : الثلاثاء 17 يناير 2012 - 9:25 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 17 يناير 2012 - 9:25 ص

انتهت الانتخابات البرلمانية، أو أوشكت على الانتهاء ولم يتبق منها سوى إعادة التصويت على عدد محدود من المقاعد، وبالتالى صارت نتيجتها معروفة ولو لم تعلن بعد بشكل رسمى. باختصار فإن نحو نصف مقاعد البرلمان جاء من نصيب حزب الحرية والعدالة، والربع للتيار السلفى، والربع المتبقى للأحزاب والتيارات الأخرى بما فيها المدنية والليبرالية والوفدية والناصرية والاشتراكية وكذلك تلك الناشئة على أنقاض الحزب الوطنى. وبرغم ما شاب الانتخابات من عيوب قانونية وإجرائية، وما شهدته الدوائر من تجاوزات وشائعات وتمويل غير معلوم المصدر، إلا أن النتيجة تظل أن الشعب قد اختار، وأن هذا الاختيار جاء فى صالح التيار الإسلامى، وأن علينا احترام ذلك والتعامل معه بما يخدم صالح الوطن.

 

ولكن من جهة أخرى، فإن هذه النتيجة تلقى عبئا خاصا على جماعة الإخوان المسلمين وتضعها أمام مسئولية تاريخية سوف يكون لها أبعد الآثار على مستقبل البلاد، وهى مسئولية تتعلق بموقف الجماعة من ثلاث مسائل كبرى.

 

المسألة الأولى هى موقفها من الحكم والسلطة. فبعد عشرات السنوات من المعارضة العنيدة والمستمرة لنظم حكم مختلفة تعاقبت عليها، نجحت جماعة الإخوان المسلمين أخيرا ــ من خلال حزب الحرية والعدالة ــ فى أن تفوز بثقة الشعب وتقترب من حكم البلاد، فماذا تفعل الآن؟ هل تنتقل بالفعل من مقاعد المعارضة إلى مقعد الحكم؟ أم تكتفى بأن تكون القوة الأكثر تأثيرا من وراء الكواليس وتصدر غيرها للقيام بمهمة الحكم؟ أعلم أن الإعلان الدستورى لا يعطى حزب الأغلبية البرلمانية صلاحية تشكيل الحكومة بشكل مباشر ويبقى الأمر فى يد المجلس العسكرى. ولكن يصعب تصور ألا يكون للانتخابات نتيجة على الحكومة التنفيذية وإلا فما جدوى الديمقراطية. فى تقديرى أن المسألة ليست دستورية فقط، وإنما أن جماعة الإخوان المسلمين لم تحسم الأمر بعد لأن الرسائل التى خرجت منها فى هذا الشأن جاءت متناقضة، إذ توحى أحيانا بأنها تسعى للنتيجة المنطقية للفوز فى الانتخابات (أى حكم البلاد)، وفى أحيان أخرى بأنها قابلة لاستمرار حكومة الجنزورى أو حكومة تكنوقراطية أخرى يختارها المجلس العسكرى. هل القصد من هذا الغموض هو طمأنة الناس إلى أن الجماعة لن تستأثر بالحكم؟ أم أنها فى الواقع عازفة عن تولى المسئولية التنفيذية فى ظروف صعبة بسبب الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية؟ شخصيا أجد أن مصلحة البلد وسلامة المسار السياسى تقتضى أن من يحوز ثقة الناس هو الذى يحكم، ومن يحكم هو الذى يتولى المسئولية، وإلا عدنا لسياسة اتبعها الحكم السابق فى تصدير الحكومة لمواجهة المشاكل، فإن قامت بحلها سارع أركان الحكم للتأكيد على أنهم كانوا وراء هذه السياسات الحكيمة، وإن فشلت تحملت الحكومة اللوم بمفردها. هذا موضوع جدير بأن تحسمه الجماعة بوضوح.

 

أما المسألة الثانية فهى موقف الإخوان المسلمين من الأحزاب ومن القوى السياسية الأخرى التى كانت حليفة الأمس فى المطالبة بالديمقراطية وصارت اليوم تمثل المعارضة الجديدة. هل تقبل الجماعة استمرار مناخ الحرية السياسية السائد منذ يناير؟ أم تسعى لإقصاء المنافسين واستغلال التأييد الشعبى الذى حصلت عليه من أجل إفراغ الساحة من أية معارضة محتملة؟ أم تأخذ موقفا توافقيا يفتح الباب لمشاركة جميع التيارات السياسية فى رسم مستقبل البلاد، وتقبل بأن تكون القوة الرئيسية وليس الوحيدة؟ مرة أخرى فإن تصرفات الجماعة متناقضة. حديث قياداتها فى التليفزيون وفى الاجتماعات وفى الندوات يعبر عن رغبة صادقة فى تشجيع مشاركة جميع القوى السياسية فى كتابة الدستور وفى العمل السياسى والجماهيرى. ولكن من جهة أخرى، فإن الدعاية الانتخابية لحزب الحرية والعدالة شهدت تجاوزات وشائعات وتعريض شخصى بالمنافسين رغم أنها كانت فرصة لإرساء قواعد جديدة وأكثر نزاهة للتنافس الديمقراطى. فهل كان ذلك بتوجيه من القيادة، أم أنه حماس زائد من القواعد الحزبية؟ كذلك فإن لا الحزب ولا الجماعة وقفا ضد ملاحقة جمعيات حقوق الإنسان وتشويه بعض الأحزاب السياسية التى قضت عمرها تدافع عن حق التيار الإسلامى فى أن يكون ممثلا على الساحة السياسية، والتى دفع نشطاؤها الثمن غاليا لكى تصل الجماهير إلى صناديق الاقتراع التى مكنت الإخوان المسلمين من السلطة. وهذا موضوع ثانٍ يجدر بالجماعة أن تحسمه حتى تبدد لدى الناس الخوف من أن يتم استغلال المسار الديمقراطى للوصول إلى الحكم، ثم تبدأ بعد ذلك عملية إقصاء القوى المعارضة والجمعيات الأهلية التى تشكل خطرا والأحزاب السياسية التى كانت حليفة الأمس فى الصراع من أجل الديمقراطية.

 

وأخيرا فإن المسألة الثالثة هى أسلوب إدارة حزب الحرية والعدالة لأغلبيته فى البرلمان القادم. هل يستغل هذه الأغلبية (النسبية أو المطلقة) للانفراد بإصدار التشريعات التى تهمه ولتجاهل جميع الرؤى الأخرى؟ وهل يستغل حصوله على أكبر عدد من المقاعد من أجل تحقيق السيطرة التامة على رئاسة البرلمان، وعلى لجانه، وعلى ما يصدره من قوانين وقرارات؟ وهل يفرض وحده رؤيته حول أسلوب تشكيل الجمعية التأسيسية؟ أم هل يعتبر فوزه بالعدد الأكبر من المقاعد فرصة لتوسيع نطاق المشاركة، وفى إرساء أسلوب جديد فى العمل السياسى، وفى أن يكون البرلمان القادم معبرا عن المجتمع المصرى كله باتجاهاته المختلفة، وتناقضاته، وثرائه، وتنوعه؟ باختصار، هل يعيد حزب الحرية والعدالة إنتاج نموذج الاستبداد البرلمانى الذى مارسه الحزب الديمقراطى فى برلمان عام 2005 حينما كان يكتفى بسماع كلمات الثمانين عضوا من التيار الإسلامى ثم يتجاهلهم تماما معتمدا على رفع الأيدى بموافقة الأغلبية؟ أم يكون لديه الشجاعة لتحويل البرلمان القادم إلى ساحة حقيقية للتشاور والتوافق والعمل على إيجاد الأرضية المشتركة التى تحقق صالح الوطن؟

 

أطرح هذه الأسئلة لاعتقادى أن الإجابة عنها بوضوح وبحسم سوف تكون مؤثرة فى مستقبل البلاد. أمام جماعة الاخوان المسلمين الفرصة لكى تقدم نموذجا فى الحكم يخالف التوقعات المتشائمة، ويعتمد على التوافق وليس على الأغلبية، ويتحمل بمسئولية السلطة وعواقبها وليس فقط بمزاياها، ويمارس الأغلبية البرلمانية على نحو يختلف عما مارسه الحزب الوطنى، وأن تتحمل مسئوليتها التاريخية فى الحفاظ على التنوع والتعدد فى الساحة السياسية، وأن تعى أن شرعية الحكم لا تأتى من البرلمان وحده وإنما من مدى توافق المجتمع واتحاده. الجماعة أمام اختيار تاريخى بين أن تنفرد بالسلطة وبالحكم وتقصى المنافسين، وبين أن تؤسس لديمقراطية سليمة، يكون الحكم فيها للأغلبية ولكن المشاركة فى صنع القرار للجميع.

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.