الأحد 17 ديسمبر 2017 3:50 م القاهرة القاهرة 20.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

مقاومة جيوش المزيفين

نشر فى : الجمعة 17 نوفمبر 2017 - 9:35 م | آخر تحديث : الجمعة 17 نوفمبر 2017 - 9:35 م
فى عالم اليوم شديد الاضطراب كثير الأزمات عميق المخاطر، صار تصديق الشعوب للأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة وأنصاف الحقائق هو القاعدة وليس الاستثناء. باتت الأخبار الزائفة تشكل خطوط إدراكنا لما يحيط بنا، وتحدد ــ من ثم ــ تفضيلاتنا المجتمعية والسياسية، وأضحت المعلومات المغلوطة وأنصاف الحقائق تؤثر فى السلوك الانتخابى للمواطنين فى البلدان الديمقراطية التى تضمن حكوماتها التنظيم الدورى والنزيه للانتخابات الحرة والتعددية. وبينما يرتب ذلك تقويض أسس تداول السلطة وحكم القانون فى الديمقراطيات، فإنه يمكن البلدان السلطوية من التعتيم على واقع القمع والظلم وانتهاكات الحقوق والحريات. 

غير أن شيوع الزيف وغياب الحقيقة لا يعنيان أن الأقليات الواعية بين شعوب الديمقراطيات والسلطويات (هى دوما أقليات، فى النرويج والسويد وكندا كما فى روسيا والسعودية ومصر وزيمبابوى) فقدت كامل قدرتها على مقاومة الزيف أو خسرت جميع الأدوات ممكنة التوظيف لتحرير الشعوب من لعنته. وفى طليعة تلك الأدوات تأتى منظمات المجتمع المدنى ووسائل الإعلام الحر وشبكات التواصل الاجتماعى. فالأولى تستطيع تعويلا على رغبتها فى البحث عن الحقيقة ومعارفها المتخصصة فى مجالات متنوعة كالتحولات البيئية وحقوق الإنسان والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمهمشين وظروف اللاجئين، تستطيع تفنيد الأخبار الزائفة ودحض المعلومات المغلوطة وأنصاف الحقائق. ووسائل الإعلام الحر تقدر على كشف الزيف لقطاعات من المواطنين أوسع من تلك التى يتواصل معها المجتمع المدنى، ويمكنها من خلال ملكات الصحافة الاستقصائية تعيين هوية المتورطين فى نشر الزيف وتغييب الحقيقة من مؤسسات وجهات وأفراد. وكما تستخدم شبكات التواصل الاجتماعى من قبل بعض جماعات المصالح فى الديمقراطيات لنشر الأخبار الزائفة وتحضر بفضاءاتها الافتراضية «كتائب ولجان التوجيه المعنوى» التابعة للأجهزة الأمنية فى البلدان السلطوية، فهى تقبل أيضا التوظيف من قبل الباحثين عن الحقيقة لمقاومة الزيف وكشف وتوثيق الانتهاكات والمظالم.

***

فى هذا السياق، يجافى الصواب الدفع المتعجل الذى يكرره بانهزامية غير مبررة عديد المفكرين والسياسيين الليبراليين بكون الصراع بين جيوش المزيفين ومقاومى الزيف قد حسم واقعا وبكون نتائجه حتما ستميل فى خانات جيوش الزيف المنظمة على حساب المستضعفين والمثاليين والباحثين عن الحقيقة من المقاومين.

نعم، تعاظمت تدخلات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الروسية فى الانتخابات والاستفتاءات فى الديمقراطيات. ويضع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وكذلك نجاح الأحزاب اليمينية المتطرفة والمجموعات العنصرية ومروجى خطابات الكراهية ضد الأجانب والأقليات فى الحصول على نسب تأييد شعبية غير مسبوقة فى البلدان الأوربية، يضع فرص مقاومة الأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة فى الغرب إزاء تحديات كبرى. وينطبق ذات الأمر على الانتقاص الجوهرى من فرص مقاومة الزيف الذى يرتبه تطبيق الحزب الشيوعى الصينى لسياسات السيطرة الشاملة على الفضاء العام والإنترنت ومن خلالهما على المجتمع المدنى والإعلام وشبكات التواصل الاجتماعى، ويرتبه أيضا العنف المادى والرمزى الذى تمارسه حكومات البلدان التى استعادتها السلطوية إلى حظيرتها البائسة كمصر وتركيا باتجاه قمع المجتمع المدنى وأصوات الحرية فى وسائل الإعلام ومعاقبة طوائف من المواطنين الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعى للتعبير الحر عن الرأى بسلب حريتهم والزج بهم إلى السجون (من مدونين وصحفيين إلى نقابيين وطلاب)

بل إن فرص مقاومة الزيف والانتصار لحق الناس فى المعرفة وفى تداول المعلومات والحقائق والتعبير الحر عن الرأى تتراجع بإيقاع يومى، بينما بعض جماعات المصالح فى الديمقراطيات شأنها شأن الأجهزة الأمنية فى البلدان السلطوية تتورط فى تكوين وتمويل «جيوش المزيفين»، وتزرع عناصرها «كقادة رأى» فى منظمات مجتمع مدنى مدارة أمنيا و«أصحاب مساحات وصوت مرتفع» فى وسائل إعلام مسيطر عليها أمنيا، وتوزع «الكتائب واللجان الإلكترونية» التى تروج للزيف على شبكات التواصل الاجتماعى. يحدث ذلك فى ظل غياب، شبه شامل فى الديمقراطيات وشامل فى البلدان السلطوية، للرقابة القانونية والقضائية والسياسية إن على جيوش المزيفين أو على الجرائم التى ترتكبها عناصرها وكتائبها ولجانها ضد حق الناس فى المعرفة والتعبير الحر عن الرأى.

***

على الرغم من كل ذلك، استطاع مقاومو الزيف من الأقليات الواعية بين الشعوب ومن المتمسكين بالحقوق والحريات فى المجتمع المدنى ووسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعى تحقيق بعض الانتصارات الأولية فى مواجهة جيوش المزيفين. انتخابيا، على سبيل المثال، أسقط المواطنون الأمريكيون فى ولايتى فيرجينيا ونيو جيرسى مرشحى الحزب الجمهورى لمنصب «حاكم الولاية»، ولم يسعف توظيف المرشحين للأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة وأنصاف الحقائق (فى استنساخ صريح للحملة الانتخابية لدونالد ترامب فى ٢٠١٦) ضد منافسيهما من الحزب الديمقراطى فى تمكينهما من الفوز. مجتمعيا وسياسيا، تنتفض يوميا المزيد من منظمات المجتمع المدنى ووسائل الإعلام ومبادرات المواطنين الطوعية فى الولايات المتحدة ضد جيوش المزيفين، وتدفع السلطات التشريعية والقضائية باتجاه الرقابة والمساءلة والمحاسبة القانونية. هكذا يدار أمر اللجان البرلمانية والقانونية المشكلة للتحقيق فى التدخلات الروسية فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية ٢٠١٦ وفى حدود تورط حملة / إدارة دونالد ترامب وبعض جماعات المصالح القريبة منه فى التعاون مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الروسية وصنائعها الإعلامية والتجارية. هكذا أيضا تمارس السلطة التشريعية الأمريكية ضغطا متصاعدا على شركات التكنولوجيا والإنترنت الكبرى كفيسبوك وتويتر وجوجل وغيرها لكبح جماح استخدام الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعى للترويج للأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة. إعلاميا، تشترك بعض وسائل الإعلام الملتزمة بالدفاع عن حرية التعبير عن الرأى مع مبادرات طوعية للمواطنين فى كشف وتوثيق فساد الأقوياء، إن فى الحياة السياسية أو فى المجالات الاقتصادية والمالية أو فى مجالات الثقافة والفنون. وليست حملة «#أناـ أيضا»، بامتداداتها من صناعة السينما والإنتاج التليفزيونى إلى الشركات التجارية الكبرى وإلى السياسيين والمسئولين المنتخبين (قدامى ومعاصرين)، سوى التعبير الأقوى اليوم عن بحث قطاعات واسعة فى المجتمع الأمريكى عن الحقيقة وانتفاضها ضد الزيف الذى روجته طويلا بعض جماعات المصالح.

وبعيدا عن الولايات المتحدة، تواجه منظمات المجتمع المدنى ويواجه مقاومو الزيف فى وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعى النزوع الكارثى لبعض الحكومات الأوروبية لتجاهل القيم والمعايير الديمقراطية عند اتخاذ القرارات الكبرى وتطبيق السياسات العامة، إن خوفا على المصالح أو خوفا من اليمين المتطرف. هكذا، على سبيل المثال، يتحرك المجتمع المدنى فى ألمانيا اليوم لتفنيد المقولات العنصرية وخطابات الكراهية التى ينشرها اليمين المتطرف، ولدحض طيف واسع من الأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة عن اللاجئين القادمين من البلدان العربية والإسلامية والذين يلقى فى وجوههم باتهامات معممة وظالمة بشأن التعاطف مع عصابات الإرهاب والتطرف والجهل. يتحرك المجتمع المدنى فى ألمانيا للتصدى للتوظيف السياسى لعودة اليمين المتطرف إلى البرلمان الاتحادى (عودة من خلال حزب البديل لألمانيا، وعودة بعد غياب منذ خمسينيات القرن العشرين) على نحو يضغط على الأحزاب الديمقراطية فى اليمين واليسار لكى تتبنى سياسات هجرة ولجوء رجعية تذرعا بكون تلك السياسات هى السبيل الوحيدة لدرء خطر اليمين المتطرف. وحين وافقت الحكومة الألمانية على بيع أسلحة متطورة للسعودية وسببت ذلك بالأخطار الأمنية المتلاحقة فى الشرق الأوسط، كانت أصوات اليسار فى وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعى هى التى ذكرت الرأى العام بحضور خطر استخدام السعودية للأسلحة الألمانية فى الحرب الظالمة على اليمن التى يتوالى من جرائها سقوط الضحايا المدنيين، وطالبت بضرورة التزام المستشارة ميركل بالامتناع عن تصدير أسلحة إلى مناطق الصراعات العسكرية والحروب الأهلية.

***

أما فى البلدان السلطوية، وعلى الرغم من عنفوان «جيوش المزيفين» وقسوة سياسات السيطرة الشاملة على الفضاء العام والإنترنت وما بينهما من مجتمع مدنى وإعلام وشبكات تواصل اجتماعى، فإن مقاومى الزيف يحققون نجاحات صغيرة متتالية فى كشف وتوثيق الانتهاكات والمظالم وإظهار حقيقة حكومات تارة تزعم امتلاك الحق الحصرى للحديث باسم «الوطنية»، وتارة أخرى تساوم المواطنين على حقوقهم السياسية وحرياتهم بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، وتدعى بثالثة اهتمامها بالتواصل مع المواطنين أصحاب الآراء والتوجهات المختلفة دون تعقب أو قمع. هكذا لم تمر دون كشف وتوثيق تفاصيل توسع السلطات الصينية فى مراقبة وتتبع والتجسس على مستخدمى الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعى، ومنعهم من تداول الكثير من المعلومات والحقائق (بل والصور كصورة دب والت ديزنى الشهير «وينى»، وتوالى نشر مقاومى الزيف فى روسيا لمعلومات وحقائق عن جيوش المزيفين التى تكونها وتمولها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وتسعى لتشكيل رأى عام مؤيد للرئيس فلاديمير بوتين وسياساته وتتدخل بعلم الكرملين فى شئون بلدان فى الغرب والشرق بالترويج للأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة.

 

عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد. درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات