الأربعاء 19 سبتمبر 2018 6:15 ص القاهرة القاهرة 24.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في رأيك من الأحق بلقب أفضل لاعب في العالم؟

الصراع على النفوذ

نشر فى : الجمعة 18 مارس 2016 - 11:05 م | آخر تحديث : الجمعة 18 مارس 2016 - 11:05 م

صراعات النفوذ من طبيعة النظم السياسية بغض النظر عن مدى التزامها بالقواعد الحديثة.
طالما تعددت المؤسسات العامة والأجهزة الأمنية ومراكز صنع القرار فإنه لا يمكن استبعاد هذه الصراعات.
غير أن هناك فارقا جوهريا بين صراع منضبط على قواعد يصعب تجاوزها دون حساب وصراع مفتوح على كل تفلت بلا قيود.
ما يجرى فى مصر الآن ينتسب إلى النوع الأخير من صراعات النفوذ.
فى غياب السياسة تقدم الأمن لملء الفراغ واكتسب نفوذا يتجاوز مهمته وتحولت إدارات الدولة إلى ما يقارب إقطاعيات المماليك دون سياسات تحكم التصرفات.
كما نشأت مراكز قوى جديدة تضم بعض الأمن وبعض الإعلام وبعض رجال الأعمال اتسع نفوذها بغير سند دستورى فى صناعة القرار والتحكم فى التوجهات العامة.


بيقين فإن مصر تشهد أسوأ أنواع صراعات النفوذ بالقياس على أية مراحل أخرى فى التاريخ المصرى الحديث.
هذه حقيقة يسهل إثباتها بتفكيك إقالة وزير العدل المستشار «أحمد الزند».
السبب المعلن غير السبب الحقيقى.
ما هو معلن إساءته إلى مقام النبى الأكرم.
وما هو مكتوم أن وجوده بات عبئا لا يطاق على نظام الحكم.
لم يسائله أحد عن انفلاتات الكلام التى لا تناسب منصبه كـ«وزير للعدل» مثل دعوته لقتل عشرة آلاف إخوانى مقابل كل شهيد من الجيش أو الشرطة.
بأية معايير قانونية وسياسية وإنسانية لا يجوز لأحد، خاصة إذا كان وزير العدل، أن يتبنى مبدأ القتل الجماعى دون محاكمة عادلة أو تهمة محددة.
فى بلد يحاصره سجله فى حقوق الإنسان بدت تصريحاته كأنها تقول للعالم إنه لا توجد فى مصر دولة قانون ولا دولة جديرة بأى اعتبار.
على ذلك المنوال خرقت تصريحات منسوبة إليه أية أصول قضائية معتبرة، وبعضها استدعت أزمة بين وزارة العدل ومجلس الدولة.
لماذا لم تحدث أية مساءلة سياسية للوزير السابق ولا جرؤ أحد فى مجلس الوزراء أن يشير إليها؟
هذا سؤال جوهرى لا يصح تجاهله.
الإجابة ببساطة: لأنه أقوى وزير فى الحكومة وكلمته مسموعة فى بعض أجهزة الدولة وأنصاره فى وسائل الإعلام مستعدون لتبنى ما يقول باسم «كراهية الإخوان»، كأن الكراهيات تحكم الدول وتتحكم فى العدالة.


بمعنى آخر فهو مركز قوة ولم يكن مجرد وزير شأن وزراء آخرين.
لم يكن هناك ارتياح فى دوائر السلطة العليا لبقاء «الزند» فى وزارة العدل واستنكرت دعوات تصعيده لرئاسة مجلس النواب التى تبناها أنصاره فى وسائل الإعلام.
فى دعوات التصعيد شعور مبالغ فيه بالقوة والنفوذ وتطلع للإمساك بمقادير الدولة كلها.
بصورة أقرب إلى الحقيقة بدت تصريحاته التليفزيونية التى لوحت بـ«حبس النبى» إذا ما اتهمه فى ذمته المالية ذريعة للتخلص من صداعه ونفوذه.
فهو قد اعتذر على الفور على هفوة لسانه وكان يمكن تأجيل إقالته لأيام حتى يخرج فى التعديل الوزارى المنتظر.
بـ«زلة لسان» أخرى تستنكر حق «أولاد الزبالين» فى تولى المناصب القضائية أقيل سلفه المستشار «محفوظ صابر».
كأن الوزراء لا يقالون سوى بزلات اللسان دون بحث فى مستويات كفاءتهم المهنية والسياسية وصلاحيتهم لتولى مناصبهم الرفيعة.
بعد (٣٠) يونيو تأخر «صعود الزند» وزيرا للعدل، فشخصيته وتوجهاته لا توافق «جبهة الإنقاذ» التى خرجت حكومة «حازم الببلاوى» من بين صفوفها.
ولم تكن حكومة خلفه «إبراهيم محلب» متحمسة لتوليه وزارة العدل، وبحثت فى أسماء أخرى بتزكية من النائب العام الراحل المستشار «هشام بركات»، إلا أن المنصب جاءه فى النهاية لأسباب يصعب تقبلها تدور فى فلك فكرة الانتقام وتصفية الحسابات.


عندما استهلك دوره جاء وقت إقالته.
فى البحث عن ذريعة تأجل مشروع الإقالة خشية تداعيات غضب أنصاره فى نادى القضاء أو وسائل الإعلام وجماعات المصالح.
كانت تلك مبالغة فى الخشية وتعبير عن ضعف أمام كل الانفلاتات ومراكز القوة والنفوذ.
‫«‬الزند» نفسه من ضحايا مبالغات القوة والنفوذ، فقد رفض أن يستقيل وحادث رئيس الحكومة «شريف إسماعيل» بتعال وتحد.
وهو حدث لا سابق له فى تاريخ كل الحكومات المصرية.
كان هناك من يخشى صداما بين الدولة والقضاء، غير أن ذلك لم يحدث.
نادى القضاة الذى يتمتع فيه المستشار «الزند» بنفوذ خاص اعتبر الإقالة شأنا تنفيذيا لا يصح التدخل فيه، وهذا صحيح فمن يملك التعيين يملك الإقالة.
فى اليوم التالى لإقالة «الزند» تراجع الاهتمام العام فى وسائل الإعلام التى اعترضت على القرار الرئاسى واعتبرته خطأ سياسيا بحق «أسد القضاة» على ما يطلقون عليه.


قصة صعود «الزند» تحتاج إلى بحث مطول فى أسبابه وظروفه.
فقد انتخب رئيسا لنادى القضاة عام (٢٠٠٩) بدعم مباشر من وزير العدل وقتها، عبئت الدولة كلها تقريبا للتخلص من تيار استقلال القضاء ورموزه.
هو رجل لا يخف انحيازه لنظام «حسنى مبارك» حتى الآن ولا معاداته لثورة «يناير».
برمزية ما فإن «قوة يناير» أطاحته بنفوذ «السوشيال ميديا».
فى صعوده، كما فى تراجعه، لم يغادر خصومه فى نادى القضاة قصته التراجيدية.
وفرت ثغرات خصومه كل مبرارات صعوده، لم يدافعوا عن صلب قضيتهم فى «استقلال القضاء» عندما حانت الفرصة أمامهم بعد ثورة «يناير»، ولا وقفوا ضد حصار المحكمة الدستورية العليا وعزل النائب العام والإعلان الدستورى فى نوفمبر (٢٠١٢) ولا قاوموا التوجه لعزل نحو ثلاثة آلاف قاض دفعة واحدة.


من بين ثغرات خصومه صعد نجمه.


هذه حقيقة لا يصح إنكارها.


باستثناء موقفه من الإخوان وخشيته انتقامهم فإنه لم يعهد عنه أى دفاع عن استقلال القضاء بالمعنى المؤسسى لا فى موقع رئيس ناديهم العتيد ولا فى منصب وزير العدل.
إذا كانت تجربته فى مواجهة الجماعة تستند على اتساق عام مع الغضب الشعبى فإن تجربته فى وزارة العدل بدت كارثية تماما وتحتاج إلى وقت طويل لترميم أثارها، فقد عمقت الانقسامات بين أبناء المنصات العالية وذهبت بالاستقطابات إلى مشارف مذبحة قضاة جديدة.
رغم انقضاء صفحة «الزند» فى صراعات النفوذ إلا أنه ليس ضحيتها الأخيرة.
إذا لم تكن هناك قواعد دستورية تحكم هذا البلد فإن صراعات النفوذ سوف تأخذ من الدولة احترامها وهيبتها وقدرتها على تصحيح المسارات المختلة.