الإثنين 27 مارس 2017 10:47 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في رفع سعر تذكرة مترو الأنفاق إلى 2 جنيه؟

القاهرة.. مدينتى وثورتنا (١٧)

نشر فى : الأربعاء 20 مايو 2015 - 9:40 م | آخر تحديث : الأربعاء 20 مايو 2015 - 9:40 م

الموجة الأولى

عودة إلى الثمانية عشر يوما
من أول فبراير إلى ١٢ فبراير ٢٠١١

الثلاثاء أول فبراير‪،‬ مساء

الجو يتجه نحو البرودة، لكنهم أعلنوا أن مبارك سوف يتحدث إلينا. نأمل أنه سيستقيل، وإذا حدث فالكل يريد أن يحتفل معا. سنبقى فى الميدان، نتجول ونتحادث ونتناقش ونهتف ونرتجف من البرد. يقولون سيتحدث فى العاشرة.. ثم فى العاشرة والربع.. لكنه يبدأ فعلا فى الحادية عشرة. لا نملك شاشة كبيرة لكن الشباب ربطوا مكبرات الصوت فى أعلى عواميد النور. الكل صامت ينتظر الخطاب إلى الشعب، ويأتى الخطاب فلا نصدق ما نسمعه. حسنى مبارك لم يفهم. يتحدث عن شباب شرفاء مغرر بهم، تستعملهم قوى سياسية لم يحددها، يتحدث عن كيف أننا نمر «معا» خلال هذه الأيام الأليمة. أصبح فجأة يعى كل مساوئ وآلام حياتنا، يتكلم وكأن نظامه الذى له ثلاثون عاما يدفع البلاد دفعا إلى التخلف ويسرق لقمة العيش من الأفواه – كأن هذا النظام فجأة أصبح مؤهلا ليستجيب لمطالب شبابنا: سيخلق مبارك وظائف، وسيحترم القانون، وسيجرى انتخابات نظيفة، وسيضع الشرطة فى خدمة الشعب ــ كل ما يريده هو فرصة لكى ينهى خدمته لبلاده بشكل كريم. فى اللحظة التى يتوقف فيها عن الحديث يرتفع الهتاف هادرا، قويا، مُصِرا: «إرحل!.. إرحل!.. إرحل!.. إرحل!”

الثانية صباحا
أريد أمى. البرد يجرى فى جسمى. أرتجف، و ــ أريد أمى. كثيرون ممن ألتقيهم فى الميدان يقولون لى «تصورى لو كانت الدكتورة فاطمة عايشة النهاردة، كانت هتبقى حاسة بإيه؟» أريد أن أدق جرس الباب فأجدها فى غرفة الجلوس، حولها الجرائد، والتليفزيون صوته عال على قناة اخبارية. أخفض صوت التليفزيون وأحْضر طبقا من الأكل من المطبخ وأجلس إلى جانبها لأحكى لها كل ما جرى. أريدها أن تندهش وتغضب وتضحك وتتعجب، أريدها أن تقاطعنى وتسألنى وتشرح لى وتضحك، أريد أن أحكى لها وأحادثها، أريد أن أرى وجهها، أريد ــ
كل ليلة وأنا أترك الميدان يهيأ لى للحظة أننى فى الطريق اليها؛ أننى سأجدها فى البيت.

فى صيفها الأخير، فى ٢٠٠٧، كنت أحاول ترتيب مكتبتها، وكانت ترقد على الكنبة فى حجرة الجلوس، مواجهة للبلكونة، تراقبنى. نظرت إليها فوجدت على وجهها تعبيرا غريبا، كالذى تراه فى الأفلام على وجه شخصية تبصر طبقا طائرا مثلا. ذهبت أربت على كتفها وأقول «ماما؟ ماما؟ فيه إيه؟» وهى، وكأنها استفاقت وعادت إلى، قالت بتعجب «تتصورى! اتهيأ لى إنى شفت عاصفة ضخمة جاية علينا.. من هناك..» تشير إلى البلكونة فى اتجاه كوبرى ١٥ مايو. تعيد: «من هناك. أنا قلقانة على البلد».

أمى كانت دائما عندها حلول، لا يستعصى عليها شئ، تعرف مصلحة الكل أكثر مما يعرفونها هم، وتعرف ما يجب عليهم أن يفعلوه، وتجهر لهم به. لكنها كانت حائرة فى أحوال بلادنا وفيما علينا أن نعمله.
كانت قلقة على عالمنا، وأنا كنت قلقة عليها. لا أذكر أى وقت فى حياتى لم أكن أجزع لفكرة رحيلها، لفكرة العالم بدونها، وفى ذلك الصيف، صيف ٢٠٠٧، بدت لى مختلفة؛ أقل تنافسية، أكثر رقة. كان لها ثلاث سنين تجد صعوبة فى المشى، وأعتقد أنها قررت أن حالتها لن تتحسن، وأعتقد أنها كانت ترفع يدها عن الدنيا. طلبت منها ألا تفعل. رجوتها. سألتنى بلطفٍ «فهل على أن أبقى سيدة عجوزا فى كرسى إلى الأبد؟» قلت «نعم. أيوة. تقريبا كل ما فعلتيه فى الدنيا كان من أجلنا نحن ليس من أجلك أنت، فافعلى هذا أيضا لنا». ضحكت وقالت «طيب، طيب، ما تعمليهاش حكاية ــ« لكننى كنت قلقة. طلبت منها أن نجرى مسحا على المخ. فوجِئتُ وزاد قلقى حين وافقت. جاءت النتيجة جيدة. ضربت لها موعدا مع صديق قديم لها، طبيب نفسى متخصص فى أمراض الشيخوخة. جاء الدكتور عبدالمنعم عاشور وزارها. كانت منتعشة وسعيدة، سألها الدكتور عاشور «ما الذى يقلقك؟ هل أنت قلقة على مصطفى؟» (أبى الذى كان فى نقاهة من مرض) قالت «لا، عنده أحسن رعاية وكلنا موجودين له». سأل «قلقة على نفسك؟» قالت «أبدا. حولى أولادى وأحفادى». سأل «ماذا، إذا؟» صمتت ثم قالت «قلقانة على البلد».

لما تقدمت أمى فى حملها بى طلبت أمها، ماما حاجة، من أبى أن يمشى بها كيلومترا كل يوم، وكانت كنيسة سانتا تريزا زهرة ليزيو، تبعد نصف كيلومتر عن بيتهما فى شبرا، فصار أبى وأمى فى كل مساء يتمشيان إلى سانتا تريزا ثم يعودان. حكت لى هذا حين عطلت سيارتى، بعدها بعقود، أمام هذه الكنيسة وعدت إليها منبهرة بمئات رسائل الشكر، والهدايا، والنذور التى تركها من شافتهم وعافتهم القديسة من المسلمين والمسيحيين. كان هناك خطاب وهدية من عبدالحليم حافظ. وفى صيف ٢٠٠٧، حين ذهبت إلى شبرا لأشترى لوحا إعلاميا كبيرا يعرض عليه ابنى صور فيلمه الأول، دخلت إلى كنيسة سانتا تريزا وأوقدت شمعة ودعيت.
لكن أمى رحلت خلسة وأنا فى الخارج. أتمت الرحيل فى خمس عشرة دقيقة فى منتصف الليل.

قبلها بأسبوعين رأيتها هى وابنائى على الديوان الكبير فى غرفة الجلوس، وكان عمر يقرأ لها ما تطلبه من الأشعار. كانت تضحك ولا تريد أن تختار بين ألكسندر بوب وبايرون، وفى النهاية اختارت بوب. كنت لا أقوى على أن أملى النظر فى هذه الذكرى، فى هذا المشهد، وهى تضحك وتعيد الأبيات التى تحبها وراء ابنى. الآن، ولسبب ما، أستطيع. هذه الأيام أراها باستمرار؛ أراها مندهشة، أراها منبهرة، أراها تلتفت ضاحكة كلما دخل أحدنا الغرفة: «إيه الأخبار؟ فين الشباب؟ بيعملوا إيه؟»
ماما، لتكونى فخورة بهم أشد الفخر، بأحفادك، بطلابك، وبأولاد طلابك، بكل شبابنا. هم هنا، فى الشوارع، ينقذون البلد.

الأربعاء ٢ فبراير ٢٠١١
رعشة وارتفاع فى درجة الحرارة. احتقان فى الزور ــ بل فى كل الممرات بين الزور والأنف والأذن. مجموعات من تلك العطسات المتتالية التى لا تترك لك ثانية تتنفس فيها. تسع عطسات متتالية تتركنى هامدة على مقعد فى الصالة، ممتنة لمن ينصحنى بالبقاء فى البيت والـ«عمل على الإعلام» وعدم النزول إلى الميدان.

فى اللحظة التى استيقظت فيها أحسست أن ثمة شيئا غلطا؛ سمعت أبواق السيارات. فى الأيام الماضية ساد فى حيِنا جو من السلام والهدوء، أما اليوم فالصوت ليس حتى صوت كزحام السيارات فى الأيام العادية؛ أسمع الكلاكسات عالية متكررة عدائية.

من نافذتى أرى مجموعات من الناس تتحرك على كوبرى ١٥ مايو وأدرك ــ حتى من قبل أن أرى اللافتات ــ ان هؤلاء هم «الآخرين»؛ أتباع مبارك. أفكر بأنهم، أيضا، لهم الحق فى التظاهر والاحتجاج والتعبير عن الرأى، ثم أرى أنهم لا يعَبِرون حقيقة عن رأيهم، فهم مُسَيَرون: كل مجموعة من ١٥ أو ٢٠ شابا (كلهم ذكور) تصحبها سيارة صاخبة، لهم قادة واضحون ينظمونهم ويوجهونهم، اللافتات التى يحملونها هى اللافتات النمطية الراكدة التى اعتدنا رؤيتها فى أيام الانتخابات. حتى من هذا البعد أرى أنهم يفتقدون إلى اللطف، لا يعطون ذلك الإحساس بالألفة الذى اعتدناه الآن فى المظاهرات؛ هم يحملون العصى والشوم ويشيرون إلى الشارع بإشارات جارحة.

لماذا أفاجأ؟ لأننا بحاجة إلى الاعتقاد أن كل من فى البلد ــ بلا استثناء ــ يريد التخلص من النظام؟ لماذا أشعر بالإحباط؟ لأنى ظننت ان النظام اختفى إلى الأبد يوم ٢٨ والآن يبدو انه سيعود ويقاتلنا – يقاتلنا فى الشوارع التى هى الآن حكر على الثورة؟ لأنى عندى برد؟

يهاتفنى عمر من التحرير ليقول إن هناك شيئا مغايرا اليوم؛ نقاط التفتيش لا يقف عليها شباب اللجان الشعبية، الجيش يقف على المداخل ولا يفتش الداخلين، لا ينظر فى حقائبهم ولا يطلب بطاقاتهم الشخصية.

طرف عينى على قناة الجزيرة وفجأة أدرك أن ما أراه على شاشة التليفزيون هو جمل وخيول تركض فى التحريرــ أى والله: جملٌ ذو سرج ملون زاه تتدلى منه الشراشيب، جملٌ من جمال منطقة الهرم مُزَيَن ليجتذب السواح ويعمل منظر فى صورهم الفوتوغرافية. الجمل يجرى والخيل تجرى والناس تجرى إليها ومنها وبدون أن أرفع عينى من على الشاشة أمد يدى إلى المحمول وأطلب عمر ولا أصل له فأطلب ليلى، أختى، التى عادت إلى الميدان من المطار حيث كانت تستقبل علاء، ابنها (المسمى على اسم أخى)، ومنال زوجته، وقد عادا من جنوب افريقيا ليشاركا فى الثورة. ليلى سعيدة، يصخب الهاتف بضحكتها الكبيرة المألوفة، تلك الضحكة التى لا تنتهى حين تبدأ صاحبتها فى الحديث بل تظل تجرى خلال الكلمات فتضطرك أحيانا أن تطلب أن تعيد ما قالته. هذه المرة فرحتها والدوشة حولها تدفعان أختى لرفع صوتها فأسمعها واضحة: «مفيش حاجة، مفيش حاجة! هاجمونا بالحِصِنَة والجمال بس مسكناهم ودلوقتى العيال راكبة عليهم وبِتلِف الميدان وكل حاجة تمام وعلاء ومنال معايا …».

أختى ظاهرة من ظواهر الطبيعة؛ الطفلة الجامحة التى أصبحت العامود الفقرى للأسرة، عالمة الرياضيات التى كرست حياتها المهنية لإنقاذ طلابها مهنيا وأخلاقيا وجسديا، الرومانسية الراديكالية التى ظللت بجناحيها على الأسرة والأصدقاء وربت ثلاثة أولاد يبرقون كالنجوم فى سماء ثورتنا. عبر السنوات تبعتها إلى المظاهرات والاحتجاجات ــ عند قسم قصر النيل فى جاردن سيتى، على سلم نقابة الصحفيين، فى وسط البلد، فى المحاكم فى الإسكندرية ــ نحاول دائما الاقتراب من المركز، نواجه الكوردونات، يصدنا الأمن المركزى الذى تبلغ أعداده أضعافا مضاعفة من أعدادنا. سألتها مرة إن كانت خائفة وجاءنى الرد بسيطا واضحا: لا.

فى مرة، فى مظاهرة خرجت من جامعة القاهرة، كان معها أحد أنجب من درست لهم، عائد للتو من انجلترا ومعه الدكتوراه التى نالها فى زمن قياسى. لم يكن معتادا على هذه الأجواء، وفى المواجهة مع الأمن المركزى تعثر فسقطت نظارته الطبية فنزل هو إلى الأرض يبحث عنها، ورأى جندى الأمن المركزى فرصته ــ قذفت ليلى بنفسها بين تلميذها الراكع على الأرض يبحث عن نظارته والبيادة المتوجهة إلى رأسه وهى تصرخ فى الجندى ذى البيادة والدرع والخوذة «يا حيوان! إنت عندك أى فكرة راس الولد دى كلفتنى قد ايه؟» وفيما بعد، وهى تضحك وتشرب قهوتها: «كل السنين والمجهود اللى حطيته فى الولد وابن الكلب كان حيخلص لى عليه فى لحظة!» تضع أختى قلبها كله فى كل شىء وكل شخص يمر عليه طريقها.

أبتلع حبات البنادول وأستحلب بستلية بالكورتيزون وأحاول أن أكتب؛ أن أصف اليوم. قنوات التليفزيون الرسمية تكذب وتزيف إلى درجة تعدت المخجلة من زمن، بالفعل لا أتَحَمُل مشاهدتها. تبث السموم وتبث الشر. كان علينا أن نحتل ماسبيرو يوم ٢٩، تراودنى هذه الفكرة للمرة المائة. أتابع الأخبار على القنوات الفضائية وعلى تويتر. الناس ــ الناس الذين كنت معهم فى التحرير بالأمس، نهتف ونغنى ونناقش الأشكال المختلفة للإدارة والحكم – ابن أختى وبناتها وبنات أخى وابنى وأصدقاؤهم وكل الشباب وكل الناس الذين جاءوا إلى الميدان لأنهم يريدون حياة أفضل لبلادهم – سيضطرون أن يضعوا أجسادهم فى محل المواجهة مرة جديدة. ليس لديهم غير أجسادهم من عتاد. بلطجية مبارك ورجاله لهم الشوم والعصى والحجارة والصنج والسلاسل والكلاب والعربات. والجيش يقف إلى جانب ولا يرفع يده. على التليفزيون أسمع آلاف الأصوات ترتفع فى هتاف غاضب: «واحد! اتنين! الجيش المصرى فين؟» ثم: «سلمية ! سلمية!”

التعليقات