طائرة بدون طيار تدخل إلى غرفة نوم من ثقب مفتاح الباب مركب عليها آلة لتصوير الغرفة ومن فيها. أما الصور فترسلها الطائرة فور التقاطها إلى كمبيوتر فى مكتب بمبنى يقع فى مدينة تبعد خمسة آلاف ميل، وتبعث معها بيانات تفصيلية ودقيقة عن موقع الطائرة داخل الغرفة وسرعة طيرانها وحمولتها وحجم الطاقة المتبقية فيها.
●●●
فرانسيس فوكويوما عالم السياسة فى جامعة جونز هوبكنز بواشنطن، وصاحب نظرية نهاية التاريخ التى تنبأ فيها فور انفراط الاتحاد السوفييتى بالنصر المطلق لليبرالية والديمقراطية، يعود إلينا ليعلن فى مقال نشر منذ أيام قليلة أن مستقبل الأمن القومى والأمن الداخلى وعلاقات الناس بعضها بالبعض الآخر سوف يرسمه، ويحدد تفاصيله مدى انتشار ظاهرة الطيارات بدون طيار أو ما يطلق عليها «الدرونات».
استخدم هذا النوع من الطائرات فى حربهم ضد أفغانستان، ويستخدمونها بغزارة فى حربهم الدائرة داخل باكستان وبدرجات متفاوتة فى الصومال واليمن حسب ما ورد فى مجلة فورين بوليسى وغير بعيد أن يستخدموها، هم أو غيرهم، قريبا فى سوريا. وتشير التقارير الصحفية إلى أنه جرى استخدامها فى عهد أوباما بكثافة بلغت خمسة أضعاف كثافة استخدامها فى عهد بوش، ويزعم بعض الخبثاء وجود علاقة ما بين غزارة استخدامها فى عهد أوباما وتصريحه الشهير عن فهمه للحرب، حين وعد مستمعيه بأنه سوف لن يدخل حربا غبية، وأن كل حروبه فى المستقبل ستكون «حروبا ذكية». لا أذكى من حرب يشنها زعيم بدون إعلان وبدون حاجة إلى طيارين وبتكلفة زهيدة للغاية.
●●●
أعلن أعضاء فى منظمات أهلية تهتم بحماية البيئة أنهم يعقدون آمالا كبيرة على تطوير إنتاج «درونات» قادرة على تعقب الصيادين اليابانيين المخالفين للقوانين الدولية فى أعالى البحار. من ناحية أخرى يستعد سماسرة العقارات فى الولايات المتحدة للتعاقد مع شركات تنتج هذه الطائرات لاستخدامها فى تصوير الأراضى والقصور لعرضها للبيع. كذلك تطالب أجهزة أمن بتسهيل حيازتها لتعقب المجرمين ومهربى المخدرات ومراقبة طرقهم فى الصحراء والمحيطات. يقول مسئولون فى الشرطة الأمريكية إن الطائرة بدون طيار أرخص كثيرا من الهليوكوبتر العادية المستخدمة حاليا فى مطاردة العصابات، ويبلغ متوسط قيمتها 1.7 مليون دولار. وتعاقدت أجهزة أمنية أخرى على «درونات».. لا يزيد وزن الواحدة منها على 2.5 كيلوجرام وتسعها شنطة السيارة العادية، وعمر بطاريتها يتجاوز 40 دقيقة وتستطيع الطيران على ارتفاع 30 أو 40 مترا، أى الارتفاع الذى يسمح لها بمتابعة ما يجرى فى داخل شقق العمارات ومكاتب الشركات وتصويره إن احتاج الأمر.. ويصرح ضابط شرطى أمريكى بأن الدرون الواحد أرخص من سيارة شرطة تتكلف الآن حوالى أربعين ألف دولار.
●●●
نعود إلى فوكوياما الذى يكشف فى مقاله عن أنه تجرى حاليا تجارب لإنتاج درونات فى حجم الحشرة تدخل من شباك مفتوح أو ثقب فى الباب متنكرة فى هيئة ذبابة أو نحلة أو عنكبوت لتنفذ مهمات متنوعة، مثل الاستماع إلى أحاديث ساكنى الغرفة وتسجيلها أو حقن شخص معين، من بين أشخاص عديدين يعقدون اجتماعا أو يشاركون فى مؤتمر، بسم زعاف. وفى حالات أخرى يمكن أن تطلق أسراب «الدرونات الحشرية» لتهجم على قاعة أو ميدان فى حجم ميدان التحرير فتقتل مئات وآلافا من البشر فى ثوانٍ وهدوء.
ويضيف قائلا إن التجارب تجرى حاليا فى معامل شركة MAST، وبالتعاون مع شركات أخرى لإنتاج هذا النوع من الدرونات، ويتوقع أن تخصص المرحلة التالية لإنتاج «مخلوق آلى» فى حجم الذرة يمكن حقنه فى شرايين وعروق ورئة الإنسان وتكون مهمته تقديم تقارير متواصلة وبشكل دائم عن حالة الجسم، ولكنه يعترف بأن أجهزة الاستخبارات تحاول التعتيم على هذا النوع من المعلومات ومدى التقدم الحاصل فى البحوث المتعلقة بإنتاج هذا المخلوق.
●●●
أتوقع، كما يتوقع، فوكويوما، أن تبدأ الدرونات المصغرة، مثل أى سلاح جديد، حياتها بتحريم انتشارها وما هى إلا فترة قصيرة إلا ونراها منتشرة فى أيدى الأفراد العاديين. وما علينا، وعلى كل المهتمين بشئون المستقبل فى بلادنا وفى العالم، إلا أن نتهيأ لعصر تكتظ فيه كل فضاءاتنا بمخلوقات آلية من جميع الأحجام يحركها أشخاص من مسافة تبعد آلاف الأميال لخدمة عديد الأغراض.