الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 10:46 م القاهرة القاهرة 21.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

عن«ورطة» قانون الاستثمار... وكيفية الخروج منها

نشر فى : الثلاثاء 19 مايو 2015 - 9:20 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 19 مايو 2015 - 9:20 ص

الجدل الدائر حول قانون الاستثمار، الصادر قبيل انعقاد مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادى، لم يعد حول مواد وأحكام قانونية فقط بل حول الحالة المضطربة للتشريع فى مصر عموما وآليات تصحيح ما يقع من أخطاء وتجاوزات تشريعية.

القانون فى الواقع، كما هو معلوم، تعديل واسع لقانون الاستثمار رقم ٨ لسنة ١٩٩٧، وقد بدأت الخطوات الأولى فى إعداده منذ شهر سبتمبر الماضى واستمرت حتى مارس من هذا العام، إلى أن صدر بالفعل قبل انعقاد المؤتمر الاقتصادى بيوم واحد. ولكن برغم المدة التى استغرقها إعداد القانون واشتراك العديد من الجهات فى مناقشته، إلا أن عن عدم وضوح الرؤية بشأن الغرض منه، والتضارب فى أولويات الجهات التى شاركت فى صياغة أحكامه، والإصرار على الانتهاء منه قبل مؤتمر شرم الشيخ، كل هذا جعله فى النهاية يتضمن عدة عيوب جوهرية، على رأسها ما يأتى:

١) أن القانون قد تم تقديمه إلى جمهور المستثمرين باعتباره سوف يحل مشكلة الحصول على الموافقات والتراخيص اللازمة لممارسة النشاط، بينما الحقيقة أن هذا غير ممكن دون إجراء تعديلات تشريعية جذرية فى نظام التراخيص عموما وفى صلاحيات وسلطات وحدات الحكم المحلى فى هذا المجال.

٢) أن القانون أخرج نظام توزيع الأراضى المملوكة للدولة ملكية خاصة من قانون المناقصات والمزايدات واستبدل به آلية جديدة لتخصيص تلك الأراضى بالقرعة بين الشركات المتنافسة، بل وأعطى هيئة الاستثمار صلاحية منحها بالمجان، وهو ما يفتح بابا خطيرا للفساد والمحسوبية ويهدد بعودة عملية تخصيص الأراضى إلى دائرة الشبهات مرة أخرى.

٣) أن القانون منح هيئة الاستثمار صلاحيات رقابية وعقابية غير مسبوقة تتعارض مع طبيعتها ومهمتها الأساسية فى الترويج للاستثمار ومساندة المستثمرين، وتجعل منها جهة رقابية جديدة برغم أن الهيئة بطبيعتها لا تمتلك التخصص القطاعى الذى يتيح لها القيام بهذا الدور.

٤) أن القانون تضمن غموضا وتناقضا فى بعض أحكامه فيما يتعلق بالمناطق الحرة، وبإجراءات تأسيس الشركات، وبحقوق العاملين فيها، مما يفتح الباب أمام المزيد من التساؤلات مستقبلا، ولا يساعد فى منح المستثمر الوضوح واليقين فى التعامل.

هذا عن القانون نفسه، ولا أظن أن هناك حاجة للخوض فى المزيد من تفاصيله. المهم الآن هو كيف يمكن تصحيح هذا الوضع المضطرب؟ على الجانب الإيجابى، فقد ارتفع خلال الأسابيع القليلة الماضية، الكثير من الأصوات المطالبة باعادة النظر فى القانون، بل أن العديد من المسئولين وأعضاء الهيئات واللجان التى شاركت فى إعداده أكدوا فى عدة مناسبات عدم رضائهم عنه على نحو ما صدر وطالبوا بمراجعته.

ولكن للأسف، وعلى الجانب الآخر، فقد نشرت أمانة مجلس الوزراء بتاريخ ٥ مايو ٢٠١٥«استدراكا» فى الجريدة الرسمية متضمنا تصحيح عيب تشريعى خطير ورد فى القانون بشأن إجراءات تأسيس الشركات (أول من أشار إليه د. سلامة فارس أستاذ القانون التجارى فى مقاله بجريدة «المصرى اليوم» بتاريخ ٤ أبريل). وبينما أن تصحيح الخطأ أمر محمود ويستحق كل تقدير وثناء، إلا أن القيام بذلك من خلال «استدراك» فى الجريدة الرسمية يمثل سابقة خطيرة وخروجا غير مسبوق على أصول التشريع ومبادئه الدستورية، لأن صلاحية التشريع الوحيدة القائمة حاليا ولحين انتخاب برلمان جديد تقع فى يد رئيس الجمهورية وحده، وله بمفرده حق إصدار القوانين وإلغائها وتعديلها، ولا يصح بأى حال من الأحوال أن يتم تعديل قانون صادر بالفعل بواسطة استدراك من أمانة مجلس الوزراء. وإذا كان من المألوف أن يتم تصحيح أخطاء النشر البسيطة بواسطة «الاستدراك»، إلا أن هذا معروف ومقبول حينما يكون الخطأ فى الطباعة أو فى رقم أو فى كلمة سقطت سهوا، ولكن ليس فى حكم موضوعى ومادة قانونية بأكملها تتعلق بنظام تأسيس الشركات.

القضية إذن لم تعد ما إذا كان قانون الاستثمار يستحق المراجعة أم لا، فهذا أمر صار محسوما. السؤال هل يتم ذلك بالأمانة والشفافية المطلوبة أم تستمر محاولات التهرب من الخطأ والاعتقاد بإمكان طمس الحقيقة. تقديرى أن هناك من يحاولون الإيحاء لمتخذى القرار بان إعادة النظر فى القانون برمته قد تكون محرجة للدولة وأنها سوف تعطى انطباعا للراى العام بالتردد وبأن خطأ جسيما قد وقع، وأن الحفاظ على هيبة الدولة وسمعة الاستثمار يتطلبان ألا يتم الاعتراف بذلك صراحة، خصوصا أن هناك فرصة لتصحيح العيوب الكبرى باستدراك أو أكثر، ثم فى اللائحة التنفيذية، ثم عن طريق تجاهل الموضوع حتى يطويه النسيان.

ولكن هذا يكون فى الواقع أسوأ تصرف، وأيا كان حجم الاحراج الذى قد يثيره تعديل القانون الأن، فهو بالتأكيد أقل تكلفة للاقتصاد القومى وأقل ضررا لسمعة الاستثمار من الإصرار على الخطا والتشبث به ثم الاعتداء على أصول التشريع وقواعد الدستور من اجل الحفاظ على ماء الوجه. الفرصة لتصحيح القانون لا تزال قائمة، والأمر يتطلب صراحة وحسما، فهل نتخذ القرار الصائب؟

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.