منذ البداية كانوا قد قرروا اختطاف العملية كلها، ببرلمانها ودستورها وحتى رئيسها.
وربما قرروا ذلك منذ ما قبل البداية، وتحديدا فى لحظات النهاية، نهاية المخلوع، عندما تسللوا لواذا للجلوس والتفاوض مع عمر سليمان، ممثلا عن مبارك، وعادوا من عنده راضين من الغنيمة بالاستحواذ على ميراث الحزب الوطنى، مقابل العمل على إخلاء الميدان وفرملة الثورة.
كانوا قد توصلوا إلى هذا الاختيار، لولا أن الرائعين من شبابهم فى الميدان رفضوا المشاركة فى هذا العار، وأعلنوا التمرد على منطق الصفقة، انحيازا للمبادئ، فأربكوا حساباتهم، حتى جاءت جريمة موقعة الجمل، فامتطوا المشهد مرة أخرى.
كانوا واضحين منذ البدايات فى رفضهم لأى خطوة فى اتجاه صياغة دستور تسير عليه الأمة، أو التوافق على مبادئ حاكمة لوضع الدستور، تكون معبرة عن مكونات مصر الحقيقية، وليست عنوانا لمعطيات لحظة راهنة، عابرة، فاستخدموا كل أسلحتهم المشروعة وغير المشروعة لإجهاض أية محاولة لوضع الأساس قبل البناء.
ولعل اختيارهم لمسمى «جمعة لا للمبادئ» كان تعبيرا عن جموح هادر وجنوح غير محدود نحو الاستحواذ، وبدت فى أجلى صورها سيكولوجية القنص والخطف فى التعامل مع بقية الأطراف، وعلى هذا كانت المسافات بينهم وبين «العسكرى» تتسع وتضيق حسب معايير الربح والخسارة الشخصية.
كانوا براجماتيين على نحو يجعل ميكيافيللى شخصيا ينحنى أمامهم اعترافا واحتراما لنبوغهم وتفوقهم عليه فى التعبير عن مبدأه الأشهر «الغاية تبرر الوسيلة» وبالتالى كانت الثورة بالنسبة لهم مجرد قنطرة أو قارب للعبور، لم يكن لديهم مانع من إحراقه وإغراقه فى المياه بعد الوصول إلى الشاطئ الذى يريدون.
والآن فقط تتكشف الحقائق عارية، وتسقط كل الشعارات البراقة التى استخدموها بدهاء عن التوافق والتشارك، ومن ثم يضعون الجميع أمام الأمر الواقع، ويتصرفون على أنهم ملاك البلاد الجدد، وعلى الجميع أن يحيا وفقا لما يمليه عليه المالك من قواعد وشروط.
إن أخطر ما يواجه مصر الآن هو هذا النهم الدستورى الذى أصاب ملاك البرلمان، فجعلهم يتملصون من كل ما بشروا ووعدوا به من أن الدستور دستور الأمة، وليس دستور الأغلبية، وأنهم لن يستأثروا بصياغته وكتابته، وبعد أن أغرقونا فى لعبة الصراع بين المطالبين بعشرين فى المائة، والمتمسكين بأربعين فى المائة، ها هم بكل اجتراء يعلنون الاستيلاء على خمسين فى المائة من أعضاء لجنة وضع الدستور.
لقد كانوا فى أصدق حالاتهم حينما حشدوا الجموع تحت شعار «لا للمبادئ» وها هم الآن يواصلون اتساقهم مع أنفسهم ومنطقهم الخاص.